الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجيةشؤون دولية

هل تتورط قطر في تمويل “حزب الله” عبر ألمانيا؟

ملف سري ومبالغ ضخمة وشركة مشبوهة

كيوبوست- ترجمات

ياسين مشربش وهولغر ستارك♦

عادة ما يتم إخفاء عالم الاستخبارات السري والوكلاء الخاصين والعقول المدبرة بعيداً عن الجمهور، ونادراً ما يرتفع الستار ليكشف الخبايا عن كثب. غير أن أحداث هذه القضية تدور حالياً بين برلين وبروكسل والدوحة. حيث يتعلق الأمر بالمال والسياسات الكبرى، وتجارة الأسلحة والإرهاب. وأخيراً وليس آخراً، يأتي السؤال الأخلاقي: إلى أي مدى يمكن لوكالة علاقات عامة ألمانية محترمة أن تذهب في أعمالها؟ 

اقرأ أيضاً: تمويل الإرهاب.. كيف تجد قطر نفسها متورطة في الجدل مجددًا؟

تبدأ القصة مع جايسون. ج، وهو مقاول خاص يعمل بصفة مستمرة مع مختلف الأجهزة الأمنية ووكالات الاستخبارات، ويدير شركته الصغيرة الخاصة، متجولاً حول العالم؛ بما في ذلك الدوحة، عاصمة قطر، الإمارة الصغيرة الغنية على الخليج العربي، والتي تخطط لاستضافة كأس العالم في غضون عامين. وهي تعد لاعباً نشطاً بشكل مذهل في عالم الظل لأجهزة الاستخبارات، وقد تعرضت لانتقاداتٍ متكررة؛ بسبب دعمها المزعوم للجماعات الإسلامية.

وفي الدوحة، صادف جايسون بعض المعلومات المشينة. حيث كانت هناك صفقة أسلحة مزعومة وذخائر حربية قادمة من أوروبا الشرقية، وكان من المفترض أن تتولى التعامل معها شركة في قطر. وكانت هناك مزاعم بتدفقات مالية من العديد من الأثرياء القطريين واللبنانيين المنفيين في الدوحة إلى “حزب الله”، المنظمة التي تشكل جزءاً من الحكومة في لبنان؛ ولكنها محظورة دولياً كمنظمة إرهابية، وتم حظرها في ألمانيا منذ شهر أبريل الماضي. ويقال إن هذه التبرعات تمت بمعرفة مسؤولين حكوميين مؤثرين من خلال منظمة خيرية في الدوحة.

شاهد: فيديوغراف.. أدلة جديدة على رشاوى قطر لتنظيم كأس العالم 2022

ونتج عن ذلك ملف ضخم يحتوي على بيانات تُدين قطر، حيث تمكنت صحيفة “دي تسايت” من الاطلاع على أجزاء منه؛ وهو ملف حساس إلى حد كبير. فإسرائيل والولايات المتحدة تحاولان منذ فترة طويلة، تجفيف مصادر تمويل “حزب الله”. ومن شأن وجود أدلة ملموسة على تدفق الأموال من الخليج إلى الجماعات الإرهابية، أن يزيد من الضغط على قطر، وربما يؤدي إلى فرض عقوبات عليها. لذا، فما الذي يجب عمله تجاه ذلك الملف؟

أمين عام “حزب الله” يستقبل رئيس الوزراء القطري.. مايو 2010- “فرانس برس”

في نهاية عام 2017، التقى جايسون. ج، محامياً ذا علاقات ممتازة في الأوساط السياسية الألمانية، وقدمه بدوره إلى المستشار السياسي لبرلين، مايكل إيناكير. وكان إيناكير يعمل في شركة “دبليو. إم. بي” يوروكوم للاستشارات، منذ عام 2014، قبل أن يصبح رئيس مجلس إدارتها عام 2015.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحظر “حزب الله” اللبناني

وقبل ذلك، كان يتنقل بين عالمَي الإعلام والشركات لعدة سنوات، كما عمل في صحيفة فرانكفورتر العامة، وكان عضواً في مجلسَي تحرير صحيفتَي “هاندلسبلات” و”فيتشزفاخ”، اللتين تصدران على غرار “دي تسايت” من دار “هولتزبرينك” للنشر، وعمل لصالح “دايملركرايسلر” و”ميترو أي جي”. حيث يتمتع إيناكير بمكانة كبيرة في هذه الصناعة، أو كما يقول هانز هرمين، مؤسس موقع “إيكس بيكتشير بووس”: “التواصل هو حال كل المعارك، ومَن يكُن قادراً على الإقناع يفُز!”.

الملف السري قد يساوي نحو عشرة ملايين يورو

قدم جايسون. ج المواد التي تُدين الدوحة إلى كلٍّ من المحامي وإيناكير. وكان السؤال يتمحور حول ثمن مقايضة ملف كهذا، وتصاعدت التقديرات حتى وصلت إلى عشرة ملايين يورو. ويقول إيناكير اليوم إن هذا “قد يكون المبلغ (المستهدف) الذي كان يأمله المخبر نفسه أو محاميه من عملية البيع”. وإنه وجد أن هذه المواد “قد تكون مهمة لمكافحة تمويل الإرهاب الإسلامي”، ولهذا السبب ساعد في إقامة اتصال مع السلطات الأمنية الألمانية؛ “من أجل إجراء تقييم هناك”. وقد وصلت العملية مباشرة إلى أعلى المستويات الأمنية. وكان يجب أن يُقَيِّم الخبراء الألمان المخبر وتاريخه. وجاءت النتيجة مثيرة للاهتمام.

أنصار “حزب الله” يحملون شعار الحزب خلال موكب ديني بمناسبة ذكرى عاشوراء في ضواحي بيروت.. لبنان أكتوبر 2016- “رويترز”

وينبغي تقسيم عائدات الأعمال المحتملة على النحو المنصوص عليه في عدة عقود واتفاقات. ولبضعة أشهر، بدا أن العديد من الرجال يمكن أن يصبحوا أثرياء، ولكن مَن هو الأكثر اهتماماً بشراء هذا الملف الحساس؟ هل خصوم قطر؟ أو ربما حتى قطر نفسها، التي لديها حاجة ماسة لجعل هذه المعلومات المزعومة تختفي.

“دبليو. إم. بي” ترتب اجتماعات مع دبلوماسيين قطريين

كان الأمر ملائماً؛ حيث إن “دبليو. إم. بي” يوروكوم، عملت لصالح قطر من قبل، وإيناكير معروف من قِبل أحد كبار الدبلوماسيين القطريين، وقد اعترف لاحقاً بأنه “أعطى” معلومات إلى “وكلاء قطريين“. وكان الأمر يتعلق “بالشفافية ومحاربة بعض الشبكات الخطيرة المعادية لإسرائيل”. وفي بداية عام 2019، اجتمع إيناكير وجايسون. ج والدبلوماسي القطري، وتناولوا الغداء في بروكسل؛ من أجل مناقشة التفاصيل.

اقرأ أيضاً: إجراءات تكشف ازدواجية سياسة قطر في تمويل الإرهاب ومكافحته معًا

وحسب جايسون، فإن وساطة إيناكير فتحت الباب لعقد 6 اجتماعات لاحقة مع الدبلوماسي القطري، الذي أعرب عن سعادته؛ لأن جايسون أبدى استعداده للمساعدة في إنهاء الأمور مع بلاده، بمعنى استخدام المعلومات من الملف لإزالة “الأشخاص المشبوهين في صفوفهم”. ووفقاً لجايسون. ج، كانت هناك تعليقات مزعجة حول إسرائيل؛ ففي أحد الاجتماعات، قال الدبلوماسي القطري إنهم تعلموا منذ البداية “أن اليهود هم أعداؤهم”. هذا ما شهد به جايسون على الأقل. وقد حاولت الصحيفة الاستفسار، إلا أن الدبلوماسي رفض الرد على استفسارات صحيفة “دي تسايت” بهذا الشأن.

دمايكل إيناكير المدير التنفيذي لشركة “دبليو. إم. بي” وهي وكالة اتصالات مقرها برلين- أرشيف

وزعم جايسون أنه تلقى 10000 يورو نقدًا عدة مرات خلال الاجتماعات المتعاقبة، لافتاً إلى أن القطريين دفعوا 100 ألف يورو أخرى؛ لكن دون وجود أي دليل مكتوب على ذلك. وفي بداية شهر يوليو من عام 2019، أبرم جايسون صفقة مع القطريين؛ حيث اطَّلعت “دي تسايت” على مذكرة تفاهم جاء فيها أن جايسون تلقى 10000 يورو شهرياً لمدة عام كمستشار، على أن يلتزم القطريون بعدم ملاحقته بالتجسس وعدم مشاركة معلوماته مع دول أخرى.

اقرأ أيضاً: تقرير يكشف عن تمويل قطر للجماعات الإرهابية في أوروبا

ويقول جايسون إنه قدم أسماء المانحين والمؤيدين القطريين؛ بما في ذلك لواء مؤثر كان على اتصال مع القوات المسلحة القطرية والجيش القطري. كما أكد محامي جايسون الجديد أن العقد موجود وموثق، ومدته عام واحد.

اتفاقيات العمولة مع”دبليو. إم. بي”

في أغسطس 2019، أبرمت شركة جايسون. ج، اتفاقية رسمية مع مؤسسة “دبليو. إم. بي” يوروكوم، وقعها الرئيس التنفيذي إيناكير. وأفادت وثيقة اطَّلعت عليها الصحيفة أن شركة جايسون مهتمة بتطوير العلاقات التجارية مع قطر. وستعمل “دبليو. إم. بي” على “تمكين وتعزيز الاتصالات التجارية والعقود” لشركة جايسون. ج، كما أن جميع المعاملات التي “تؤدي إلى صفقة”، تحصل جراءها “دبليو. إم. بي” على عمولة بنسبة 20% من المبيعات.

اقرأ أيضاً: خسارة ثقيلة بعد الحظر.. ما أهمية ألمانيا بالنسبة إلى “حزب الله”؟

ويزعم جايسون. ج، أنه كان يجتمع مع إيناكير بانتظام، وأعطاه حصته من مدفوعات قطر نقداً. وقد أظهرت بعض الإيصالات قيام عضو عسكري قطري بتحويل 15000 يورو إلى جايسون في شهر مارس وحده.

وزير الخارجية الألماني سيجمار جبريل مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في الدوحة 2017- وكالات

ويتحدث إيناكير عن “اتفاق عمولة معتاد” يتعلق بـ”الشروع الناجح في الأعمال التجارية مع الشركات في الخليج“، وهو “الاتفاق الذي لم يؤتِ ثماره قط”. وأن جايسون طرح أفكاراً شفهية تتعلق بنسبة مئوية من عائدات بيع معلومات معينة، لكن “لم يتم التوصل إلى عقد”. وأن شركته “لم تتلق قط دفعة من المبلغين”، كما “لم يتم إبرام أي اتفاقات أخرى بين شركتنا والعميل المعني في أي وقت ولا في الوقت الحالي”.

ولعل النقطة الأخيرة على الأقل ليست صحيحة تماماً؛ فبعد أسابيع قليلة من الاتفاقية الأولى، أبرمت شركتا جايسون وإيناكير اتفاقية ثانية، وقد اطلعت عليها “دي تسايت”، ونصت في حينه على أن لدى شركة جايسون “اتصالات واسعة، وعلاقات مع العملاء المحتملين” لشركة “دبليو. إم. بي” “المهتمة بكسب عملاء جدد”، وتلتزم شركة جايسون بتمكين وتعزيز “اتصالات وعقود العملاء المناسبة” على أن تحصل على 27,5% من مبيعاتها.

اقرأ أيضاً: 5 مصادر لتمويل “حزب الله” أنقذته من الموت بسبب العقوبات الدولية

وفي المقابل، يحق لشركة “دبليو. إم. بي” أيضاً الحصول على عمولة بنسبة 27,5% من قيمة الأعمال التي توسطت فيها شركة جايسون “في مجال تحليل المخاطر”. وبعد طلبات متعددة، أقرت شركة “دبليو. إم. بي” وجود الاتفاقية الثانية؛ لكنها أعلنت أنها يجب أن تحل محل الاتفاقية الأولى.

القطريون يعرضون 750000 يورو مقابل التكتم

وبينما امتنع كلٌّ من حكومة قطر والسفير القطري في برلين عن التعليق على تلك التفاصيل، أكد متحدث باسم الحكومة أن “قطر تلعب دوراً مركزياً في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط”، وأن لدى بلاده “قوانين صارمة لمنع تمويل الإرهاب من قِبَل الأفراد”، وأن أي شخص يُقدِم على ذلك فسوف يُقبض عليه بقوة القانون الصارمة.

مظاهرة للجالية العربية في برلين للاحتجاج على تمويل قطر للإرهاب- سبتمبر 2017

ويقول جايسون إنه طلب من محاميه الجديد في برلين عدم التوقيع على اتفاقية عدم الإفصاح مع المسؤولين القطريين، تحت أي ظرف من الظروف. وقد حصلت صحيفة “دي تسايت” على البريد الإلكتروني الذي يؤكد حصول هذا العرض مقابل عدم الإفصاح. وقال جايسون: “لقد عقدت الصفقة الأولى فقط؛ لأن القطريين وعدوا بأنهم سيتخلصون من أي ممول في الداخل”. وإنه قد شعر بالفزع بالفعل في الاجتماع الذي عُقد في بروكسل عندما قيل إن اليهود هم “أعداء” قطر.

وفي غضون ذلك، اتصل جايسون بالسفارة الإسرائيلية عن طريق محاميه في برلين وعرض عليهم خدماته. وفي بداية شهر مايو، التقى جايسون، مرة أخرى، إيناكير، وهذه المرة في مقر “دبليو. إم. بي”، وقد تمحور الحديث، بالإضافة إلى أمور عدة، حول العرض المقدم من قطر لإبرام اتفاقية عدم الإفصاح عن تمويل “حزب الله”، حسب الإقرار القانوني لمحامي جايسون الجديد في برلين. كما أشير إلى العرض القطري بدفع 750000 يورو.

اقرأ أيضاً: أسر ضحايا أمريكيين تطالب قطر بتعويضات عن تمويل الإرهابيين

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحصة المستحقة لشركة “دبليو. إم. بي”، كانت محل خلاف. ورداً على سؤال “دي تسايت”، أنكر إيناكير معرفته بمضمون “المفاوضات التي ربما تكون قد جرت بين المخبر والممثلين القطريين (أو الأطراف المعنية الأخرى)”. وينطبق هذا أيضاً على العرض المقدم من قطر “عن طريق الدفع مقابل تقديم إقرار بالسرية”. لكنه أقر جرّاء الاستفسارات المتكررة أنه كان على معرفة بعرض الالتزام بالسرية؛ بينما الأمر لم يكن قط في رأيه يتعلق بالتستُّر.

وإذا كانت “دبليو. إم. بي” شركة ذات مبادئ أخلاقية، فمن الواضح أن هذه الخطوة تهدف إلى الحفاظ على هذه الصورة. ولكن كيف يتلاءم ذلك مع الوساطة بين القطريين والمتعهد الخاص؟ وأين تقف حدود هذا اللوبي؟

يقول إيناكير اليوم إنه ربما لم يكن “حاسماً بما فيه الكفاية”، وكان ينبغي له أن يقول في مرحلة أو أخرى بوضوح أكبر إن “هذه ليست قضيتنا”. وفي الوقت نفسه، يصر على أنه “لم يتعاون في الحفاظ على سرية المعلومات المتعلقة بشبكة تمويل المنظمة الإرهابية من خلال “اتفاقية سرية”؛ حتى إنه “أبلغ الوكالات الألمانية عن المخبر ومعرفته في مرحلة مبكرة”. كما أن الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود من المبادئ الأساسية في حياة الشركة.

اقرأ أيضاً: تميم في زيارة الجوكر.. حفل عشاء فاخر واتهامات بتمويل الإرهاب عبر الجامعات الأمريكية

وفي تلك المحادثة التي جرت في مايو بين جايسون وإيناكير في مقر”دبليو. إم. بي” ببرلين، قيل إن جملة قيلت، إذا كانت صحيحة فسوف تظهر مدى إدراك إيناكير خطورة الانفجار السياسي للقضية. وإذا كان عدواً لقطر “فلن تكون لديه قصص يحكيها عن ظروف العمل في مواقع بناء كأس العالم؛ ولكنني سأروي هذه القصة”، قصة “دليل على أن قطر تمول منظمة مثل (حزب الله)”. وسيكون ذلك “على الصفحة الأولى من صحيفة (بيلد)، ثم تصبح قطر في مشكلة”. وعندما سُئل إيناكير عن تلك العبارة المزعومة، قال: “مثل هذا القول والمنطق الافتراضي لا يتوافقان مع وجهة نظرنا”، وبالتالي فهو لا ينكر أن هذه الجملة قد قيلت.

المصدر: دي تسايت أونلاين

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة