الواجهة الرئيسيةترجمات

هل الحرب قَدَر الشرق الأوسط؟ التاريخ يجيبنا عن هذا السؤال!

كيوبوست – ترجمات

يبدو أن الأفكار القديمة يُعاد إنتاجها وانتشارها مرارًا عبر التاريخ؛ ففي خضم التوترات التي تبعت مقتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، جراء ضربة جوية أمريكية، ظهرت كاثلين ترويا مكفارلاند، النائبة السابقة لمستشار الأمن القومي الأمريكي، على قناة “فوكس نيوز” الإخبارية، حاملةً معها مصفوفةً من الأفكار المغلوطة عن الشرق الأوسط؛ تلك الصورة التي ما لبثت أن كشفت عن وجهها القبيح في خطاب مكفارلاند، حين قالت: “لقد اعتاد الناس في الشرق الأوسط على القتال المتواصل لنحو أربعة آلاف عام، لطالما كانت أرض معركة طائفية قبلية ودراما هستيرية لا تنتهي، ولم يتوقف هؤلاء الناس عن قتال بعضهم بعضًا لما يقارب الألف عام. باختصار، الحالة الطبيعية والمعتادة في الشرق الأوسط هي حالة الحرب”.

ويتضح لنا أن تلك الفكرة تجد لنفسها جيوشًا من المؤيدين حول العالم. الحرب في منطقة الشرق ليست أمرًا قابلًا للحل، هكذا يعتقدون؛ لكن التاريخ الموثَّق للمنطقة ينفي تلك الفكرة ببساطة شديدة، وما جرى في الشرق الأوسط على مدى التاريخ جرى على بقية بلدان العالم؛ ليس هناك أي اختلاف، والناس في تلك المنطقة من العالم لم يكونوا في أية مرحلة من تاريخهم ينخرطون في قتال متواصل بشكل يفوق ما كان يفعله غيرهم في أية بقعة من الأرض.

اقرأ أيضًا: التصدي لخطاب الكراهية في إسبانيا: الذاكرة والثقافة والجذور

ولا يمكن إنكار أن تلك المنطقة كانت مهدًا للحضارة والتمدن في العالم القديم، كما نجحت شعوب الشرق الأوسط في تطوير نظم هادئة متحضرة على نحو جيد ومعقدة في بنائها؛ ما مكنهم من العيش المشترك والتوصل إلى حلول وسيطة تتضمن بقاء هذا التنوع الرهيب في حالة من السلام والاستمرار، وهكذا عاشت الطوائف والمعتقدات والأعراق المختلفة بعضها إلى جوار بعض لفترات طويلة من الزمن.

الحملة الصليبية على طرابلس- 1289

في الحقيقة، لقد نجحت الأنظمة الإمبراطورية في الشرق الأوسط في حكم مناطق شاسعة من العالم القديم، ونجحت في احتواء تنوع هائل من الأعراق والمعتقدات والعادات والتقاليد. ويبدو الأمر بديهيًّا، فكما حاولت أية إمبراطورية شاسعة في ذلك الزمان أن توفر لنفسها حالة من الاستقرار، هكذا حاولت إمبراطوريات الشرق الأوسط ونجحت في تحقيق ذلك باستخدام أدوات نفعية كما فعل سواها. وكما وضَّحت لنا إحدى الدراسات الأكاديمية التي ظهرت مؤخرًا، فإن تلك الإمبراطوريات تعمَّدت تطوير أنظمة هدفها الأول هو تحقيق حالة من تسوية الخلافات وتجنب الحروب بين مختلف الشعوب التي تقع تحت رايتها؛ فالتنوع الذي يمكن أن يتسبب في زعزعة الاستقرار بإمكانه أن يوفر حالةً من الثراء الاقتصادي والسياسي كذلك.

اقرأ أيضًا: عن دور العرب في الحضارة الإنسانية

ولا يعني هذا الأمر أن تلك الإمبراطوريات كانت شبيهة بالنظم الديمقراطية الحديثة؛ فكل الدول السابقة على الحداثة قد اتسمت باستخدام القمع مع شعوبها، لكنها تميَّزت بالاستقرار الداخلي رغمًا عن ذلك؛ لسبب بسيط وهو أن حالة الاستقرار الداخلي تلك هي التي كانت تضمن بقاءها واستمرارها لفترات طويلة من الزمن، فضلًا عن نجاحها في تحقيق أغراض التوسع العسكري.

ولهذه الأسباب، عندما وجد المسلمون أنفسهم وتحت أيديهم إمبراطورية شاسعة، تلك التي بدأت في منتصف القرن السابع لتحكم في ما بعد المنطقة الواقعة بين إسبانيا غربًا والهند شرقًا، فإنهم فكروا أول ما فكروا في أن الأغلبية العظمى من شعوب تلك المنطقة تدين بالمسيحية؛ ما دفعهم إلى إرساء نظام سياسي مستمد من الوصية القرآنية التي منحت أهل الكتاب من المسيحيين واليهود وبقية الطوائف التي تمتلك كتبًا من المفترض أنها نزلت بوحيٍ إلهي، كثيرًا من الامتيازات، جعلتهم يحيون في حالة من الحماية الخاصة، وحتى عندما مرت على الدولة مراحلٌ من النزاع الطائفي كما حدث مع صعود الدولة الفاطمية الشيعية، سنجد أن الفاطميين لم يتأخروا عن انتقاء بعض وزرائهم من الطائفة السُّنية. كذلك لا يمكن إنكار أن اليهود الذين عاشوا تحت لواء الدولة الإسلامية تمتعوا بحرية لم تكن متاحة لهم في العصور الوسطى لأوروبا المسيحية؛ حيث عانوا الاضطهاد قرونًا مديدة.

القاهرة الفاطمية

ومن المهم أن نفهم أن تاريخ الشرق الأوسط لم يكن خاليًا من النزاعات؛ لكن حالة النزاع تلك لم تكن هي الحالة الأساسية بأي شكل من الأشكال. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت المنطقة قد وقعت تحت خضم حالة من التنافسية الشديدة بين القوى العسكرية المختلفة؛ ما تمثل في تاريخ من الغزو تخلل مراحل الاستقرار بدأ منذ العصور القديمة بغزوات بلاد ما بين النهرَين والآشوريين، وصولًا إلى جيوش الإسكندر الأكبر والدولة الرومانية، حتى مرحلة الحملات الصليبية.

اقرأ أيضًا: لماذا يطمع الأتراك في مصر؟

ومع دخول مرحلة الحداثة السياسية في القرن التاسع عشر، كانت الأفكار الجديدة حول المواطنين المتساويين في الحقوق أمام الدولة قد بدأت في تغيير الأنظمة السياسية القديمة التي اعتادت على كبح التوترات الداخلية باستخدام القمع، وهناك أمور من الماضي القريب لم يطوِها النسيان بعد أن تثبت ما فعلته القوى الأوروبية الكبرى التي احتلت المنطقة لفترة من الزمن؛ حيث انتهجت في ما بعد مجموعة من السياسات نسميها الآن بـ”مرحلة ما بعد الاستعمار”، وهي المرحلة التي شهدت مجموعة من التدخلات الخارجية من جانب الغرب انتهت إلى زعزعة أنظمة سياسية قائمة في المنطقة، وبالتالي زعزعة الاستقرار الداخلي؛ منها على سبيل المثال لا الحصر الانقلاب الذي دبَّره الـ”سي آي إيه” والمخابرات البريطانية في إيران عام 1953. أضف إلى ذلك الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

اقرأ أيضًا: كيف انتشر الإسلام في إفريقيا؟ وكيف تعيش الأقليات الإسلامية فيها؟

وبناءً على كل ما سبق، إذا كان بعض المراقبين والمحللين السياسيين ما زالوا متمسكين بوجهة النظر نفسها؛ أي تلك التي ترى أن الحالة الطبيعية للشرق الأوسط هي حالة الحرب والاقتتال، فإن الأمر نفسه سينطبق على أوروبا، ذلك إذا فكَّرنا بالمنظور الضيق نفسه. فحينما اندلعت الحرب الأهلية في سوريا، كان النزاع الداخلي قد اتخذ بُعدًا طائفيًّا رهيبًا، ومنذ تلك اللحظة لم يصبح أمرًا غريبًا أن نشاهد أو نقرأ بعض التعليقات القاتلة للمحللين السياسيين ممن اتبعوا الخط الفكري لمكفارلاند؛ منها أن تاريخ النزاع في المنطقة يمتد إلى 1400 عام، وهو تاريخ ظهور الإسلام، كما أصبح من المعتاد أن نستمع إلى بعض التنظيرات التي عُرضت على شاشة “فوكس نيوز”؛ منها ما دفع بأن شعوب الشرق الأوسط غير عقلانية، وأنها متورطة بعناد راسخ في نزاعات قديمة، وكذلك كونها غير مؤهلة للحاق بركب العالم الحديث.

المسلمون عند فتح الأندلس

لكن الأمر نفسه كان قد حدث مع أوروبا، فقد شهدت العصور الوسطى قدرًا من المشاحنات الطائفية التي تطورت إلى نزاعات حقيقية في بعض الأوقات. وما يجعل الأزمات التي يعانيها الشرق الأوسط الآن مدعاةً للاستغراب والتشدق، هو أنها ظهرت بعدما بدأ الناس يعتادون على نمط الحداثة الأوروبية التي تدعو وترسخ للتعدد والمساواة بين المواطنين؛ لذلك يبدو الأمر الذي كان معتادًا في الماضي غريبًا ومستهجنًا الآن، هذا كل ما في الأمر.

أضف إلى ذلك أن كثيرًا من العوامل قد ساعد على توطيد النزاعات الطائفية في الشرق الأوسط؛ منه الصعود المفاجئ للأنظمة القمعية في المنطقة العربية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما ساعد بعض الأحداث كنشوب الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الأمريكي للعراق على إعادة صناعة المشهد الطائفي. لقد كانت سوريا مكانًا مختلفًا في العصور الوسطى؛ فكانت الرغبة في التعايش المشترك التي استمرت نحو 1000 عام هي العامل المسيطر في تلك الأيام، وكان الحكام من الطائفة السُّنية يتولون رعاية الأضرحة المقدسة لدى الشيعة، وما زال هنالك 40 ضريحًا أثريًّا موجودة حتى الآن وتتمتع بالتوقير والاحترام من كلتا الطائفتَين.

العتبة الحسينية من أهم مزارات الشيعة العراقيين

وهناك في حلب، التي تشهد اليوم صراعًا طائفيًّا شرسًا، يمكننا أن نعاين معالم المدينة من داخل أحد تلك الأضرحة المبنية على تلٍّ عالٍ؛ وهو الضريح الخاص بالإمام الحسين حفيد النبي محمد؛ حيث أخذ الملك الظاهر -وهو حاكم حلب السُّني وحفيد القائد صلاح الدين- على عاتقه تحويل ذلك الضريح إلى أهم وأجمل الأضرحة الموجودة بسوريا.

اقرأ أيضًا: مئة عام مضت على بدء التهجير القسري لمسيحيي الشرق

ولعل ما فعله الملك الظاهر في العصور الوسطى ليس إلا مثالًا بسيطًا من بين عديد من الأمثلة، تلك التي ميَّزت فترة التعايش المشترك المديدة للشرق الأوسط. وبينما لا يمكن إنكار أن تاريخ المنطقة تخلله عدد من الصراعات والنزاعات، إلا أن الصورة الغالبة منه كانت تعبر عن الاستقرار؛ بالضبط كما حدث في أي مجتمع آخر على مدى التاريخ. وما يجعل تصريحات كتلك التي أطلقتها مكفارلاند كارثية، هو أنها توطد لنظرة بائسة تجعل من سكان الشرق الأوسط أقل من أن يكونوا بشرًا، وأقل من أن يستحقوا التعاطف.. إنها مهزلة حقيقية لن تقود إلا إلى توطيد حالة النزاع في الشرق الأوسط.

المصدر: موقع تايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة