الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هل التفتت الجزائر إلى قوتها الناعمة لاستعادة عمقها الإفريقي؟

الجزائر تسعى لأن تكون مركزاً للإشعاع الفكري في مجال التصوف الإسلامي عبر الطريقة التيجانية التي تحظى بشعبية كبيرة في القارة الإفريقية

الجزائر- علي ياحي

يبدو أن العودة إلى الفضاء الإفريقي باتت ضرورة بالنسبة إلى الجزائر، تستدعي تسخير كل الإمكانات والوسائل؛ فبعد النشاط الدبلوماسي القوي جاء الدور على القوة الناعمة ممثلة في الجانب الصوفي الديني.

وأرسلت الجزائر الخليفة العام للطريقة التيجانية الصوفية، سيدي علي بلعرابي، إلى إفريقيا، وخصصت له طائرة تابعة لرئاسة الجمهورية؛ من أجل إعادة جمع أتباع هذه الطريقة التي تحظى باهتمام كبير لدى السلطات العليا في مختلف الدول الإفريقية.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

وقضى الخليفة بلعرابي، أسبوعَين متجولاً في أقاليم تشاد، استهلهما بلقاء الرئيس إدريس ديبي، وأعضاء مكتبه في القصر الرئاسي، ثم ختمهما بلقاء ثانٍ مع ديبي في منزله الخاص وبحضور كامل أسرته، كما تنقل، قبل تشاد، إلى النيجر؛ حيث استقبلته المؤسسة الرسمية بحفاوة مماثلة للاستقبال الذي حظي به في تشاد.

الخليفة العام للطريقة التيجانية الصوفية سيدي علي بلعرابي

نشر الإسلام المعتدل

كما وصل الخليفة العام للطريقة التيجانية إلى مدينة “كانو” بنيجيريا، وكان في استقباله أمير الولاية، أمينو أدوباير، وحاكمها عبدالله عمر قندوجي، حيث قالت الخلافة، في بيان لها، إن زيارة الخليفة العام إلى دولة نيجيريا، تستهدف نشر الفكر الإسلامي الوسطي ومحاربة الأفكار المتطرفة التي تحاول التيارات المتشددة والظلامية نشرها في عدد كبير من الولايات النيجيرية، وأوضحت أنه سيتم تنظيم عدد من اللقاءات والملتقيات الصوفية التيجانية؛ بهدف نشر الفكر الإسلامي الصحيح والتصدي للأفكار المنحرفة، وذلك من خلال مشاركة عدد كبير من شيوخ الزوايا والطرق الصوفية المختلفة.

وما يؤشر إلى سعي الجزائر لاستعادة عمقها الإفريقي عبر القوة الناعمة، هو عملها على التأسيس الفعلي لأن تكون مركزاً لكل التيجانيين عبر تقوية العلاقات مع باقي فروعها عبر العالم، ومركزاً للإشعاع الفكري في مجال التصوف الإسلامي، بالإضافة إلى اعتماد التراث الصوفي في المنظومة التربوية.

اقرأ أيضاً: الجزائر تصطاد عناصر “رشاد” الإرهابية وتلاحق الفارين في الخارج

يعتبر الباحث في الدراسات الإفريقية محمد آدم مقراني، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الزيارة الرسمية التي يؤديها الخليفة العام للطريقة التيجانية بالعالم إلى نيجيريا تمثل واجهة أخرى للدبلوماسية الناعمة التي يمكن أن تعتمد عليها الجزائر لإعادة التموقع في القارة السمراء واستعادة عمقها الإفريقي الذي كان على الدوام ملازماً للسياسة الخارجية الجزائرية.

محمد آدم مقراني

وقال مقراني: إنه يبرز من خلال بروتوكولات الزيارة التي جاءت على متن طائرة تابعة لرئاسة الجمهورية الجزائرية، أن الخليفة العام يحظى بكل دعم على أعلى مستوى في الجزائر؛ حتى يتمكن من تعزيز تأثير الطريقة التي يمثلها، مذكراً بأن الطرق الصوفية لها عمق سياسي واجتماعي، وكانت على الدوام في قلب العملية السياسية بطريقة أو بأخرى مع الحرص على التماهي معها، وشدد على أن الطرق الصوفية؛ خصوصاً التيجانية منها، قد تمثل فرصة للجزائر لمزاحمة دول أخرى غريبة عن المنطقة لكنها تتشبث بمد تأثيرها بواسطة تيارات دينية وفكرية؛ سواء تعلق الأمر بالفكر الإخواني بالنسبة إلى تركيا، أو التيارات الشيعية التابعة لإيران؛ بهدف التمركز في منطقة تشهد تنافساً جيواستراتيجياً على أشده بين القوى الدولية والإقليمية.

اقرأ أيضاً: حملة فاترة لانتخابات محلية في الجزائر.. و”الإخوان” يمسكون العصا من الوسط

الطريقة التيجانية

من جانبه، يرى الإعلامي المهتم بالشؤون السياسية، حكيم مسعودي، في حديث إلى “كيوبوست”، أنه بالموازاة مع تفعيل الدبلوماسية الرسمية كان لزاماً على الجزائر تفعيل دبلوماسيتها الناعمة، والتي تمتلك منها أوراقاً نافذة في إفريقيا وحتى في أوروبا، وهي “مجالات عمل” ظلت مهملة لسنوات؛ فالزاوية التيجانية التي مقرها بالجزائر، تعد أكبر طريقة صوفية في إفريقيا من حيث تعداد التابعين والمريدين بما يقارب الـ400 مليون مريد، كما أن توزيعها الديموغرافي يتماشى مع أولويات الدبلوماسية الجزائرية كونها تعنى بالدرجة الأولى بدول الساحل، إفريقيا الاستوائية، وصولاً بها حتى منطقة القرن الإفريقي.

الزاوية التيجانية في الجزائر
حكيم مسعودي

وشدد مسعودي على أن هذه الدبلوماسية تسهم في تقوية الجزائر علاقتها مع حلفائها الاستراتيجيين في إفريقيا على غرار نيجيريا والأنظمة القائمة في دول الشريط الممتد من السنغال إلى الصومال، بالإضافة إلى التصدي لمحاولات الاختراق التي تعمل عليها المملكة المغربية في هذا المجال، مبرزاً أنه ليست فقط إفريقيا المعنية بهذا التركيز في الدبلوماسية الناعمة؛ لكن أيضاً أوروبا وتحديداً فرنسا، حيث تمتلك الجزائر أوراق نفوذ مهمة عبر مؤسسة مسجد باريس، وقد حدث مؤخراً لقاء ثلاثي جمع كلاً من وزير الشؤون الدينية الجزائري بالخليفة العام للتيجانية وعميد مسجد باريس، وأشار إلى أن الحضور الإخواني في إفريقيا ليس بالوزن المخيف ولا المؤثر.

اقرأ أيضاً: هل دفعت تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة بالجزائريين إلى الفخ التركي؟

يُذكر أن الطريقة التيجانية التي أسسها أحمد التيجاني، المولود في عين ماضي بالجزائر عام 1737، هي طريقة صوفية ينتشر مريدوها في دول تشاد والنيجر ونيجيريا، وبشكل أقل في السنغال ومالي، كما لها أتباع في بقية بلدان منطقة الساحل، وتحظى هذه الطريقة بدعم المسؤولين الرسميين؛ ما مكنها من إزاحة منافسيها في المنطقة، وتمرير عدة سياسات وتوجهات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة