الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل تستطيع أمريكا والصين التغلب على خلافاتهما وبناء نظام دولي مستقر؟

رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونج يكتب عن القرن الآسيوي المهدد بالخطر يتساءل

كيوبوست – ترجمات

لي هسين لونج♦

في السنوات الأخيرة، كان الناس يقولون إن القرن المقبل سيكون قرن آسيا والمحيط الهادئ، كما لو كان الأمر كذلك بالتأكيد. أنا لا أتفق مع هذا الرأي”. تلك هي الحجة التي قدمها الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ، إلى رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي، عام 1988. وبعد أكثر من 30 عاماً، أثبت دينغ أنه صاحب بصيرة. حيث أصبحت آسيا اليوم المنطقة الأسرع نمواً في العالم، بعد عقود من النجاح الاقتصادي غير العادي.

وفي غضون هذا العقد، ستصبح الاقتصادات الآسيوية أكبر من بقية اقتصادات العالم مجتمعة، وهو أمر لم يكن حقيقياً منذ القرن التاسع عشر. ولكن حتى الآن، فإن تحذير دينغ لا يزال قائماً، والقرن الآسيوي ليس حتمياً ولا مقدراً. فقد ازدهرت آسيا لأن “السلام الأمريكي”، الذي صمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفّر سياقاً استراتيجياً ملائماً. ولكن الآن، تثير العلاقات الأمريكية- الصينية المضطربة أسئلة عميقة حول مستقبل آسيا وشكل النظام الدولي الناشئ.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحودوامة أيديولوجيةوحرب باردة“؟

وتشعر دول جنوب شرق آسيا، بما في ذلك سنغافورة، بالقلق بشكل خاص؛ لأنها تعيش عند تقاطع مصالح مختلف للقوى الكبرى، ويجب أن تتجنب الوقوع في الوسط أو إجبارها على اتخاذ خيارات غير محببة. كما يجب أن يتغير الوضع الراهن في آسيا. ولكن هل سيتيح التكوين الجديد مزيداً من النجاح أم يؤدي إلى عدم استقرار خطير؟ يعتمد ذلك على الخيارات التي تتخذها الولايات المتحدة والصين، بشكل منفصل ومجتمعي. ويجب أن تعمل القوتان على وضع تسوية مؤقتة تكون قادرة على المنافسة في بعض المجالات دون السماح للتنافس بتسميم التعاون في مناطق أخرى.

السلام الأمريكي بمرحلتَيه

كان للسلام الأمريكي في آسيا في القرن العشرين مرحلتان متميزتان؛ الأولى من عام 1945 إلى السبعينيات، خلال العقود الأولى من الحرب الباردة، عندما تنافست الولايات المتحدة وحلفاؤها مع الكتلة السوفييتية على النفوذ. وعلى الرغم من أن الصين انضمت إلى الاتحاد السوفييتي لمواجهة الولايات المتحدة خلال الحربَين في كوريا وفيتنام؛ فإن اقتصادها ظل مُركزاً على الداخل ومعزولاً، وحافظت على روابط اقتصادية قليلة مع الدول الآسيوية الأخرى.

اجتماع كيسنجر مع رئيس مجلس الدولة الصينى تشو إن لاي في رحلة سرية إلى الصين عام 1971- معهد الولايات المتحدة والصين

في الوقت نفسه، وفي أماكن أخرى من آسيا، كانت اقتصادات السوق الحرة تنطلق. وكانت اليابان هي الأقدم في فعل ذلك، تليها الاقتصادات الصناعية الجديدة في هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان. وكانت الولايات المتحدة هي التي جعلت استقرار وازدهار آسيا ممكناً. ودافعت عن نظام عالمي مفتوح ومتكامل وقائم على القواعد ووفرت مظلة أمنية يمكن للدول الإقليمية أن تتعاون في ظلها وتتنافس سلمياً.

اقرأ أيضاً: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.. حرب باردة من نوع جديد

واستثمرت الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات على نطاق واسع في آسيا، وجلبت معها رأس المال والتكنولوجيا والأفكار. وعندما عززت واشنطن التجارة الحرة وفتحت الأسواق الأمريكية للعالم، نمت التجارة الآسيوية مع الولايات المتحدة. وأدى حدثان محوريان في سبعينيات القرن الماضي إلى تحويل السلام الأمريكي في آسيا إلى مرحلة جديدة؛ أما الأول فهو الزيارة السرية إلى الصين عام 1971، والتي قام بها هنري كيسنجر، ثم مستشار الأمن القومي الأمريكي، وأرست الأساس للتقارب الأمريكي- الصيني بعد عقود من العداء. والثاني هو إطلاق برنامج دنغ “الإصلاح والانفتاح” عام 1978، والذي سمح لاقتصاد الصين بالانطلاق.

وبحلول نهاية العقد، كانت الحواجز الاقتصادية آخذة في التراجع، وكانت التجارة الدولية تنمو بسرعة. وبعد انتهاء حرب فيتنام والحرب في كمبوديا، تمكنت فيتنام ودول الهند الصينية الأخرى من تركيز طاقاتها ومواردها على التنمية الاقتصادية، وبدأت في اللحاق ببقية آسيا. ولطالما نظرت العديد من الدول الآسيوية إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة كشركاء اقتصاديين أساسيين؛ لكنهم الآن ينتهزون بشكل متزايد الفرص التي أوجدها التطور السريع للصين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس كوريا الجنوبية مون جاي إن عام 2017- “فرانس برس”

ونمت التجارة والسياحة مع الصين، وأصبحت سلاسل التوريد متكاملة بإحكام. وفي غضون بضعة عقود، تحولت الصين من كونها غير ذات أهمية اقتصادية بالنسبة إلى بقية آسيا، إلى أكبر اقتصاد في المنطقة وشريك اقتصادي رئيس. وفي المقابل، نما نفوذ الصين إقليمياً. وهكذا تمتعت دول جنوب شرق آسيا بأفضل ما في العالمين، حيث أقامت علاقات اقتصادية مع الصين مع الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى. كما قاموا بتعميق العلاقات بعضهم مع بعض وعملوا معًا لإنشاء هيكل مفتوح للتعاون الإقليمي متجذر في رابطة دول جنوب شرق آسيا. ولعبت “الآسيان” دوراً مركزياً في تشكيل التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ عام 1989، وإنشاء منتدى الآسيان الإقليمي عام 1994، وعقد قمة شرق آسيا السنوية منذ عام 2005.

اقرأ أيضاً: رؤية الصين.. حملة عنيفة لخلق عالم من تصورها الخاص

وبالطبع تشارك الصين مشاركة كاملة في هذه العمليات. وفي كل عام، يسافر رئيس مجلس الدولة الصيني إلى دولة عضو في الآسيان؛ للقاء زعماء دول الآسيان، وهو مستعد جيداً لشرح كيف ترى الصين المنطقة، ومتسلح بمقترحات لتعزيز التعاون الصيني مع أعضاء المجموعة. ومع نمو أسهم الصين في المنطقة، أطلقت مبادراتها الخاصة؛ بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وقد ساعد ذلك على تعميق انخراط الصين مع جيرانها وزاد نفوذها بالطبع.

ولم يعد القادة الصينيون اليوم يستشهدون بمبدأ دينغ حول إخفاء قوتهم وتأجيل الوقت. وتعتبر الصين نفسها قوة قارية وتطمح إلى أن تصبح قوة بحرية أيضاً؛ حيث قامت بتحديث جيشها وقواتها البحرية، وتهدف إلى تحويل جيشها إلى قوة قتالية من الطراز العالمي. وتريد الصين بشكل متزايد ومفهوم تماماً حماية مصالحها في الخارج وتعزيزها وتأمين ما تعتبره مكانها الصحيح في الشؤون الدولية.

الاختيارات الأساسية للولايات المتحدة والصين

تواجه كل من الولايات المتحدة والصين خيارات أساسية، ويجب على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت ستنظر إلى صعود الصين على أنه تهديد وجودي ومحاولة كبح الصين من خلال جميع الوسائل المتاحة أو قبول الصين كقوة رئيسة في حد ذاتها. وإذا اختارت المسار الأخير، يجب على الولايات المتحدة صياغة نهج تجاه الصين من شأنه أن يعزز التعاون والمنافسة الصحية حيثما كان ذلك ممكناً ولا يسمح للمنافسة بتسميم العلاقة بأكملها. ومن الناحية المثالية، ستجرى هذه المنافسة ضمن إطار متعدد الأطراف متفق عليه من القواعد والمعايير من النوع الذي يحكم الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية.

ومن المرجح أن تجد الولايات المتحدة أن هذا يعد تعديلاً مؤلماً؛ خصوصاً مع الإجماع المتزايد في واشنطن على أن إشراك بكين قد فشل، وأن اتباع نهج أكثر صرامة ضروري للحفاظ على المصالح الأمريكية. ولكن مهما كانت المهمة صعبة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الأمر يستحق بذل جهد جاد لاستيعاب تطلعات الصين ضمن النظام الحالي للقواعد والأعراف الدولية. ويفرض هذا النظام مسؤوليات وقيوداً على جميع البلدان، كما يقوي الثقة ويساعد على إدارة النزاعات، ويخلق بيئة أكثر أماناً واستقراراً للتعاون والمنافسة.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

وإذا اختارت الولايات المتحدة بدلاً من ذلك محاولة احتواء صعود الصين، فسوف تخاطر بإثارة رد فعل قد يضع البلدين على طريق عقود من المواجهة. والولايات المتحدة ليست قوة متراجعة؛ فهي تتمتع بمرونة وقوة كبيرة، من بينها قدرتها على جذب المواهب من جميع أنحاء العالم؛ فمن أصل تسعة أشخاص من أصل صيني حصلوا على جوائز نوبل في العلوم، كان هناك ثمانية من مواطني الولايات المتحدة أو أصبحوا بعد ذلك مواطنين أمريكيين.

عدد متزايد من الصواريخ متوسطة المدى لبكين يهدد التفوق العسكري للولايات المتحدة في المنطقة- شينخوا/ “أسوشييتد برس”

ومن ناحيةٍ أخرى، يتمتع الاقتصاد الصيني بديناميكية هائلة وتكنولوجيا متقدمة بشكل متزايد؛ وهو أبعد ما يكون عن كونه الاقتصاد الموجه المترنح الذي تبناه الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة. وبالتالي، فإن أية مواجهة بين هاتين القوتين العظميين من غير المرجح أن تنتهي كما فعلت الحرب الباردة، في انهيار سلمي لصالح دولة واحدة. ومن جانبها، يجب على الصين أن تقرر ما إذا كانت ستحاول شق طريقها كقوة رئيسة غير مثقلة بالعبء، تسود بسبب وزنها الهائل وقوتها الاقتصادية؛ ولكن في مواجهة خطر التراجع القوي، ليس فقط من الولايات المتحدة ولكن من دول أخرى أيضاً.

ومن المرجح أن يؤدي هذا النهج إلى زيادة التوترات والاستياء؛ مما قد يؤثر على مكانة الصين ونفوذها على المدى الطويل. فقد أظهر استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث أن الشعوب في كندا والولايات المتحدة ودول آسيوية وغربية أخرى لديها وجهات نظر غير مشجعة للصين بشكل متزايد. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الصين مؤخراً لبناء القوة الناعمة في الخارج -من خلال شبكة معاهد كونفوشيوس، على سبيل المثال، ومن خلال الصحف الدولية ومنافذ التليفزيون الدولية المملوكة للصين- يتضح أيضاً الاتجاه السلبي.

اقرأ أيضاً: كيف تتسلل الصين إلى داخل الجامعات الأمريكية؟

وبدلاً من ذلك، يمكن أن تعترف الصين بأنها لم تعد فقيرة وضعيفة وتقبل أن العالم الآن لديه توقعات أعلى منها. ولم يعد من المبرر سياسياً أن تتمتع الصين بالامتيازات التي حصلت عليها عندما كانت أصغر وأقل تطوراً؛ مثل الشروط السخية التي انضمت بموجبها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001. ولا ينبغي للصين الأكبر والأكثر قوة احترام القواعد العالمية والمعايير فقط؛ ولكن أيضاً عليها أن تتحمل مسؤولية أكبر لدعم وتحديث النظام الدولي الذي ازدهرت في ظله بشكل مذهل.

ديناميكيات منطقة آسيا والمحيط الهادئ

ستظهر هذه الديناميكيات في جميع أنحاء العالم؛ لكن أحد المجالات الحاسمة سيكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ولطالما كان للولايات المتحدة مصالح وطنية حيوية في هذه المنطقة؛ حيث أنفقت الدماء والأموال في خوض حرب المحيط الهادئ لهزيمة اليابان، وهي الحرب التي خسرت فيها الولايات المتحدة 3 رؤساء في المستقبل. كما خاضت حربَين مكلفتَين في كوريا وفيتنام؛ مما وفَّر وقتاً ثميناً للدول غير الشيوعية في آسيا لتوحيد مجتمعاتها واقتصاداتها وكسب معركة القلوب والعقول ضد الشيوعية.

مظاهرات مناهضة للنفوذ الاقتصادي والعسكري المتوسع للصين في فيتنام- “أسوشييتد برس”

وقد أفادت سياسات الولايات المتحدة السخية والمفتوحة بشكل كبير منطقة آسيا والمحيط الهادئ المستمدة من المثل السياسية عميقة الجذور وصورتها الذاتية على أنها “مدينة فوق تلة” و”نور للأمم”، ولكنها عكست أيضاً مصلحتها الذاتية المستنيرة. وكانت منطقة آسيا والمحيط الهادئ المستقرة والمزدهرة في البداية حصناً ضد الدول الشيوعية في الحرب الباردة ثم منطقة مهمة في العالم تضم العديد من الدول المستقرة والمزدهرة التي تميل جيداً تجاه الولايات المتحدة.

وبالنسبة إلى الشركات الأمريكية، قدمت منطقة آسيا والمحيط الهادئ أسواقاً كبيرة وقواعد إنتاج مهمة. ومما لا يثير الدهشة أن العديد من أقوى حلفاء الولايات المتحدة موجودون في آسيا؛ مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك بعض شركائها القدامى؛ مثل سنغافورة. وللصين مصالح حيوية في المنطقة أيضاً. ففي شمال شرق آسيا، لا تزال الحرب الصينيةاليابانية الثانية والحرب الكورية تلقي بظلال ممتدة. وفي جنوب شرق آسيا، ترى الصين مصدراً للطاقة والمواد الخام، وشركاء اقتصاديين، وخطوط اتصال بحرية مهمة.

كما ترى نقاط الاختناق في مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، والتي يجب أن تبقى مفتوحة لحماية أمن الطاقة في الصين. لكن أحد الاختلافات الجوهرية مع الولايات المتحدة، هو أن الصين ترى منطقة آسيا والمحيط الهادئ على أنها “الخارج القريب منها”، وفقاً لتعبير روسي، وبالتالي اعتبارها ضرورية لأمنها.

فرقة مشاة بالقوات المسلحة الهندية- “فرانس برس”

ويظل الوجود الأمني ​​الأمريكي حيوياً لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ. ودون ذلك ستضطر اليابان وكوريا الجنوبية إلى التفكير في تطوير أسلحة نووية، وكلاهما من الدول التي تمتلك عتبة نووية. والموضوع يظهر بالفعل بشكل منتظم في خطابهما العام، لا سيما بالنظر إلى قدرات الأسلحة النووية المتزايدة لكوريا الشمالية. ولحسن الحظ، فلا تزال مثل هذه التطورات افتراضية؛ لكن آفاقها لا تُفضي إلى الاستقرار في شمال شرق آسيا ولا لجهود منع الانتشار عالمياً.

اقرأ أيضاً: لماذا ينبغي أن يكون الدعم الأمريكي لتايوان أكثر وضوحاً؟

وفي جنوب شرق آسيا، أسهم الأسطول السابع للولايات المتحدة في الأمن الإقليمي منذ الحرب العالمية الثانية؛ مما يضمن بقاء خطوط الاتصال البحرية آمنة ومفتوحة، كما مكّن التجارة وحفّز النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من قوتها العسكرية المتزايدة؛ فإن الصين لن تتمكن من تولي الدور الأمني ​​للولايات المتحدة. وعلى عكس الولايات المتحدة، تمتلك الصين مطالباتٍ بحرية وإقليمية متنافسة في بحر الصين الجنوبي مع العديد من الدول في المنطقة، والتي ستنظر دائماً إلى الوجود البحري الصيني على أنه محاولة لتعزيز هذه المطالبات.

وهناك عقبة أخرى من شأنها أن تمنع الصين من تولي الدور الأمني ​​الذي تلعبه الولايات المتحدة حالياً وتنبع من حقيقة أن العديد من دول جنوب شرق آسيا لديها أقليات عرقية صينية مهمة، والتي غالباً ما تكون علاقاتها مع الأغلبية غير الصينية حساسة. وهذه البلدان حساسة للغاية بشأن أي تصور بأن الصين لها تأثير مفرط على سكانها من أصل صيني؛ لا سيما مع تذكر تاريخ دعم الصين لحركات التمرد الشيوعية في جنوب شرق آسيا حتى أوائل الثمانينيات. وستقيد هذه الحساسيات دور الصين في شؤون جنوب شرق آسيا في المستقبل المنظور.

كانت حاملة الطائرات أداة تقليدية للتفوق العسكري الأمريكي حتى جاءت حاملة الطائرات الصينية الأولى لياونينغ- شينخوا/ “رويترز”

وسنغافورة هي الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي يشكل سكانها متعددو الأعراق أغلبية من أصل صيني. وهي في الواقع الدولة الوحيدة ذات السيادة في العالم التي لديها مثل هذه التركيبة السكانية بخلاف الصين نفسها؛ لكن سنغافورة بذلت جهوداً هائلة لبناء هوية وطنية متعددة الأعراق وليست هوية صينية. كما أنها كانت حريصة للغاية على تجنب فعل أي شيء يمكن أن يُساء فهمه على أنه يسمح للصين باستخدامه كمخلب قط. ولهذا لم تقم سنغافورة علاقات دبلوماسية مع الصين حتى عام 1990.

اقرأ أيضاً: الاشتباك العسكري على الحدود الهندية الصينية يشير إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي

وسيكون من الصعب للغاية أو شبه المستحيل أن تحل الولايات المتحدة محل الصين كمورد رئيس للعالم، تماماً كما سيكون من غير المعقول أن تفعل الولايات المتحدة نفسها هذا الأمر دون السوق الصينية، التي تعد ثالث أكبر مستورد للسلع الأمريكية بعد كندا والمكسيك. لكن لا يمكن للصين أن تحل محل الدور الاقتصادي للولايات المتحدة في آسيا. ويعتمد النظام المالي العالمي بشكل كبير على المؤسسات المالية الأمريكية، ولن يحل “الرنمينبي” محل الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية في أي وقت قريب.

هندسة إقليمية شاملة

ليست الولايات المتحدة والصين الدولتين الرئيستين الوحيدتين اللتين تتمتعان بنفوذ كبير في المنطقة؛ إذ تلعب أطراف فاعلة أخرى أدواراً مهمة. واليابان، على وجه الخصوص، لديها الكثير لتقدمه للمنطقة بالنظر إلى حجم وتطور اقتصادها. وفي عهد رئيس الوزراء شينزو آبي، أسهمت بنشاط أكبر من ذي قبل. وعلى سبيل المثال، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ في عام 2017، عززت اليابان جهودها.

الرئيس الصيني شي بينغ يلقي كلمة أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك.. سبتمبر 2015- “رويترز”

وتتمتع الهند أيضاً بقدر كبير من التأثير المحتمل. ففي عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أعلنت الهند تحولاً استراتيجياً من خلال سياسة قانون الشرق، وتتطلع دول أخرى إلى رؤية هذه السياسة موضع التنفيذ. وتضم قمة شرق آسيا الهند كعضو؛ لأن الأعضاء الآخرين كانوا يأملون أنه مع نمو الاقتصاد الهندي، فإنها ستشهد المزيد من القيمة في التعاون الإقليمي.

وكانت الهند أيضاً واحدة من الدول الأصلية التي تفاوضت لتشكيل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة؛ وهي اتفاقية تجارة حرة مقترحة تهدف إلى دمج جميع الاقتصادات الرئيسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، على غرار الطريقة التي اتبعتها اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا حالياً) والتي ربطت معاً دولاً في أمريكا الشمالية. وبعد مفاوضات مكثفة، قررت الهند العام الماضي عدم الانضمام إلى الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة.

اقرأ أيضاً: تسييسكورونا“.. يشعل فتيل حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين

وكما تدرك معظم الدول الآسيوية، فإن قيمة مثل هذه الاتفاقيات تتجاوز المكاسب الاقتصادية التي تحققها. إنها منصات تمكّن بلدان آسيا والمحيط الهادئ من التعاون بعضها مع بعض، وتطوير حصص في نجاح بعضها البعض، والعمل معاً على تشكيل البنية الإقليمية والقواعد التي تحكمها. ويجب أن تكون هذه الترتيبات الإقليمية مفتوحة وشاملة. ولا ينبغي لهم، سواء عن طريق التصميم أو النتيجة، إبعاد أي طرف، أو تقويض ترتيبات التعاون القائمة، أو إنشاء كتل متنافسة، أو إجبار الدول على الانحياز إلى جانب.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي في صورة جماعية قبل الاجتماع الخاص لوزراء خارجية الآسيان والصين حول جائحة كورونا.. لاوس- فبراير 2020- “أسوشييتد برس”

وهذا أيضاً هو الأساس الذي تستند إليه دول آسيا والمحيط الهادئ في دعم مبادرات التعاون الإقليمي مثل المفاهيم المختلفة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ التي اقترحتها اليابان والولايات المتحدة ودول أخرى، بالإضافة إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية. وترى العديد من الدول الآسيوية الأخرى أن دعم مبادرة الحزام والطريق وسيلة بناءة لاستيعاب النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة.

ستشكل الخيارات الاستراتيجية التي تتخذها الولايات المتحدة والصين ملامح النظام العالمي الناشئ. ومن الطبيعي أن تتنافس القوى العظمى؛ لكن قدرتها على التعاون هي الاختبار الحقيقي لفن الحكم، وسيحدد ما إذا كانت البشرية تحرز تقدماً في المشكلات العالمية مثل تغير المناخ، والانتشار النووي، وانتشار الأمراض المعدية. وتعد جائحة كورونا تذكيراً صارخاً بمدى أهمية عمل البلدان معاً. فهناك الأمراض التي لا تحترم الحدود الوطنية، وهناك حاجة ماسة إلى التعاون الدولي للسيطرة على الوباء وتقليل الأضرار على الاقتصاد العالمي.

اقرأ أيضاً: فرانسيس فوكوياما يكتب: الجائحة والنظام السياسي

وحتى مع وجود أفضل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، فإن تصعيد استجابة جماعية للجائحة سيكون تحدياً كبيراً. ولسوء الحظ، تؤدي الجائحة إلى تفاقم التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتزيد من انعدام الثقة، والتفوق الأوحد، واللوم المتبادل. ومن المؤكد أن هذا سيزداد سوءاً، كما يبدو الآن لا مفر منه، ويمكن للمرء أن يأمل فقط في أن خطورة الموقف ستجعل العقول تركز وتسمح للمشورة الأكثر حكمة بأن تسود.

وفي غضون ذلك، فإن الدول الآسيوية لديها ما يشغلها، والتعامل مع الجائحة والعديد من العقبات الأخرى التي تحول دون تحسين حياة مواطنيها وخلق منطقة أكثر أمناً وازدهاراً. وسوف يعتمد نجاحها -وآفاق قرن آسيوي- بشكل كبير على ما إذا كانت الولايات المتحدة والصين يمكنهما التغلب على خلافاتهما، وبناء الثقة المتبادلة، والعمل بشكل بناء لدعم نظام دولي مستقر وسلمي.

♦رئيس وزراء سنغافورة

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة