الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هل استثمرت المخابرات الإسبانية في هجمات برشلونة لتخويف الكاتالونيين؟

أحزاب سياسية كاتالونية تطالب المفوضية الأوروبية بإجراء تحقيق بخصوص العلاقة المفترضة بين المخابرات الإسبانية ووقوع هجمات برشلونة في أغسطس 2017

المغرب- حسن الأشرف

أثارت تصريحات المفوض المتقاعد في الشرطة الإسبانية، خوسيه مانويل فياريخو، قبل أيام قليلة، جدلاً سياسياً كبيراً في إسبانيا، بعد أن أعاد إلى الأذهان ملف مسؤولية الأحداث الإرهابية الدموية التي شهدتها برشلونة وتاراغونا في صيف سنة 2017، وخلفت العديد من القتلى والمصابين والجرحى.

وفي جلسة محاكمته بجرائم يتابع فيها، حاول فياريخو الدفاع عن نفسه باتهام أجهزة المخابرات الإسبانية ومديرها السابق، الجنرال فيليكس سانز رولدان، بكونهما ضالعَين في تلك الهجمات الإرهابية التي ضربت عمق إقليم كتالونيا؛ لكن دون تقديم أدلة دامغة على ذلك، وَفق ما أوردته صحف إسبانية.

وربط القائد الأمني والعسكري المتقاعد، المثير للجدل، بين المتورط الرئيسي في تلك الهجمات الدموية، الإمام عبدالباقي الساتي، وبين مدير المخابرات الإسبانية حينها،  وقال إن المذبحة التي خلفتها الهجمات “كانت خطأ فادحاً من طرف الجنرال فيليكس سانز رولدان؛ لكونه أخطأ في تقدير عواقب تخويف كاتالونيا قليلاً”، على حد تعبيره.

الإمام عبدالباقي الساتي المتورط في عملية برشلونة

المفوض المتقاعد في الشرطة الإسبانية أقر داخل المحاكمة أنه عندما وقعت الهجمات المذكورة كان متقاعداً؛ لكنه اضطر إلى التعاون مع المخابرات الإسبانية بعد وقوع العملية الدموية تلك؛ من أجل “محاولة إصلاح الفوضى” الناجمة عن الحادث.

ذكرى هجمات دموية

وأعادت اتهامات المفوض المتقاعد في الشرطة الإسبانية إلى الأذهان الهجمات التي استهدفت قلب كاتالونيا خلال 3 أيام، أولاها هجوم لدهس عبر سيارة في منطقة “لاس رامبلاس” السياحية الشهيرة في وسط برشلونة، وأفضت إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة العشرات من الأشخاص.

وأما الهجوم الذي شهدته منطقة “كامبريلس”، فقد أسفر عن مقتل شخص وإصابة 6 آخرين، كما سقط قتيل وأُصيب 7 في الانفجار الذي وقع في مدينة الكانار.

اقرأ أيضاً: حول هجوم داعش الإرهابي في نيوزيلندا

واتجهت أصابع الاتهام في ذلك الوقت إلى شخص من أصول مغربية يُدعى عبدالباقي الساتي، كان يعمل وقتها إماماً في مسجد ببلدة “ريبول” بالقرب من برشلونة.

وتحدثت منابر إعلامية إسبانية ودولية حينها عن كون الإمام ذي الأصل المغربي يعد العقل المدبر لعملية الدهس الدموية، وبأن مساره قبل العمل إمام مسجد كان مشبوهاً، باعتبار أنه دخل السجن في بداية سنة 2010 عندما تم اعتقاله في ميناء الجزيرة الخضراء متلبساً بحيازة كيلوغرامات عديدة من الحشيش المغربي، قبل أن يغادر السجن سنة 2014، وبعد 3 سنوات ملأ اسمه القنوات العالمية باتهامه تدبير الهجمات الإرهابية التي ضربت برشلونة.

وعلى الرغم من عدم وجود أدلة كافية للعلاقة بين المخابرات الإسبانية والعمليات الإرهابية المذكورة؛ فإن صحفاً إسبانية سبق لها أن ذكرت وجود اتصالات بين جهاز مخابرات البلاد والساتي، اتخذت شكل تعاون معروف بين أجهزة الاستخبارات في بلدان العالم ومسجونين سابقين يمدونها بالمعلومات والأخبار في سياق محاربة الإرهاب.

عناصر من الشرطة الإسبانية- أرشيف

وبعد تلك العمليات الهجومية في برشلونة، أعلن تنظيم داعش الإرهابي تبني مسؤولية ما حصل، وذلك في سياق هجمات الدهس بالسيارات التي عرفتها كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا والسويد، ودأب التنظيم المذكور على تبني مسؤوليتها.

علبة أسرار.. وردود أفعال

ويبدو أن الاتهامات الجديدة التي أطلقها الضابط الإسباني المتقاعد (70 عاماً) ليست جديدة على كل حال؛ فقد سبق له أن ألمح من قبل إلى ضلوع الأجهزة الاستخباراتية الإسبانية في تفجيرات 11 مارس سنة 2004، عرفتها محطة قطارات “أتوشا رينفي” بالعاصمة الإسبانية.

وتسببت تلك التفجيرات الدموية في شبكة قطارات مدريد في مصرع 191 شخصاً وجرح ما يزيد على 1700 آخرين، وذلك قبل 3 أيام من تنظيم الانتخابات الإسبانية.

شاهد: فيديوغراف.. لماذا يجب على إسبانيا محاربة التطرف الإسلامي الآن أكثر من أي وقت مضى؟

ولعل ما أثار الانتباه إلى اتهامات خوسيه مانويل فياريخو، كون الرجل يعد “صندوقاً أسود” للأسرار الأمنية والاستخباراتية لإسبانيا؛ منها ما يتعلق بالأسرة الملكية نفسها.

ويُتهم فياريخو أيضاً بأنه يقف وراء التجسس على مسؤولين سياسيين مؤيدين لانفصال إقليم كاتالونيا، عبر فبركة ملفات فساد لهم، بقصد تنفير الرأي العام الإسباني من هؤلاء السياسيين المطالبين باستقلال الإقليم.

ولقيت اتهامات فياريخو سجالاً بين مؤيدين ورافضين؛ فالفريق الأول يرى أن الرجل يمتلك الكثير من الأسرار التي تجعل اتهاماته محط انتباه وتقييم، والفريق الثاني يجد أن الرجل معروف بدسائسه ومكائده، وبالتالي فاتهاماته تعوزها الأدلة، ولا يمكن الاعتداد بها.

ضحايا هجمات برشلونة الإرهابية- أرشيف

وبعد تداول اتهامات فياريخو عبر وسائل الإعلام الإسبانية والدولية، انبرت أحزاب سياسية كاتالونية بمطالبة المفوضية الأوروبية بإجراء تحقيق بخصوص العلاقة المفترضة بين المخابرات الإسبانية ووقوع هجمات برشلونة في أغسطس 2017.

ووجه نواب إسبان رسالة إلى مفوض العدل في الاتحاد الأوروبي؛ للمطالبة بإجراء تحقيق شامل بشأن تصريحات فياريخو، باعتبارها تتضمن “معطيات خطيرة ومقلقة ليس فقط للمواطنين الكتالونيين والإسبان؛ ولكن أيضاً للاتحاد الأوروبي كله”.

وفي الوقت الذي ترفض فيه الحكومة الإسبانية الخوض في ظروف وسياقات الحادث الإرهابي ومدى دور المخابرات في ذلك، طالب نواب إسبان بالحق في معرفة الحقيقة، باعتبار أن جميع التحقيقات في هذا الصدد ممنوعة في إسبانيا.

اقرأ أيضًا: التصدي لخطاب الكراهية في إسبانيا: الذاكرة والثقافة والجذور

ثنائية الأمني والسياسي

ويعلق الخبير المغربي في الشأن الأمني والاستراتيجي، الدكتور محمد عصام لعروسي، على الموضوع بالقول في حديث مع “كيوبوست”، إن حادثة الدهس في برشلونة يمكن اعتبارها نوعاً من أنواع التوجيه الذي تقوم به المخابرات الغربية، وهو ما يمكن تسميته بالاستثمار السياسي للعمل المخابراتي.

محمد عصام لعروسي

ويستطرد الخبير بأن الأرضية السياسية في إسبانيا التي اتسمت بالصراع في كاتالونيا (حركة الاستقلال التي تطورت إلى درجة الاستفتاء لتقرير المصير)، تأتي لعرقلة مفهوم السيادة المجتزأة، أو مفهوم السيادة الداخلية للإقليم، والتشكيك في مدى قدرة حكومة كاتالونيا للدفاع عن الهوية والأمن بالإقليم.

اقرأ أيضًا: “داعش” يبعث برسائل مغلفة بالنار ليرسم شروطه بعد الانسحاب الأمريكي

وذهب المتحدث إلى أن التلويح بوجود “داعش” يشكل فزاعة لتخويف المجتمع الكاتالوني، والتشكيك في قدرة الحكومة هناك على إدارة شؤونها من الناحية الأمنية والعسكرية، وبالتالي التأثير على عقلية المواطن، باعتبار أن “الأمني يعرقل السياسي”.

ولفت لعروسي إلى أن فرنسا بدورها استثمرت حادثة “شارلي إيبدو” للتأثير على المجتمع؛ بدليل حضور زعماء العالم في المسيرة الداعمة لحرية التعبير والرافضة للهجوم على مجلة “شارلي إيبدو”، وأشار الخبير إلى مسألة التوظيف السياسي على مستوى القرار الخارجي، مثل ما وظفته الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص لجان التفتيش في العراق، وما ترتب عن ذلك من تدخل أمريكا في هذا البلد سنة 2003، مبرزاً أن هذا يفيد وجود ثنائية أمنية/ سياسية في مثل هذه العمليات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي