الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل تحدث مواجهة مصرية- تركية في ليبيا؟

يمثل التدخل العسكري المصري في ليبيا خياراً حتمياً.. فهي حرب ضرورة وليست "حرب اختيار" لتأمين القاهرة من الهجمات الإرهابية

كيوبوست

في ضوء التصريحات التركية المتتالية حول إقدامها على شن عملية عسكرية في ليبيا من أجل انتزاع السيطرة على مدينتَي سرت والجفرة، يثار التساؤل حول فرص اندلاع صراع بين مصر وتركيا في ليبيا؛ خصوصاً بعد أن حددت القاهرة خطوطها الحمراء في ليبيا، والتي تقع عند الخط الواصل بين المدينتين.

ويستند الحديث عن وقوع معركة بين مصر وتركيا في ليبيا إلى افتراضين أساسيَّين؛ يتمثل أولهما في جدية أنقرة على شن عملية عسكرية للسيطرة على سرت والجفرة، أما ثانيهما فإنه يتمثل في حالة إقدام تركيا على شن عملية عسكرية على سرت تحديداً، فإن روسيا لن تدافع عنها. ويلاحظ أن كلا الافتراضين يواجهان بدرجة عالية من التشكيك، على نحو ما سيلي تفصيله. وقبل الشروع في تحليل هذين الافتراضين، يجب أولاً الإشارة إلى مدى جدية مصر في شن عملية عسكرية في ليبيا ضد تركيا للدفاع عن مصالحها، وخطوطها الحمراء التي أعلنت عنها في غير مرة.

اقرأ أيضًا: الليبيون يطالبون بتدخل الجيش المصري لمواجهة “العثمانيين الجدد”

حرب الضرورة:

أكدت القاهرة رفضها التدخل في الصراع الليبي، إلا بطلب من الأشقاء الليبيين، ولحماية أمنها القومي من التهديدات الإرهابية؛ خصوصاً مع إطلاق ميليشيات الوفاق، بتحريض من تركيا وقطر، تهديدات علنية، بأن هدفها ليس السيطرة على شرق ليبيا، ولكن التقدم باتجاه مصر، وتزامن ذلك الحديث مع تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في سيناء من جديد، بعد توقف لفترة زمنية طويلة نسبياً.

وكشف السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة جمهورية مصر العربية، عن أن القوات المسلحة دمرت نحو 10 آلاف سيارة دفع رباعي محملة إرهابيين على الحدود الغربية في خلال 6 سنوات[1]، كما نجحت بعض العناصر الإرهابية القادمة من ليبيا خلال نفس الفترة، في التسلل إلى صعيد مصر وتنفيذ عمليات إرهابية ضد المسيحيين؛ في محاولة لإثارة فتنة طائفية، والتي كان أبرزها هجوم “داعش” الإرهابي في 26 مايو 2017، والذي أودى بحياة 29 مسيحياً من أبناء محافظة المنيا[2]، فضلاً عن قيام “داعش” باختطاف وإعدام 21 مسيحياً مصرياً في مدينة سرت الليبية وإعدامهم في أوائل عام 2015[3].

المصريون الذين أعدمهم تنظيم داعش الإرهابي عام 2017 – أرشيف

وفي ضوء الاعتبارات السابقة، يمثل التدخل العسكري المصري في ليبيا خياراً حتمياً؛ فهي حرب ضرورة وليست “حرب اختيار”؛ وذلك لتأمين القاهرة من الهجمات الإرهابية، خصوصاً أن أنقرة أبدت استعدادها لتوظيف التنظيمات الإرهابية، ليس فقط في ليبيا وحسب؛ بل ولدعم كل التنظيمات الإخوانية- القاعدية في شمال إفريقيا.

وتتضح هذه الحقيقة بجلاء في الحالة التونسية؛ فقد أعلنت الداخلية التونسية، في 22 يوليو 2020، توقيف خلية إرهابية تلقت عناصرها تدريبات على صناعة المتفجرات بالاستعانة بعناصر إرهابية موجودة بمناطق النزاع[4]، في إشارة إلى ليبيا أو سوريا، وذلك بالتزامن مع تواتر أنباء عن استقدام تركيا إرهابيين تونسيين من سوريا إلى ليبيا، وهو ما يؤشر على اتجاه أنقرة والدوحة إلى توظيف العناصر الإرهابية ضد تونس؛ لابتزازها والضغط عليها لإجبار الحكومة التونسية على التماهي مع موقف حزب النهضة الإخواني الداعم لحكومة الوفاق، خصوصاً أن الرئيس التونسي قيس سعيّد، سبق أن أكد أن شرعية حكومة الوفاق “شرعية مؤقتة لا يمكن أن تستمر”[5].

اقرأ أيضًا: الرئيس التونسي يعلنها صراحة: شرعية حكومة الوفاق الليبية مؤقتة!

ودفعت هذه التطورات القاهرة إلى إرسال عدة رسائل واضحة إلى تركيا بجديتها في التدخل العسكري، وهو ما وضح في قيامها بمناورات مفاجئة، تحت اسم “حسم 2020″، في 11 يوليو، والتي شملت محاكاة لتدخل مصري في ليبيا ضد قوات المرتزقة التركية[6]. كما قامت المقاتلات المصرية “ميج 29” باستخدام تقنية التزود بالوقود جواً، وذلك من أجل منح هذه المقاتلات القدرة على قطع مسافات طويلة لتنفيذ عمليات عسكرية في قلب ليبيا.

ومن جهة ثانية، أعلن الجيش الوطني الليبي نشر أنظمة الدفاع الجوي “إس 300” في المنطقة الشرقية والحدودية مع مصر؛ لتأمينها من أية هجمات تركية، في حالة قررت مصر نشر قوات داخل ليبيا. وتوضح الإجراءات العسكرية السابقة، أن القاهرة أعلنت استعدادها لملاقاة أنقرة، أو ميليشياتها في المسرح الليبي، تاركة للأخيرة تحديد موعد هذا الهجوم، إن أبدت جدية في شن هجوم على سرت.

الرئيس المصري متوسطاً قادة عسكريين بالمنطقة الغربية على الحدود – أرشيف

جدية تركيا في السيطرة على سرت:

تواصل أنقرة من فترة لأخرى تعبئة ميليشيات مصراتة؛ بهدف شن عملية عسكرية من جديد ضد سرت. وعلى الرغم من التهديدات التركية المتوالية؛ فإنها لا تكتسب مصداقية كبيرة، بالنظر إلى عاملين أساسيين؛ يتمثل أولهما في افتقاد أنقرة تأمين قواتها المهاجمة في حالة شن هجوم على سرت، إذ إنه من أجل أن تتمكن ميليشيات الوفاق من شن هجوم على سرت، لا بد من توفير غطاء جوي للقوات المهاجمة؛ حتى تتمكن من الاقتراب من سرت، وحتى لا يتم سحقها من قِبل المقاتلات الروسية على نحو ما حدث سابقاً في أوائل يونيو 2020. ويتطلب توفير غطاء جوي إما نشر نظم دفاع جوي بعيد المدى، وإما مقاتلات توفر الإسناد الجوي للقوات المهاجمة.

ولا تمتلك أنقرة من منظومات الدفاع الجوي في ليبيا سوى منظومات “هوك”؛ وهي منظومة دفاع جوي صاروخية أرض- جو متوسطة المدى، من إنتاج أمريكي، وقد أثبتت هذه المنظومة قصورها الواضح في الدفاع عن الوطية؛ حيث تم تدمير منظومتين من طراز “هوك” في 5 يوليو، واللتين كانتا توجدان بالقاعدة، وهو ما يعني أن أنقرة لن تتمكن من تطوير هجومها باتجاه سرت، سوى من خلال نشر نظم دفاع جوي بعيدة المدى؛ مثل “إس 400″، سواء للدفاع عن قواعدها الحالية أو لتأمين الهجوم على مدينة سرت.

اقرأ أيضاً: هل تشهد ليبيا مواجهة عسكرية مصرية- تركية؟

وعلى الرغم من وجود تلميحات بإمكانية إقدام أنقرة على ذلك، فإن كلفة هذا الإجراء سوف تكون مرتفعة، نظراً لأنه سيعرِّض تعاونها الدفاعي مع موسكو إلى الخطر، وذلك في الوقت الذي تعيد فيه واشنطن النظر في تعاونها مع أنقرة عسكرياً، كما أن إقدام أنقرة على نشر المنظومة الروسية في ليبيا سوف يدفع موسكو إلى تدميرها؛ خصوصاً إذا ما وظفتها أنقرة لتهديد الوجود العسكري الروسي في الجفرة، بما يرتبه ذلك من خسارة أنقرة أي مكاسب تسعى لتحقيقها من وراء تلك الخطوة.

ويعد الخيار الآخر أمام أنقرة هو توفير غطاء جوي باستخدام المقاتلات التركية من طراز “إف 16″، غير أن محاولة توظيفها قد تعرضها إلى الاستهداف من قِبل المقاتلات الروسية، كما أن وزارة الدفاع الأمريكية، كشفت في 21 يوليو 2020 عن أن قواتها الجوية ستدفع مقابل شراء 8 طائرات من طراز “إف 35” كان من المقرر تسليمها إلى تركيا، على خلفية العقوبات على أنقرة لشرائها “إس 400” الروسية، وهو ما يؤشر على أن واشنطن لن تمد أنقرة بأية منظومات عسكرية متطورة تؤهلها لتحقيق تفوق عسكري في مواجهة خصومها في المسرح الليبي.

بوتين وأردوغان – أرشيف

أما ثاني هذه العوامل فيتصل بمدى استعداد ميليشيات الوفاق للدخول في معركة عسكرية خاسرة أخرى حول سرت؛ خصوصاً أن محاولتها السابقة للسيطرة عليها في أوائل يونيو قد تم إحباطها من جانب المقاتلات الروسية. ويجب الأخذ في الاعتبار أن ميليشيات الوفاق ليست ميليشيات موحدة؛ بل هي ميليشيات متباينة الأهداف والأجندات، وتبدي قلقاً من أية محاولة تركية للتأثير على التوازنات بينها، من خلال تقديم الدعم للميليشيات الموالية للإخوان المسلمين و”القاعدة” في ليبيا. ومن ثمَّ، فلن تكون على استعداد للتضحية بنفسها في معركة عسكرية خاسرة.

ويوضح ما سبق أن أنقرة لا تمتلك من القدرات العسكرية الملائمة التي تؤهلها لتطوير هجوم عسكري على سرت، كما أن محاولة شن أي هجوم عليها، باستخدام نفس الأسلوب السابق، سوف تجعلها أشبه بهجوم انتحاري لا يحقق أي أهداف عسكرية تُذكر.

اقرأ أيضًا: اتفاق ترسيم الحدود البحرية التركي- الليبي يهدد شرعية حكومة السراج

رهانات تركيا الخاسرة على موسكو:

سعت أنقرة منذ بداية الأزمة الليبية لتأكيد توصلها إلى تفاهمات مع موسكو، تقضي بانسحاب الأخيرة من سرت، وتسليمها إلى أنقرة. وفي منتصف يوليو، روَّج الإعلام التركي إلى انسحاب قوات فاغنر الروسية من غرب سرت إلى شرقها، وذلك بالتزامن مع إعلانه تقدم ميليشيات الوفاق باتجاه المدينة، غير أن هذه الادعاءات ثبت عدم صحتها، فقد انسحبت ميليشيات الوفاق وعادت إلى مصراتة من جديد، كما أن “قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا” (أفريكوم) نشرت الجمعة، الموافق 24 يونيو، صوراً جوية تظهر قوات فاغنر ومعدات روسية على الخطوط الأمامية في مدينة سرت الليبية[7]، وقيام روسيا بنشر نظم الدفاع الجوي من طراز “بانتسير إس”.

وقد تأكدت أنقرة من نشر نظم دفاع جوي حول سرت، حتى قبل إعلان أفريكوم، فقد أكدت غرفة عمليات الجيش الليبي أن منصات الدفاع الجوي لقوات الجيش الوطني الليبي استهدفت طائرة استطلاع تركية وقامت بإسقاطها في الساحل الغربي لمدينة سرت في 23 يوليو 2020[8].

ومن جهةٍ أخرى، فإن حديثاً عن التوصل إلى تفاهمات بين روسيا وتركيا حول ليبيا يغفل حقيقة استمرار الصراع بينهما في سوريا، ففي 16 يونيو 2020، قصفت طائرة مسيرة تركية نقطة مشتركة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وروسيا؛ ما أسفر عن إصابة جنديين من القوات الروسية وعنصر من قوات النظام. وجاء هذا الهجوم التركي رداً على قصفٍ جوي بطائرات روسية لمدينة الباب في ريف حلب، فضلاً عن القصف المدفعي والصاروخي المتواصل للجيش السوري والميليشيات الموالية لإيران، لكل مناطق ريف إدلب الجنوبي وبالأخص مدينة أريحا وبلدات وقرى جبل الزاوية؛ وهو ما دفع الطرفَين إلى استنفار جميع مقاتليهما في أدلب[9].

اقرأ أيضًا: المصالح المشتركة بين تركيا وروسيا تمنع الصدام في ليبيا

وتوضح مثل هذه الاشتباكات أن روسيا وتركيا عاجزتان عن التوصل إلى تفاهمات حول سوريا؛ الأمر الذي يعني أن موسكو لم تحصل من أنقرة على أي تنازلات يمكن للكرملين أن يقايضها بتنازلات مقابلة في المسرح الليبي، وهو ما يجعل الحديث عن مقايضة روسية- تركية أمراً مستبعداً في المدى المنظور.

ونخلص من العرض السابق إلى أن هناك استعداداً مصرياً للتدخل عسكرياً في ليبيا؛ دفاعاً عن خطوطها الحمراء، التي أعلنتها في السابق. ويبقى التساؤل حول مدى جدية أنقرة في مهاجمة سرت عسكرياً، وفي ضوء افتقادها القدرات العسكرية اللازمة التي تؤهلها لشنّ هجوم ناجح.

المراجع:

[1] https://bit.ly/39rwQTF

[2] https://bit.ly/3jBcH2h

[3] https://bit.ly/32Z0KxH

[4] https://al-ain.com/article/1595407804

[5] https://bit.ly/32RTS4Y

[6] https://bit.ly/39ySEgs

[7] https://arbne.ws/3hs7eci

[8] https://bit.ly/2WVus2D

[9] https://bit.ly/3fURqhM

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة