الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هل السعادة اختيار؟

برلين- إلهام الطالبي

نحن نعيش في مجتمع يغري بالمنتجات التي تعدك بأن تكون سعيداً؛ لكن هل السعادة حقاً قابلة للاستهلاك؟ هل يمكن أن نقرر أن نكون سعداء أم لا؟ هل يساعدنا البحث في الفلسفة اليونانية في فهم معنى السعادة؟ وما سبب خيبتنا خلال رحلتنا في البحث عنها؟

“القليل من السعادة”

إن وعود المنتجات المنتشرة في كل مكان تهدف أساساً إلى “القليل من السعادة”، كما يقول الفيلسوف الألماني كريستوف كوارش.

اقرأ أيضاً: كيف يصنع الصمتُ الموسيقى؟

حسب صحيفة “دويتشه فونك كولتوغ”، يعتبر كوارش أن الفلسفة النفعية طورت فكرة أن السعادة شيء قابل للقياس الكمي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

في هذا الوقت ظهرت صورة الإنسان “Homo oeconomicus”، “كائن يسعى دائماً في كل ما يفعله إلى الحصول على أقصى استفادة، وبالتالي تحقيق أقصى درجات السعادة”.

إن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق: هل يمكن للمرء ببساطة أن يتخذ قراراً في أن يكون سعيداً من خلال إرادته القوية؟ إذا ألقينا نظرة على أعمال أرسطو وديكارت وآلان، يصبح واضحاً: أن الأمر ليس بهذه البساطة.

إن الشعور بالسعادة حسب أرسطو هو قدرة بشرية حقيقية لأنها تتطلب العقل.. وهو ما ينفرد في امتلاكه البشر- الصورة: “مكتبة آن رونان للصور”

السعادة الحقيقية ونهاية حياة منضبطة

وفقاً لمجلة الفلسفة الألمانية، قبل 350 الميلاد فكر أرسطو في السعادة ووجد أنه من المستحيل ألا يرغب الفرد في أن يكون سعيداً.

رتبت الطبيعة ذلك بطريقة تجعل الحياة السعيدة، جوهر الوجود البشري، مبدأً مركزياً لما يُسمى بفلسفة الحياة الجيدة، وهي العقيدة القديمة للحياة الصالحة، والتي يتبعها أرسطو أيضاً في كتاباته.

وفي كتابه “الأخلاق النيقوماخية” (Nicomachean Ethics)، يتبنى أرسطو وجهة النظر القائلة إن الشعور بالسعادة هو قدرة بشرية حقيقية؛ لأنها تتطلب العقل، وهو ما ينفرد في امتلاكه البشر، وحسب أرسطو لا يمكن تحقيق السعادة الحقيقية إلا في نهاية حياة منضبطة.

اقرأ أيضاً: قراءات في كتب كبار الفلاسفة: ما وراء الخير والشر… فريدرك نيتشه

لقد طور التقليد المسيحي فكرة أرسطو وحوَّل السعادة إلى الحياة الآخرة، كمكافأة بعد وفاة الإنسان على السلوك الجيد خلال حياته.

 “ما الذي يتعين علينا القيام به للعثور على السعادة في الحياة أخرى؟”، يسأل الفيلسوف الألماني كوارش.

وفقاً لكوارش: “سنكون سعداء بالضبط عندما نتحرر من طرق التفكير هذه ونشارك حقاً ونستمع إلى سيمفونية الحياة العظيمة”- الصورة: “نومي بومغارتل”

وحسب مجلة “الفلسفة الألمانية”، أرسطو اعتبر أنه لا يمكن للأطفال تجربة السعادة الحقيقية رغم فرحهم خلال اللعب؛ لأن السعادة هي عملية طويلة من النضج ولا تتحقق بين عشية وضحاها.

كيف يمكن أن نحقق السعادة هنا في هذه الحياة؟

مع بداية العصر الحديث، ظهر تيار يشكك في الحياة بعد الموت، وأصبح السؤال المركزي: كيف يمكن أن نحقق السعادة المفترض التمتع بها في الجنة هنا في هذه الحياة؟

فهم سقراط وأفلاطون الناس على أنهم مواطنو الكون؛ وهو عبارة عن عالم شامل، ونظام جميل، كما يوضح كوارش في صحيفة “دويتشه فونك كولتوغ”، مضيفاً: “الفكرة الجوهرية للحياة الجيدة تتكون الآن من أن الناس يجب أن يشاركوا في هذه السمفونية العظيمة للحياة بطريقة تنسجم مع الصورة الأكبر”.

بعد ما يقرب من 2000 عام من أرسطو، صاغ رينيه ديكارت نظرية أخرى للسعادة، معتبراً أن أحد الأسباب الرئيسية لتعاستنا هو عدم تلبية الرغبات والتوقعات.

اقرأ أيضاً: إلى مَن يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

السعادة الحقيقية لا تتحقق خلال التفكير

يشجع ديكارت المرء على ملاحظة نفسه وتقييم حدوده بشكل أفضل؛ حتى لا يشعر بخيبة الأمل، لأنه وضع توقعات عالية جداً أو ببساطة خاطئة، وفقاً لمجلة “الفلسفة الألمانية”.

ومع ذلك، لا يزال من الممكن اختيار أن تكون سعيداً، أي عندما نأخذ مصيرنا بأيدينا ونغير نظرتنا إلى تلك المجالات من حياتنا التي يمكننا التحكم فيها. هذا ما يعتقده الفيلسوف إميل شارتييه، المعروف باسمه المستعار آلان، في كتابهPropos sur le bonheur في عام 1925، دعا إلى فرضية أن هناك الكثير من الإرادة في السعادة أكثر مما نعتقد، وأن السعادة الحقيقية لا تتحقق من خلال التفكير، ولكن يمكن بلوغها من خلال الانخراط في الفعل.

حسب مجلة “الفلسفة الألمانية”، فإن أولئك الذين ينغمسون في إمكانية حصولهم على السعادة هم أكثر قدرةً ليجدوا الفرح في الحياة أكثر من الأشخاص الذين يفكرون كثيراً.

إن وعود المنتجات المنتشرة في كل مكان تهدف أساساً إلى “القليل من السعادة”.. كما يقول الفيلسوف الألماني كريستوف كوارش- الصورة: “tagesschau”

وفقاً للفيلسوف كوارش، الحافز الذي يقودنا إلى الاتصال بالعالم هو “الدافع الداخلي للحياة، الذي يلهمنا ويحفزنا نحن البشر مراراً وتكراراً لتطوير الإمكانات الكامنة فينا، كان يسمى (إيروس) في العصور القديمة اليونانية”.

ورغم ذلك فإن تطوير الإمكانات لا يعني أن الإنسان يجب أن يجعل العالم مشكلاً وفقاً لأفكاره الخاصة، حسب فلسفة رينيه ديكارت.

“سيمفونية الحياة العظيمة”

وفقاً لكوارش: “سنكون سعداء بالضبط عندما نتحرر من طرق التفكير هذه ونشارك حقاً، ونستمع إلى سيمفونية الحياة العظيمة”.

شاهد: فيديوغراف: الفلسفة.. وفن العيش

ويعتبر الفيلسوف الألماني أن السعادة تتحقق عندما تكون مشاعرنا وأفكارنا في وئام وانسجام؛ أي عندما لا نشتبك في الصراعات الداخلية، لكننا نشعر ونفكر بالطريقة التي تناسبنا.

تختلف آراء الفلاسفة حول مفهوم السعادة؛ لكن إجاباتهم تمنحنا إشارات ومفاتيح لمحاولة فهم معنى السعادة، التي لا يمكن اختزالها في استهلاك منتوج معين أو تحقيق طموحات قد تظهر من بعد أنها لم تمنح الإنسان السعادة التي كان يصبو إليها؛ بل جعلته يشعر بخيبة الأمل.

 السعادة كما قال ديكارت هي معرفة إمكاناتنا وذواتنا؛ لكن لا يمكن ربطها بفرح مؤقت وفقاً لأرسطو، بل هي عملية لا تتحقق بين عشية وضحها؛ لكنها تتطلب أيضاً الانخراط في الفعل، حسب آلان، لننجح في تحقيق وئام بين مشاعرنا وأفكارنا ونستمع إلى سيمفونية الحياة العظيمة، كما أشار كوارش.

نعود إلى الفلسفة بحثاً عن أجوبة لأسئلتنا الراهنة، ولنفهم سبب تعاسة أفراد ظنوا أنه كلما استهلكت كثيراً أصبحت سعيداً.

المصادر:

مجلة الفلسفة & دويتشه فونك كولتوغ

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة