شؤون دولية

هل أصبحت المنطقة العربية مجالًا حيويًا “للسلطان” إردوغان؟

كيف يحاول إردوغان الهيمنة على العالم العربي؟

خاص كيو بوست – رشيد العزوزي

رغم أن الإمبراطورية العثمانية لم تساهم مساهمة حقيقية في سلم الحضارة الإنسانية في العلوم، ولا خلفت علماء جادين -وإن عمرت لقرون عدة زمنيًا، وسيطرت على مساحة شاسعة جغرافيًا، شكل العالم العربي (باستثناء المغرب) جزءًا منها- إلا أن الأثر البالغ لها كان على الهوية والذهنية (سياسة التتريك) التي رفضها العرب، وساهمت إلى جانب عوامل أخرى في “النهضة العربية” خلال القرن 19، أو “اليقظة” بتعبير عبد الله العروي.

اقرأ أيضًا: هذه هي “أمجاد” الدولة العثمانية التي يريد أردوغان استعادتها!

 

لماذا يستحضر إردوغان التاريخ العثماني كلما تعلق الأمر بالعرب؟

انهارت الإمبراطورية العثمانية سنة 1923، ودخلت البلاد عهد “الجمهورية” مع مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك الذي تبنى القطيعة التامة مع إرث “السلطنة”، وشرع في بناء دولة حديثة علمانية، نأت بنفسها عن قضايا المنطقة بشكل عام، حتى وصل إخوان إردوغان (حزب العدالة والتنمية) إلى الحكم عام 2002م.

ويبدو أن زعيم هذا الحزب ذي المرجعية الإسلامية، يحن إلى فترة ما قبل عبد الحميد الثاني، مقدمًا نفسه على أنه سلطان زمانه، ليس فقط بصفته مخلصًا لتركيا؛ بل نموذجًا لما يجب على الشعوب العربية أن تنتهجه أيضًا.

عادل حسن الحسني

في هذا السياق، قال الباحث في الإسلام السياسي عادل الحسن الحسني في اتصال مع كيوبوست إن “إردوغان يستفيد من إرث عثماني، يعرف الرجل أنه لا يزال بعض العرب لهم ارتباط عاطفي به وحنين ممزوج بالأسى إليه أحيانًا، خصوصًا في فترة صعبة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، سواء في الحالة العربية، أو الداخل التركي على حد سواء، تجعل من استحضار التاريخ العثماني أيديولوجية انتخابية شعبوية صالحة للتسويق والمتاجرة، ويعول عليها لدغدغة مشاعر “العامة”.

وأضاف الحسني أن “لإردوغان مشروع توسعي يحن فيه للفتوحات العثمانية التي ربطت قارات ثلاث؛ لذلك يلعب اليوم على الوعد بإعادة كسر غرور الغرب، وكي وعينا ووعيهم بالتاريخ، دون عوائد واضحة، عبر شعارات موغلة في القدم، تعمق من تخلفنا داخليًا، وتزيد من أعدائنا في الخارج، وتهز صورة العربي المسلم في الغرب، المهزوزة أصلًا لأسباب يطول شرحها”.

كلام الحسني منسجم تمامًا مع ما اعترف به راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة التونسي، الذي قال بالحرف: “نحن أخذنا السلطة على أساس أننا أخذنا الأغلبية، دون أن ننتبه لميزان النخبة الذي نحن ضعفاء فيه… نحن الإسلاميين فقراء من حيث القوة الصلبة، فقراء في النخب… فكيف لنا أن نحكم بهذا الغثاء العاطفي؟”.

 

رئيس بسلطات سلطان

يرجع تاريخ آخر دستور قبل التعديلات الأخيرة حاليًا إلى سنة 1982 إثر الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال “كنعان إيفرين” عام 1980؛ حيث نصب نفسه رئيسًا للبلاد، واضعًا صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة لمنصب رئاسة الجمهورية، كي يُحكم قبضته على النظام السياسي في البلاد ( المادة 104 الفقرات: أ، ب،ج).

اقرأ أيضًا: مترجم: خطابات أردوغان النارية للاستهلاك المحلي فقط!

صلاحيات واسعة جدًا لم تكف إردوغان، قال عنها شكلية، فقط لأن النظام السياسي بقي رغم ذلك برلمانيًا، إذ يقوم الشعب باختيار ممثليه الذين يقومون بدورهم باختيار رئيس للجمهورية، في وقت يعرض فيه رئيس الحكومة حكومته على البرلمان لنيل الثقة، لذلك حوله إلى نظام رئاسي يختصر الدولة في الرئيس ويصبح الرئيس هو الدولة، لحاجة في نفس إردوغان.

في هذه النقطة تحديدًا، قال رشيد لزرق الخبير في القانون الدستوري، في اتصال مع “كيوبوست” إن التحول الذي شهدته تركيا في الانتقال نحو نظام رئاسي جعل رئيس الجمهورية الشخصية المحورية التي تدور في فلكها جميع المؤسسات، وتلتقي في يديه جميع السلطات، لا فصل بينها، انطلاقًا من السلطة التنفيذية، مرورًا بالسلطة القضائية، حتى الاختصاصات التشريعية.

د. رشيد لزرق

ويوضح رشيد لزرق: “على مستوى السلطة التنفيذية، يعد هو رئيسها باعتباره رئيسًا للجمهورية، يعين نواب الرئيس، وكل أعضاء الحكومة، وله اختصاصات تنظيمية باعتباره هو من يعين كبار الرؤساء. وعلى مستوى المسؤولية السياسية فأعضاء الحكومة مسؤولون أمامه وليس أمام البرلمان، تشريعيًا له اختصاصات إصدار المراسيم الرئاسية حول جميع القضايا المتصلة باختصاصاته الرئاسية دون الرجوع للبرلمان”.

أما فيما يخص السلطة القضائية، فيضيف لزرق: “له صلاحيات تعيين أفراد من المجلس الأعلى للقضاء، ويتولى الرئيس أيضًا تعيين القضاة، وكذلك عزلهم، كما أن الدستور التركي خول الرئيس إمكانية إعلان حالة الطوارئ قبل عرضها على البرلمان عند الاقتضاء”.

 

تدخلات إردوغان المباشرة وغير المباشرة في الشأن العربي

بسرعة البرق، تحول إخوان تركيا من سياسة “صفر مشاكل”، إلى تدخلات بالجملة هنا وهناك، كان للعالم العربي فيها النصيب الأكبر، لاعتبارات ثقافية تاريخية وجغرافية.

 

سياسيًا: تأثير الإردوغانية في العالم العربي – المغرب نموذجًا

ربط رشيد لزرق بين الجدال الحاصل داخل حزب العدالة والتنمية المغربي والتطورات الدستورية في تركيا، مشيرًا إلى أنه لا يمكن فهم تصريحات القيادي البارز حامي الدين حول كون الملكية بشكلها الحالي باتت معيقة للتنمية في المغرب، إلا في هذا الإطار.

وتساءل المتحدث ذاته: “هل يكون التغير الإقليمي عاملًا أساسًا في هكذا تحول، خصوصًا بعدما استطاع إردوغان، عبر بوابة الانتخابات، تغيير طبيعة النظام في تركيا، وتغيير الدستور الذي يوسع صلاحياته؟ نعم هذا التحول الإقليمي، جعل إخوان بنكيران يصعدون ويطمحون في انتزاع صلاحيات من الرئيس (المؤسسة الملكية)، لكونهم رأوا في نجاح خطوة إردوغان انفراج إقليمي، يحيي رغباتهم القديمة الجديدة بعد نهجهم سلوك المهادنة والتنازل، في ظل واقع متحرك؛ أهم مميزاته إزاحة الإخوان في مصر، ووصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، والأزمة الخليجية”.

اقرأ أيضًا: تزوير التاريخ: كيف تلاقت المسلسلات التركية مع سياسة أردوغان التوسعية؟

 

اقتصاديًا: إغراق الأسواق العربية

سواء تعلق الأمر بالدول التي وصلت فيها أحزاب إخوانية إلى السلطة؛ مثل تونس والمغرب، أو تلك التي تعيش على وقع قطيعة ديبلوماسية مع أنقرة كالقاهرة، تغزو منتوجات “صنع في تركيا” الأسواق من المحيط إلى الخليج، وتدر أموالًا طائلة لصالح الاقتصاد التركي، لدرجة تدخلت معها بعض الحكومات العربية ملغية اتفاقات تجارية أو معدلة إياها، خوفًا على صناعتها المحلية، وإنقاذًا لمنتوجها الوطني، على أمل خلق توازنات تجارية أربكها إردوغان.

وتعدّ قطر والكويت من بين أهم الدول التي عملت أنقرة على إغراق أسواقها؛ فبالنسبة للأخيرة، ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 1.3 مليار دولار في 2017، صعودًا من 600 مليون دولار في العام 2015، و300 مليون دولار في 2003، وقرابة 165 مليون دولار فقط عام 2002.

 

جغرافيًا: احتلال الأرض وتغيير الهوية

وحول الاحتلال التركي لمناطق عربية، نشر الباحث يحيى اليحياوي على صفحته في فيس بوك، عقب نتيجة الانتخابات الرئاسية التركية، تدوينة قال فيها: “لا يهمني فوزه… لكن يهمني التذكير بأن جيوش إردوغان متوغلة في جزء مهم من العراق… تسيطر عليه بقوة النار والحديد، وضدًا على معيار الجوار… جيوش إردوغان تحتل مناطق شاسعة من سوريا، وحولتها إلى مقاطعات تركية، ورفعت فوق بناياتها العلم التركي، وبدأت في تغيير برامج الدراسة. إردوغان هو الذي فتح حدود بلاده ليسهل عملية تسلل الإرهابيين… فتسلل الغربان وعاثوا فسادًا في سوريا”.

ويستطرد اليحياوي: “أما من يتحدث عن “ديموقراطية إردوغان” فليراجع إحصائيات السجون ليرى كيف زج بعشرات الآلاف من الأساتذة والقضاة والصحفيين، وكل من يعارض… في أعقاب المحاولة الانقلابية المزعومة. من يصفق لانتصار إردوغان اليوم يزكي، جهلًا أو عن غير قصد، جنوح الرجل لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية على حسابنا.

أردوغان يعاد انتخابه رئيسا لتركيا…"تغزل" بذلك أعضاء حزب العدالة والتنمية في المغرب كما يتغزل الزوجان "ليلة الدخلة"…

Posted by Yahya El Yahyaoui on Sunday, June 24, 2018

اقرأ أيضًا: لماذا يطمع الأتراك بمصر؟

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة