الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

هل اكتشف الأفارقة أميركا قبل كولومبوس؟ دلائل ومؤشرات

كيف جلب الأفارقة الحضارة إلى أميركا قبل كولومبوس؟

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “غلوبال سيرتش” الكندية، بقلم الباحث في جامعة هارفارد العريقة، غاريكاي شينغو.

يوم الإثنين الموافق 13 أكتوبر/تشرين الأول 2014، توقفت المكاتب الحكومية الأمريكية والمؤسسات التجارية والشركات والبنوك عن العمل من أجل الاحتفال بيوم كولومبوس. يجري تعليم الأطفال في جميع مدارس الولايات المتحدة أن مستكشفًا إيطاليًا بطوليًا اكتشف أميركا، الأمر الذي يدفع البلاد إلى تنظيم نشاطات وفعاليات ومواكب للاحتفال بهذه المناسبة.

ولكن، أصبح من المؤكد لدى الأكاديميين أن كريستوفر كولومبوس لم يكتشف أميركا؛ فمن المستحيل اكتشاف شعب موجود في قارة تزدهر بالثقافة من قبل قاطنيها. قد يتساءل المرء، كيف يمكن لكولومبوس أن يكتشف أميركا عندما كان الناس يشاهدونه من شواطئ أميركا!

خلافًا للاعتقاد الشائع، لم يبدأ التاريخ الأمريكي الإفريقي بالعبودية في العالم الجديد، فهنالك مجموعة هائلة من الأدلة الجديدة التي تثبت أن الأفارقة قد أبحروا في كثير من الأحيان عبر المحيط الأطلسي باتجاه الأمريكيتين، قبل آلاف السنين من ظهور كولومبوس وحتى المسيح. لقد سافرت الحضارتان العظيمتان في مصر وإفريقيا إلى الأمريكيتين في كثير من المناسبات، وساهمتا بشكل كبير في الحضارة الأمريكية المبكرة، من خلال استيراد فن بناء الأهرامات، والنظم السياسية، والممارسات الدينية، فضلًا عن الرياضيات والكتابة والتقويم المعقد.

إن أقوى دليل على الوجود الإفريقي في أميركا قبل كولومبوس يأتي بقلم كولومبوس نفسه. في عام 1920، أصدر المؤرخ اللغوي الأمريكي المشهور، ليو وينر، كتاب “إفريقيا واكتشاف أميركا” في جامعة هارفارد العريقة، أوضح فيه كيف لاحظ كولومبوس في يومياته أن الأمريكيين الأصليين – الهنود أكدوا أن “أناسًا ذوي بشرة سوداء كانوا يأتون من الجنوب الشرقي عبر القوارب ليتاجروا برماح ذهبية”.

وقد جرى إثبات وتوثيق العديد من الحالات، منها: إبحار واستقرار المصريين السود في الأمريكيتين، بقيادة الملك رمسيس الثالث، خلال السلالة الحاكمة التاسعة عشر عام 1292 قبل الميلاد. في الحقيقة، كتب المؤرخ اليوناني هيرودوت عام 445 قبل الميلاد كثيرًا حول مهارات البِحارة والمِلاحة الفرعونية العظيمة. ومن الأدلة الملموسة الأخرى، التي أشار إليها ديفيد إمهوتب وتجاهلها علماء الآثار الأوروبيون، التحف المصرية التي عثر عليها في أميركا الشمالية، من كتابات الغونكوين في الساحل الشرقي، إلى القطع الأثرية وأسماء الأماكن المصرية في وادي غراند كانيون الكبير.

وفي عام 1311 ميلادي، حصلت موجة أخرى من الاستكشاف الإفريقي إلى العالم الجديد بقيادة الملك أبو بكري الثاني، حاكم إمبراطورية مالي الرابع عشر، التي كانت أكبر من الإمبراطورية الرومانية المقدسة. حينها، أرسل الملك إلى الأمريكيتين 200 سفينة مليئة بالرجال، و200 سفينة أخرى محملة بالسلع التجارية والحيوانات والملابس والمحاصيل، بالإضافة إلى معرفة الفلك والدين والفنون.

في الحقيقة، سافر المستكشفون الأفارقة عبر المحيط الأطلسي الشاسع بقوارب بدائية، وكانت إنجازاتهم البحرية مدهشة، تجاوزت عصر التحيز الفكري العنصري لصالح “عصر الاستكشاف الأوروبي”. وقد بدأ المؤرخون يدركون أن الأفارقة كانوا ملاحين مهرة قبل الأوروبيين بوقت طويل، على عكس المعتقدات الشائعة. ومع ذلك، يواصل بعض المؤرخين إنكار هذه الحقيقة، لأنهم لا زالوا يتشبثون بفكرة القرن التاسع عشر بأن الملاحة البحرية هي احتكار أوروبي محض، وهو ما يفخر به الأوروبيون. إن الفكرة القائلة بأن الأفارقة السود تحدّوا مياه الأطلسي الصاخبة، وسبقوا الأوروبيين إلى العالم الجديد، تهدد الإحساس الأبيض بالملكية التاريخية على البحار.

ومن المؤشرات الواضحة على السفر الإفريقي عبر المحيط الأطلسي قبل كولومبوس، هي الاكتشافات الأثرية الأخيرة بشأن المخدرات الأصلية الأمريكية المكتشفة في المومياوات المصرية القديمة، ما أثار إعجاب المؤرخين المعاصرين. وقد أفادت عالمة السموم الألمانية سفيلتا بالابنوفا باكتشاف الكوكايين والنيكوتين في المومياوات المصرية القديمة، ومن المعروف أن هذه المواد مشتقة من النباتات الأمريكية بشكل حصري. وبالطبع، لم يكن بالإمكان إدخال مثل هذه المركبات إلى الثقافة المصرية القديمة إلا من خلال التجارة مع الأمريكيين.

كما تشير أوجه التشابه بين الأديان الأمريكية والإفريقية المبكرة إلى وجود تواصل ثقافي رهيب بينها؛ فقد عبد المايا والأزتيكيون والإنكا جميعهم آلهة سوداء، وهو ما أثبتته اللوحات المكتشفة، مثل رسومات الإله الموحش (Quetzalcoatl) وإله الحرب (Ekahau)، وجميعها تظهر كآلهة “زنجية ببشرة داكنة وشعر صوفي”. لماذا عمد الأمريكيون الأصليون إلى تبجيل شخصيات إفريقية لو لم يروهم من قبل؟ هنالك العديد من اللوحات الجدارية في كهوف “جاكستلاهوكا” جنوب المكسيك، تصوّر طقوس “فتح الفم” المصرية القديمة المشهورة، فضلًا عن طقوس إفريقية أخرى. جميع هذه التشابهات الدينية هامة، ولم تحصل بمجرد صدفة.

يشير البروفيسور إيفيريت بوردرز إلى وجود مؤشر هام آخر إلى الوجود الإفريقي، هو طبيعة الأهرامات الأمريكية المبكرة. لقد تقدم المصريون الفراعنة في بناء الأهرامات، من هرم زوسر المدرج إلى المنتج النهائي الأكثر تعقيدًا في الجيزة. أما في المكسيك، فأجريت اللمسات النهائية قديمًا على رؤوس الأولمك الضخمة دون أي علامات على التعلم التدريجي. وعند المقارنة، سنجد أن الأهرامات في حضارة الأولمك المكسيكية تتطابق مع الأهرامات المصرية، من ناحية المحور بين الشمال والجنوب وأساليب البناء المتشابهة. علاوة على ذلك، الأهرامات في كلا الجانبين خدمت الغرض المزدوج نفسه؛ القبر والمعبد.

وبالإضافة إلى ذلك، هنالك أوجه تشابه كبيرة في علوم النباتات والفن والفلك وأنظمة الكتابة، تدلل على التأثير الإفريقي العظيم في أميركا القديمة. من الناحية التاريخية، كان الأفارقة مستكشفين ومروجين للثقافة عبر العالم. طوال تلك الرحلات، لم يكن لدى المستكشفين الأفارقة تاريخ في بدء حروب مدمرة على المناطق المستكشفة. إن أكبر تهديد لمستقبل إفريقيا المجيد هو جهل الأفارقة بماضيهم المجيد.

لقد شيد الأفارقة الأمريكيتين ما قبل كولومبوس من خلال براعة الأمريكيين الأصليين. وللأسف، تأسست أميركا ما بعد كولومبوس على الإبادة الجماعية للأمريكيين الأصليين، وعلى ظهور العبيد الأفارقة. من الواضح أن الأفارقة ساعدوا في حضارة أميركا قبل أن “يكتشفها” الأوروبيون، وقبل أن يدعي الأوروبيون جلب الحضارة إليها. إن مجموعة الأدلة المتصاعدة أصبحت صاخبة ولا يمكن تجاهلها، والأمر يتوقف الآن على صانعي السياسات التعليمية، لإعادة النظر في المناهج الدراسية بشأن حقيقة تاريخ أميركا قبل كولومبوس.

 

المصدر: مجلة “غلوبال سيرتش” الكندية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة