الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل انتهى شهر العسل الطويل لـ”الإخوان” في ألمانيا؟

كيوبوست

د.عمار علي حسن♦

ليست “جماعة الإخوان المسلمين” وحدها التي شملها قانون جديد أقرته ألمانيا الاتحادية، يحظر استخدام رموز وشعارات في ضوء “مكافحة الإرهاب”؛ لكنها هي الجماعة الأبرز، والأقدم، والأكثر وجوداً في أوروبا قياساً ببقية نظيراتها التي امتد إليها القانون، الذي تم سنُّه تحت طائلة مكافحة التطرف والإرهاب، فكرياً وعملياً عبر ملاحقة مموليه.

فالقانون شمل إلى جانب الإخوان كلاً من تنظيمَي داعش والقاعدة، وحزب العمال الكردستاني، والذئاب الرمادية التركية، والجناح العسكري لـ”حزب الله” اللبناني، وجماعة الأستاشة الصربية، علاوةً على الجماعات والمنظمات كافة المدرجة في القوانين الأوروبية على أنها تقوم بنشاطٍ إرهابي؛ لكن كل هذه الجماعات لم تعول سابقاً على ألمانيا عميقاً في مساندتها.

اقرأ أيضًا: مطالبات برلمانية في ألمانيا للتحقيق في تمويلات جماعة الإخوان المسلمين

أما الإخوان فقد فعلوا العكس، على مدار عقودٍ من الزمن، وأقاموا على الأرض الألمانية أكبر مركز لهم في أوروبا له نشاط على مستوى العالم؛ لذا فإن الإخوان هم الأكثر تضرراً من هذا القانون، الذي يحظر عرض أو توزيع شعارات الجماعة في الأماكن العامة؛ بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الاتصال على شبكة الإنترنت، ومَن يخالف هذا يُعاقب بالسجن لمدة شهر، أو غرامة أربعة آلاف يورور، فإن تكرر الفعل تزيد الغرامة إلى عشرة آلاف، والسجن إلى ستة أسابيع.

تفرض ألمانيا قيوداً مشددة على الجماعات التي يشتبه في علاقاتها بالمتطرفين- وكالات

ولم يكن الإخوان يتوقعون إدراجهم مع هذه الجماعات والتنظيمات، على النحو الذي ورد في القانون المشار إليه؛ لكن مَن يتابع التطورات الأخيرة بشأنهم في ألمانيا يدرك أن علاقة برلين بهم لم تعد كسابق عهدها. فقبل شهور أفاد تقرير لموقع “فوكوس” أن المخابرات الداخلية الألمانية ترى أن “الإخوان المسلمين” يشكلون خطراً على الجالية المسلمة في البلاد؛ بل تعتبر الجماعة على المدى المتوسط قد تكون أخطر من “داعش” و”القاعدة”؛ لأن قدرتها على التجنيد أكبر من هذين التنظيمَين الخطرَين.

اقرأ أيضًا: تدريب الأئمة.. زوبعة توتر العلاقات بين ألمانيا وتركيا

وقد لاحظ جهاز الاستخبارات أن الجماعة في ألمانيا تقوم بوظائفها المعتادة؛ وعلى رأسها تجنيد كوادر من مختلف الفئات العمرية، وتجهيزها فكرياً ودمجها في التنظيم، عبر برنامج للقراءة والتدريس والتلقين، تنهض به مؤسسات الجمعية الإسلامية في ألمانيا أو مساجد متعاونة بعديدٍ من المدارس القرآنية، التي نشطت بين المسلمين الحاصلين على الجنسية الألمانية، وكذلك بين اللاجئين من بلدان عربية.

ولا يختلف هذا عما سمعته من خبراء ألمان قبل عدة سنوات، حين ذهبت إلى هناك بدعوةٍ من جامعة إيرفورت العريقة، التي تخرج فيها مارتن لوثر والمستشرقة الكبيرة آن ماري شميل، لحضور حلقة بحث دولية تحت عنوان “الحركات الإسلامية في مصر وتونس كأطرافٍ فاعلة في عمليات التحول السياسي”؛ لكن جدول الأعمال لم يقتصر على حديثنا عن أنفسنا، بل امتد إلى حديث الألمان عن أنفسهم أيضاً، فعرفنا منهم الكثير عن الإسلام والمسلمين في بلادهم.

تعزز ألمانيا من إجراءاتها القانونية لمواجهة التطرف- وكالات

كان الحاضرون منهم باحثون ينتمون إلى جامعات ألمانية عدة، فضلاً عن مراكز أبحاث، تحدثوا في أمور عامة من قبيل “القرآن كمحرك سياسي”، و”مرجعيات الشريعة في عمليات التحول السياسي”، و”مفهوم الإسلام في الخطاب الأكاديمي والمجتمعي”، و”التداعيات السياسية العربية وتغيير موازين القوى الإقليمية”، و”التيار العلماني في عمليات التحول السياسي”، ثم إلى أمور أكثر خصوصية؛ فتناولنا الإسلاميين في مصر وتونس، ومضاهاتهم بتركيا، ودور الأزهر في الحفاظ على الاعتدال والوسطية الدينية.

وما قاله الألمان عن الإسلام والمسلمين والحركات الإسلامية، المعتدل منها والمتطرف، كان مهماً في العموم؛ لكن الأهم هو ما قيل عن وضع الحركات الإسلامية في ألمانيا، وهو ما أجلاه في محاضرةٍ عميقة الدكتور أولاف فارشيد، أستاذ العلوم السياسية، ومستشار وزارة الداخلية بولاية برلين، والذي انطلق من تقسيم حركات الإسلام السياسي في بلاده إلى “إسلاميين براجماتيين”، و”سلفيين راديكاليين”، و”إسلاميين معتدلين”، ووزعهم على البلاد التي انحدروا منها إلى عرب وإيرانيين وأتراك وآسيويين، فضلاً بالطبع عمن أسلموا من الألمان الأصليين، والأهم أنه فرَّق بين “الإسلام” و”الإسلاموية”، ورفض التصورات الغربية عن معاداة الإسلام للديمقراطية، وتحريضه على العنف، وعدم الاندماج في المجتمعات الغربية، وتكفير أهلها، وقال “يجب ألا نعمم هذا أبداً”، وانتقد بشدة اعتبار بعض الألمان أن “الإسلام عدوان على المجتمع الألماني” وقيام هيئات حكومية ببث دعاية تحاول أن تصور الإسلام على أنه “جماعات سلفية وأصولية متشددة” لا “دين تسامح ورحمة وعدل”.

يواجه الإخوان مأزقاً كبيراً في ألمانيا- وكالات

وبناء على هذه المحاضرة، وكذلك على ما دار حولها من مناقشات، وما جرى في محاضرات غيرها، وأوراق بحثية أخرى، وكذلك ما تحدث فيه كثيرون على هامش الحلقة البحثية التي استمرت ثلاثة أيام من العمل المكثف والجاد، يمكن رسم خريطة الحركات الإسلامية في ألمانيا على النحو التالي:

1ــ يعيش في ألمانيا أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، زادوا الآن بعد انضمام مئات الآلاف من اللاجئين. نحو 38 ألفاً من المسلمين بما يعادل 1%، ينضوون تحت لواء الحركات الإسلامية السياسية بمختلف ألوانها، وأكبرها حركة “ميلي جيروش” التي تتبنى أفكار نجم الدين أربكان؛ مؤسس حزب “الرفاه” التركي، ويبلغ عدد أعضائها 31 ألفاً؛ لكنها وإن كانت تلقى امتعاضاً بين الألمان عموماً، فإن كثيرين يرون أنها لا تشكل تحدياً كبيراً أو تمثل مشكلة عويصة؛ لأن هذه الحركة تنبذ العنف والتطرف، وتندمج في المجتمع الألماني، وذلك على العكس من “جماعة دولة الخلافة” التركية أيضاً، التي ترفع شعار “القرآن دستورنا”، وتدعو للعودة إلى إقامة “الخلافة” الإسلامية من غانا إلى فرغانة، وترفض الديمقراطية، ولذا تم حظرها؛ لكنَّ أفرادها موجودون في ألمانيا، يحاولون أن يمارسوا عملهم في سرية وتكتم.

يبلغ عدد مَن ينتمون إلى “جماعة الإخوان المسلمين” في ألمانيا نحو ثلاثة آلاف عضو تحت اسم “رابطة المسلمين في ألمانيا” (IGD) ويقولون للسلطات إنهم ينشغلون بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن دعوتهم وجماعتهم باعتبارها تجسد “الطريق الإسلامي الصائب” من وجهة نظرهم، وينتقدون أفكار وتصرفات السلفيين الألمان، ويبتعدون عنهم بقدر الإمكان، وهم يؤكدون دوماً أنهم غير تابعين مباشرةً للجماعة الأم؛ لكنهم يستقبلون قيادات إخوانية عربية، لا سيما مصرية، ويجرون اجتماعاتٍ مستمرة معهم، ويحرصون على وصفها بأنها “اجتماعات تناقش قضايا عامة”؛ لكن الحكومة الألمانية تضعهم تحت المراقبة الدائمة الناعمة، وَفق ما قاله د.فارشيلد، ولديها معلومات يقينية أن هذه الاجتماعات لها علاقة بما يشغل “التنظيم الدولي للإخوان”، وأنها جزء لا يتجزأ منه.

وبالقطع فإن الإخوان هناك يُخفون الكثير عن السلطات الألمانية حول نشاطهم وأهدافهم الحقيقية؛ لكن ما بدا من كلام فارشيلد أن الألمان يقِظون جداً، ويعرفون كثيراً عن الجماعة؛ ليس فقط على الأراضي الألمانية، إنما في موطن تأسيسها مصر، وفي غيرها من بلدان العالم الإسلامي.

تحاول ألمانيا مواجهة التطرف بمختلف الطرق- وكالات

وربما الرؤية العامة التي تحكم توجه الحكومة الألمانية حيال الإخوان هناك هي التي عبَّر عنها يواخيم هرمان، وزير الداخلية في ولاية بافاريا، ذات يوم حين رفض التقليل من تأثير هذه الرابطة، ورأى أنها تنأى بنفسها لأسبابٍ تكتيكية عن الاتجاهات الإسلامية المتطرفة في البلاد، وقال: “الوجه الحقيقي لمثل هذه التيارات يسفر عن نفسه بالتدريج بعد النجاح الذي حققه الإخوان في مصر؛ حيث يريدون تغيير المجتمع عبر قانون أساسي يقوم على الشريعة الإسلامية”.

ومن ضمن المؤسسات القريبة من الإخوان في ألمانيا “المجلس المركزي للمسلمين”، الذي يرأسه سوري درس في الأزهر هو أيمن مزبك، ويطالب بتغيير جذري للكثير من المفاهيم السائدة حول الإسلام، ولا ينظر إلى الإسلام باعتباره “ديناً ودولةً” إنما دين سماوي خاتم.

اقرأ أيضًا: حقائق عن أتراك ألمانيا: الجالية الأكثر تأثيرًا 

3ــ انتشر السلفيون في ألمانيا بصورةٍ واضحة بين المسلمين هناك، وتمكنوا من استقطاب أشخاص ألمانيي الأصل فأسلموا وصاروا معتنقين للآراء الفهية السلفية، ويستخدمون شبكة الإنترنت في “الدعوة” بشكلٍ بارز، وبعض مواقعهم حظرتها الحكومة؛ لكن بعضها مستمر في العمل. وقد تمكن السلفيون من جذب لاعب الملاكمة الألماني الشهير بيير فوجل، إلى الإسلام، وتحول إلى داعية وخطيب يطالب العرب والمسلمين بتطبيق الشريعة في بلدانهم؛ لكنه لا يطلب هذا من الألمان، وقد أصبح ضيفاً على بعض الإذاعات الألمانية للحديث عن “التربية الإسلامية”.

وقد تفاعل “السلفيون” في ألمانيا مع الثورات العربية؛ لكنهم تعاملوا معها على أنها “انتفاضات إسلامية”، وأصبحوا يتحدثون عن “صحوة إسلامية”، ويستعملون عبارات من قبيل “الإسلام عائد” و”لا حل إلا بالإسلام” و”العودة إلى الأصول”. وبعضهم شد رحاله إلى مصر وتونس واليمن، بعد سقوط مبارك وابن علي وصالح؛ ومنهم مَن أقام معسكرات تدريب في اليمن، وهناك مَن ذهب إلى سيناء للانضمام إلى الجماعات الجهادية هناك؛ ومنهم مَن انخرط في الحياة السياسية بعد إقامة السلفيين أحزاباً تتنافس على السلطة.

تدرِّب ألمانيا الأئمة من أجل تقديم جيل جديد من الدعاة- وكالات

ومشكلة السلفيين الجهادية بالنسبة إلى السلطات الألمانية أنهم يعتنقون أفكاراً غير مقبولة بالنسبة إلى المجتمعات الغربية عموماً؛ منها إشاعة ثقافة الاستشهاد، وتقسيم العالم إلى فسطاطَين: دار إسلام ودار حرب، والدعوة إلى تطبيق الشريعة بشكل كامل ومطلق، ورفض النظام الديمقراطي، واعتباره “شركاً”، واعتبار البرلمان “بدعةً” ورمي أي مسلم ينضم إليه بأنه “مرتد”، ووصف تعدد الأحزاب بأنه “طاغوت”، بينما يأخذ معنى “الولاء والبراء” لديهم الولاء الكامل للسلفية، والبراء من المجتمع الألماني.

هذا ينطبق بالطبع على “السلفية الجهادية”؛ لأن “السلفية الدعوية” لا تنظر إلى الأمور بهذه الحدة، ومع هذا لم يشملهم القانون الألماني الأخير؛ ما يدل على أن الاستخبارات الألمانية، ربما ترى أن فرص احتواء السلفيين غير الجهاديين أكبر، لا سيما إن كانوا دعويين يكتفون بطرح أفكارهم، أو كانوا مدخليين ممن يطيعون الدولة أو يتبعون “وليَّ الأمر”، أو كانوا أفراداً غير منظمين، ممن نطلق عليها “السلفية السائلة”. أما الإخوان فإن إدراجهم ضمن هذا القانون هو مؤشر قوي على أن شهر العسل بين ألمانيا والإخوان قد انتهى.

♦روائي، وباحث في علم الاجتماع السياسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عمار على حسن

روائي، وباحث في علم الاجتماع السياسي

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة