الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هل تتجدد الصدامات العسكرية في ليبيا؟

كيوبوست

مع انتكاسة الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، تواصل أنقرة إرسال مرتزقة سوريين إلى الأراضي الليبية؛ بما في ذلك العناصر المنتمية إلى “داعش” و”القاعدة”، في مؤشر على اتجاه أنقرة إلى تصعيد الصراع عسكريًّا، والاصطدام مع قوات الجيش الوطني الليبي، مخالفةً تعهداتها والتزاماتها أمام المجتمع الدولي؛ ما يثير التساؤل حول خيارات تركيا العسكرية في ليبيا.

مؤشرات تجدد الصراع:

على الرغم من مواصلة المجتمع الدولي جهوده الرامية إلى الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار في ليبيا؛ فإن هناك عددًا من المؤشرات على إمكانية تجدد الصراع هناك، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

اقرأ أيضًا: الانتهاكات التركية لمقررات مؤتمر برلين

1-تعثر مفاوضات جنيف لوقف إطلاق النار: أكدت “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”، في بيان صادر في 9 فبراير الجاري، انتهاء الجولة الأولى من محادثات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، والتي عقدت برعايتها في جنيف بين طرفَي النزاع في ليبيا من دون التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشيرةً إلى أنها دعت الطرفَين إلى الاجتماع مجددًا في 18 فبراير الجاري. وتتمثل مهام اللجنة العسكرية المشتركة في الاتفاق على شروط وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب قوات الطرفَين من بعض المواقع[1].

2-تحذير واشنطن من تجدد الصراع: حذرت السفارة الأمريكية في طرابلس، مساء السبت الماضي، طرفَي النزاع الليبي من استئناف الأعمال القتالية. وقالت البعثة الأمريكية في طرابلس، في بيان نُشر عبر حسابها على “تويتر”: “إن سفير الولايات المتحدة في ليبيا ريتشارد نورلاند، يحذر من تجدد العمليات العسكرية في البلاد”. وأضاف البيان: “تتابع السفارة الأمريكية بقلق التقارير الموثوقة التي تفيد أن هناك عمليات عسكرية مهمة يتم التخطيط لها من قِبَل القوات التابعة لكلٍّ من القوات المسلحة العربية الليبية وحكومة الوفاق الوطني في المستقبل القريب”[2].

البرلمان التركي يوافق على إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا – وكالات

3-إرسال أنقرة عناصر من “القاعدة” و”داعش”: أكدت جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في 5 فبراير الجاري، نقلًا عن “أسوشييتد برس”، أن أنقرة تقوم الآن بإرسال إرهابيين سوريين ينتمون إلى تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”، وذلك بهدف القتال نيابة عن الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في ليبيا. ووَفقًا لقادة الميليشيات الليبية، فإن تركيا أرسلت ما يزيد على 4 آلاف مقاتل إلى طرابلس، وأن نسبة منهم تنتسب إلى التنظيمَين الإرهابيَّين. وقد أحدث استقدام هؤلاء انقسامًا بين ميليشيات طرابلس؛ حيث رأى بعضها أن هذه الميليشيات تسيء إلى سمعة حكومة الوفاق، بالنظر إلى تاريخ هذه الميليشيات والعناصر الإرهابية المتحالفة مع تركيا، والتي سبق لها ارتكاب جرائم ضد المدنيين السوريين[3]. وقد اعترف الرئيس التركي ضمنيًّا بمسؤولية أنقرة عن إرسال هذه الجماعات إلى ليبيا، عندما صرّح: “كقوات مقاتلة، سيكون لدينا فريق مختلف هناك؛ إذ إنهم لن يكونوا من جنودنا، فهذه الفرق المختلفة والقوات المقاتلة سوف تتعاون معًا، في حين أن كبار الضباط العسكريين الأتراك سوف ينسقون بينهم”. وفي المقابل، فإن فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، اعترف صراحةً في يناير 2020 بأنه “لن يتردد في التعاون مع أية جهة من أجل درء” ما سماه “العدوان” على طرابلس.

اقرأ أيضًا: ليبيا.. سوريا جديدة على أبواب أوروبا

قوة المرتزقة الأتراك:

أرسلت تركيا حتى الآن نحو 4.5 ألف مرتزق وإرهابي إلى طرابلس، كما تنوي زيادة عددهم إلى نحو ستة آلاف مقاتل. وعلى الرغم من أن هذا الحجم قد يمثل عامل قوة لميليشيات “الوفاق”؛ فإن المعطيات على أرض الواقع قد تفضي إلى نتائج مختلفة، إذ إن بعض التقديرات يشير إلى أن حجم الإرهابيين (المنتمين إلى “القاعدة” و”داعش”) لا يزيد على 130 عنصرًا، وهو ما يعني أن الأغلبية الساحقة من المقاتلين السوريين لا يتمتعون بخبرة قتالية عالية، إذا ما صحَّت هذه التقديرات، كما أن وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية تتحدث عن قيام أنقرة بتدريبهم في معسكرات تقع بالقرب من قاعدة أزمير قبل إرسالهم إلى ليبيا؛ وهو ما يوضح أنهم لا يتمتعون بخلفية قتالية عالية[4].

ومن جهة ثانية، كشفت تقارير إعلامية عن أن الغالبية العظمى منهم ذهبت للقتال في ليبيا من أجل الحصول على مبالغ مالية مرتفعة؛ إذ يقدر أن المقاتل منهم سوف يتقاضى نحو ألفَي دولار شهريًّا[5]، في حين أنه كان يتقاضى في سوريا نحو مئتَي دولار؛ الأمر الذي يجعله غير مستعد للتضحية بحياته، خصوصًا أنه لا يدافع عن قضية أيديولوجية؛ فالعوامل المادية هي المحرك الأساسي له.

عملية نقل مرتزقة إلى ليبيا تتواصل- المصدر: “المرصد السوري لحقوق الإنسان”

ومن جهة ثالثة، كشفت التوغلات التي قام بها الجيش التركي في الشمال السوري منذ عام 2014 عن وجود مشكلات حقيقية في القوات المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر؛ إذ افتقد أغلبها الانضباط، كما أن معدل الانشقاقات فيها كان مرتفعًا، وهي كلها مؤشرات على أن الوضع لن يختلف كثيرًا في الميدان الليبي. 

وأخيرًا، فإن أنقرة تمكنت من تأسيس فصائل مسلحة في سوريا أُطلق عليها اسم “الجيش الوطني” في أكتوبر 2019، وخاضت به معارك ضد الأكراد في أواخر عام 2019، ويبلغ حجم هذا الجيش نحو 60 ألف مقاتل[6]، ويتمركز جانب منه في محافظة إدلب السورية. وعلى الرغم من ذلك تمكن الجيش السوري من تحقيق تقدم لافت في سوريا؛ حيث تمكن من استعادة مدينتَي سراقب ومعرة النعمان، وبقي على بُعد عدة كيلومترات من مدينة إدلب، عاصمة المحافظة، وهي كلها مؤشرات على أن هذه الفصائل لا تتمتع بالقوة الكافية؛ خصوصًا أنها انهارت سريعًا أمام تقدم الجيش السوري.

اقرأ أيضًا: مخاطر التطرف جَرَّاء التدخل التركي في ليبيا

ولذلك قد تتجه أنقرة إلى اعتماد أسلوب آخر، وهو تفعيل الخلايا النائمة؛ في محاولة لمفاجئة الجيش الليبي، وانتزاع المناطق التي يسيطر عليها. ولعل من مؤشرات ذلك، إعلان الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني الليبي عثورها على مخزن أسلحة لخلية إرهابية يحتوي على مجموعة صواريخ ودانات معدة للاستخدام بأحد منازل سرت، وهو ما أكده الجيش الوطني بعد حصوله على معلومات تفيد قيام خلية إرهابية (نائمة) تتبع ميليشيا من مصراتة يُطلق عليها “أم المعارك” تعتزم القيام بأعمال تخريبية ضد قوات الجيش الوطني داخل مدينة سرت[7].

ويكشف ما سبق عن إمكانية تخطيط أنقرة بالتعاون مع ميليشيات مصراتة لاستعادة السيطرة على سرت، عبر إرسال قوات عسكرية من مصراتة إليها، ثم الإيعاز لهذه الخلايا النائمة للتحرك ضد الجيش الوطني من داخل المدينة، بما يفقد الجيش الوطني توازنه؛ حتى تتمكن أنقرة من استعادة السيطرة على سرت، وفتح الطريق أمام محاولة السيطرة على الهلال النفطي، غير أن تمكن الجيش الوطني من تمشيط المناطق الخاضعة لسيطرته والقضاء على التنظيمات الإرهابية سوف يضعف من قدرة أنقرة على تنفيذ هذا المخطط.

اقرأ أيضًا: وثائق مسربة: علاقات وثيقة بين أردوغان وتنظيم القاعدة في ليبيا منذ 2012

خيارات تركيا العسكرية

تكشف مراجعة خطط التدخل العسكري التركي في ليبيا، وتحليل السياسات التركية المعلنة، عن أن الخيارات التركية في ليبيا تنحصر في الخيارات التالية:

1-توسيع رقعة سيطرة حكومة الوفاق: سوف تسعى أنقرة لتوظيف المقاتلين البالغ عددهم نحو 5 ألف مقاتل؛ من أجل توسيع مناطق سيطرة حكومة الوفاق، ومحاولة فك الحصار الذي تفرضه قوات خليفة حفتر عليها. ويلاحظ أن القوات التي تقاتل في العاصمة تعد محدودة نسبيًّا؛، إذ يقدر عددها بنحو خمسة آلاف مقاتل، ومن ثَمَّ فإن إرسال تركيا نحو 4.5 ألف مقاتل سوف يمثل دعمًا كبيرًا لميليشيات “الوفاق” المحاصرة منذ أشهر في طرابلس.

أردوغان رفقة فايز السراج- “أ ف ب”

2-فرض النموذج القبرصي: قد تتجه تركيا، في حالة إخفاق المخططات التركية في توسيع رقعة مناطق سيطرة ميليشيات “الوفاق” في ليبيا، إلى استلهام نموذج “قبرص التركية” من خلال إقامة “ليبيا التركية”، والذي سيتكون حينها من شريط ساحلي يمتد من الحدود التونسية- الليبية إلى طرابلس ومصراتة، والتي ستكون، وَفقًا لكلمات الكاتبة نيرڤانا محمود، “منطقة لا سلم فيها ولا حرب.. وبالتأكيد لا أفق لحل شامل. منطقة معزولة عن واقعها الجغرافي، وتعتمد اعتمادًا كليًّا على تركيا سياسيًّا واقتصاديًّا”[8].

3-محاولة السيطرة على كامل ليبيا: يبدو مثل هذا السيناريو مستبعدًا تمامًا؛ وذلك لعدد كبير من العوامل، بعضها يتصل بالتراجع النسبي لقوة الجيش التركي، وهو ما وضح في تراجع تقييم الجيش التركي في عام 2020 إلى المرتبة 13 عالميًّا بعد أن كان يحتل المرتبة التاسعة، وَفقًا لموقع “جلوبال فاير”[9]. فضلًا عن رفض دول الجوار الليبي، وتحديدًا تونس والجزائر السماح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باستخدام أراضيهما لنقل قوات إلى ليبيا.

اقرأ أيضًا: السلاح والمال والإرهابيون.. ملخص الدور التركي في ليبيا

ويضاف إلى ما سبق، تدنِّي شعبية حكومة الوفاق داخل الأراضي الليبية؛ خصوصًا مع اعتمادها على المرتزقة الأجانب للسيطرة على السلطة، وافتقاد تلك الحكومة أي ظهير شعبي؛ بالنظر إلى أنها فُرضت من قِبَل المجتمع الدولي على ليبيا، فضلًا عن رفضها من جانب أغلب طوائف الشعب الليبي؛ وهو ما وضح في سيطرة خليفة حفتر على ما يزيد على 80% من إجمالي مساحة الأراضي الليبية.

ويلاحظ بالنظر إلى ما سبق، أن أنقرة قد تتجه إلى شن عمليات عسكرية محدودة في ليبيا، تسعى من خلالها إلى فك حصار الجيش الوطني لطرابلس، بالإضافة إلى محاولة السيطرة على المناطق النفطية الاستراتيجية؛ خصوصًا منطقة الهلال النفطي في وسط ليبيا، وإذا ما انتكست هذه المحاولات، وهو المتوقع، فلن يكون أمام أنقرة من خيارات سوى الحفاظ على الشريط الساحلي المحدود، الذي يمتد من الحدود الليبية- التونسية حتى مصراتة، مرورًا بطرابلس؛ في محاولة من جانب أنقرة لاستنساخ قبرص أخرى، تسعى من خلالها لتوظيفها كورقة للمساومة وسرقة ثروات الشعب الليبي.  

المراجع:

[1]) https://bit.ly/2H7YdF9

[2]) https://bit.ly/2UBzSPX

[3]) https://nyti.ms/31BjccW

[4]) https://bit.ly/2H9J8Ty

[5]) https://bit.ly/2UIUlTb

[6]) https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50072474

[7]) https://al-ain.com/article/libya-terrorism-sirte-army

[8]) https://arbne.ws/37afXue

[9]) https://cnn.it/39gHX0o

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة