الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل تحذف تونس مرجعية الإسلام من الدستور؟

الإعلان عن تعديل الصيغة الحالية للفصل الأول من الدستور جاء للتصدي للأحزاب ذات المرجعية الدينية كحركة النهضة

كيوبوست – فاطمة بدري 

عاد الجدل حول مسألة الهوية في تونس بعد أن أعلن منسق الهيئة الوطنية الاستشارية لإعداد دستور “الجمهورية الجديدة” في تونس الصادق بلعيد، أنه سيعرض على الرئيس قيس سعيد مسودة لدستور لن تتضمن ذكر الإسلام كدين للدولة، بهدف التصدي للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، مثل حركة النهضة.

وقال بلعيد، في حوارٍ مع وكالة الأنباء الفرنسية، الاثنين السادس من يونيو الجاري، أن “80 بالمئة من التونسيين ضد التطرف، وضد توظيف الدين من أجل أهدافٍ سياسية، وهذا ما سنفعله تحديداً، وسنقوم بكل بساطة بتعديل الصيغة الحالية للفصل الأول”، مؤكداً في رده على سؤال: هل يعني ذلك أن الدستور الجديد لن يتضمن ذكراً للإسلام؟ بقوله “لن يكون هناك”.

وتابع بلعيد “إذا تم توظيف الدين من أجل التطرف السياسي فسنمنع ذلك”، وأضاف “لدينا أحزاب سياسية أياديها متسخة، أيها الديمقراطيون الفرنسيون والأوروبيون شئتم أم أبيتم، فنحن لا نقبل بأشخاص وسخين في ديمقراطيتنا”.

اقرأ أيضا: عودة المخاوف من أسلمة الدولة في تونس

وينص الفصل الأول من الباب الأول للمبادئ العامة لدستور 2014 أن “تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها”. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس التونسي قيس سعيّد قد علق العمل بأجزاء كبيرة من دستور 2014 نهاية سبتمبر الفائت، وكلَّف لجنة، خلال شهر مايو الماضي، لإعداد مسودة من أجل تنقيح الدستور على أن ينظر فيها الرئيس لاحقاً. وعيَّن سعيّد الصادق بلعيد، وهو أستاذ جامعي متخصص في القانون الدستوري (83 عاماً) في الـ20 من مايو الماضي، للإشراف على هذه الهيئة.

وأوضح بلعيد “النهضة وأحزاب أخرى تخدم الكثير من القوى أو الدول أو الدويلات الأجنبية التي تمتلك أموالاً كثيرة، وتريد إنفاقها كما يحلو لها وتوظفها للتدخل في شؤون الدول.. هذه خيانة”.

والصادق بلعيد جامعي متقاعد من تدريس القانون بكليات القانون التونسية، شغل خطة عميد كلية العلوم القانونية والسياسية والاقتصادية بالعاصمة بين سنوات 1971 و1977 زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولذلك يسمى بـ”العميد”.

جدل كبير سيطرحه تعديل الفصل الأول من الدستور (صورة وكالات)

وانطلقتِ اللجنة التي يترأسها الصادق بلعيد، السبت، في حوارٍ وطني رفض الكثير من الأحزاب الكبرى في البلاد والنقابات المشاركة فيه، لكن بعض القوى السياسية والشخصيات الوطنية والمنظمات شاركت فيه.

ويتوافق توجه بلعيد بشأن حذف دين الدولة من الدستور مع موقف الرئيس سعيد من هذه النقطة، إذ سبق وأن انتقد سعيد البند الأول من دستور 2014، الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة التونسية. وقال سعيّد، حينها خلال موكب ديني في رمضان الماضي، إن “الإسلام هو دين الأمة وليس دين الدولة، ونحن لا نصلي أو نصوم بناء على الفصل الأول من الدستور، وإنما بأمرٍ من الله”. وأضاف سعيّد أن “الدولة ذات معنوية مثل الشركات، فما معنى أن يكون لها دين”، مشيراً إلى أن “العلاقة مع الله، وليست مع من يدعي أنه الجهة الوحيدة المخولة لعبادة الله”.

اقرأ أيضاً: التونسيون يجددون المطالبة بمحاسبة النهضة من أجل جمهورية جديدة

ويعود الخلاف حول المسألة الدينية في الدستور بتونس إلى دولة الاستقلال، عندما كان المجلس القومي التأسيسي يعكف على إعداد أول دستورٍ للجمهورية التونسية، بعد الاستقلال من الاحتلال الفرنسي. ففي تلك الفترة شهدت البلاد صداماً كبيراً بين المحافظين ممثلين بالزيتونيين، والحداثيين العائدين حينها من الدراسة في فرنسا حول مسألة تضمين الدين والشريعة في دستور 1959. وتدخل بورقيبة واقترح الصيغة المتعارف عليها “تونس دولة دينها الإسلام” دون أن يطرح صيغة مسلمة أو إسلامية.

واستمر الوضع كذلك حتى اندلاع الثورة وصعود الإسلاميين للحكم والذين حاولوا توظيف السلفيين ووضعهم في الواجهة للتجييش والضغط من أجل التنصيص على الشريعة في الدستور، وتغيير الفصل الأول، ولكن تصدى لهم الديمقراطيون في البرلمان وفي الشارع. وكادت أن تسقط البلاد في العنف جراء ذلك، واضطرت حركة النهضة للرضوخ وعدم تعديل الفصل الأول من الدستور.

الاستفتاء سيحسم قرارات سعيّد (صورة وكالات)

قرار مهم

المحامي والناشط السياسي حازم القصوري يرى أن قرار تعديل الدستور مهم، ويجب عدم التراجع عنه، حتى يتسنى إبعاد الأحزاب ذات المرجعيات الدينية.

حازم القصوري

وقال لـ”كيوبوست”: “جميع التونسيين يتطلعون لدولةٍ مدنية، ولإبعاد الدين عن السياسة، ولهذا فمن البديهي أن ندعم فكرة تعديل الفصل الأول من الدستور بعدم التنصيص على الإسلام كدين للدولة، وذلك لعدة اعتبارات. أولا، صياغة هذا الفصل يلفها الكثير من الغموض، ولذلك ظل هذا الفصل على مدى سنواتٍ محل نقاش سياسي وقانوني، ونحن نعرف أن كل غموض هو مدعاة للتأويل، والأكيد أن شكل التأويل والقراءة والتصرف يتحدد حسب الانتماء الفكري والإيديولوجي لمن في السلطة.

فمثلاً مع بورقيبة، وبن علي، لم يتم توظيف هذا الفصل من أجل ومحاولة استخدامه من أجل تفعيل أسلمة البلاد، والخلط الصريح بين السياسة والدين. ولكن بمجرد صعود حركة النهضة للسلطة سعَت للتصرف في هذا الفصل من أجل مزج الدين بالسياسة، وضرب مدنية الدولة. وثانياً نحن نسعى للقضاء على فكرة وجود أحزاب ذات مرجعية دينية في المشهد السياسي على غرار حزب حركة النهضة، ولهذا فإن تعديل الفصل الأول من الدستور بعد التنصيص على الدين الإسلامي كدين للدولة يمكن أن يتوفر سند قانوني للحد من وجود هذه الأحزاب وقطع الطريق أمام ونشاطها، وبذلك يمكن الحديث حينها عن دولة مدنية، كما ننشدها جميعا في تونس، وأن لا تكون مجرد شعارات”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة