الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هل أصبحت الحرب إنسانية أكثر مما ينبغي؟

ما الذي سمح للحرب على الإرهاب أن تستمر؟

كيوبوست- ترجمات

ستيفن بومبر♦

مع مرور الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، أصبحت قضية الحرب على الإرهاب تتصدر عناوين الصحف وتقارير المحللين الاستراتيجيين. ومن بين هؤلاء كتب ستيفن بومبر، المساعد الخاص للرئيس أوباما، ومدير العلاقات متعددة الأطراف في مجلس الأمن القومي، مقالاً نشرته صحيفة “فورين أفيرز” يتناول فيه كتاب “الإنسانية.. كيف تخلت الولايات المتحدة عن السلام وأعادت اختراع الحرب؟” لصامويل موين، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة ييل.

يفتتح بومبر مقاله بالقول إن كل مَن يعتقد أن الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر قد حملت معها نهاية للحرب على الإرهاب، سوف يُصاب بخيبة أمل. ويرى أن إدارة بايدن سعت من خلال سحب القوات الأمريكية من أفغانستان إلى إعطاء الانطباع بأن سلسلة التدخلات المكلفة والمرهقة قد وصلت إلى خواتيمها؛ ولكن الواقع مختلف، فهذه الإدارة لم تعطِ أية إشارة إلى أنها سوف تمتنع عن استخدام القوة العسكرية لمواجهة التهديدات الإرهابية المحتملة، بل إن مراجعاتها الجارية لسياسة مكافحة الإرهاب يبدو أنها تركز على التوجه نحو الضربات بالطائرات المسيرة والأشكال الأخرى مما يسميه العسكريون “التدخل المباشر” بدلاً من نشر الجيوش.

اقرأ أيضاً: من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

ويرجع بومبر السبب في ذلك إلى ندرة الضغوط المؤثرة على الإدارة لإعادة النظر في نطاق الحرب على الإرهاب. كما أن “التفويض العام باستخدام القوة العسكرية” الذي أصبح قانوناً بعد أسبوع من هجمات سبتمبر، يسمح للرؤساء بأن يقرروا -في كثير من الأحيان بشكل سري- أين وضد مَن تحارب الولايات المتحدة. وحظي هذا القانون بموافقة الكونغرس والمحاكم؛ لأن العمل العسكري ضد الجماعات الإرهابية عادة ما يتم بواسطة طائرات مسيرة أو عمليات محدودة في مواقع نائية، ولا يسترعي انتباه الجمهور بشكل كبير، إلا في الحالات التي يحصل فيها خطأ كارثي؛ مثل الضربة التي نفذتها الشهر الماضي طائرة مسيرة في كابول، وأودت بحياة عائلة من عشرة أشخاص، وحتى في هذه الحالات نادراً ما تستمر العناوين الرئيسية أكثر من بضعة أيام، وسرعان ما تتلاشى القصة.

هجوم بطائرة مسيرة أمريكية في كابول أودى بحياة عائلة من عشرة أشخاص- وكالات

يقول بومبر إن موين في كتابه قد أقر بهذا النمط؛ ولكنه يشير إلى عامل آخر يفسر استمرار الحرب على الإرهاب؛ وهو ما يعتبره الجانب الإنساني لهذه الحرب وليس وحشيتها. وهو يرى أن التغطية على وحشية هذه الحرب قد مكنت المدافعين عنها من حمايتها من النقد العام وأضعفت حركات السلام التي كان من الممكن أن تضغط باتجاه إنهائها.

اقرأ أيضاً: وثائقي “نقطة التحوُّل: هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب”

ربما تكون مهنية موين وسعة معرفته وبصيرته قد أسهمت في نجاح كتابه من نواح عديدة؛ ولكن ليس كلها. فالكتاب لا يوضح كيف كان التركيز على إنسانية هذه الحرب مفيداً في حشد الدعم المحلي لها، ولا يوضح ما الذي فعله المحامون والدعاة، الذين سعوا لإخفاء بعض أبشع مظاهر الحرب على الإرهاب؛ من أجل إنهاء هذه الحرب. ويرى بومبر في الكتاب تصويراً للصراع بين فكرة السلام وفكرة الإنسانية. وفي مجتمع أصبح يقدر النواحي الإنسانية يعطي موين فكرة السلام حقها ويدفع القارئ للتفكير في كيف يمكن للقانون أن يساعد قضية السلام. إن كبح صلاحيات السلطة التنفيذية في إعلان الحرب والمطالبة بإلزامها بإجراء مشاورات عامة حول أين وضد مَن تشن الولايات المتحدة الحرب سيكون نقطة انطلاق جيدة.

يرى موين، في كتابه، أن إضفاء الطابع الإنساني على الحرب قد يكرسها، ويرى أن هذه الديناميكية تنطبق على الحرب على الإرهاب التي تلت هجمات سبتمبر. ويقول بومبر إن العوامل الإنسانية في هذه الفترة هي ما يشكل الجوهر العاطفي للكتاب، ويرى أنه من المفارقات أن الناس تتذكر رد فعل بوش على الهجمات من خلال وحشية هذه الهجمات وتتجاهل انتهاكات هذا الرد للنواحي الإنسانية. يقول موين في كتابه إنه يجب النظر إلى انتهاكات الإدارة جنباً إلى جنب مع ردود الفعل التي أثارتها. اجتمع الباحثون والمحامون والمدافعون للاحتجاج وأغرقوا المحاكم بالقضايا وأخذوا قضاياهم إلى الهيئات الدولية وعملوا بحماس لسد الثغرات القانونية للتأكد من عدم حدوث هذه الانتهاكات مجدداً. ومع أن هؤلاء حصلوا على مجموعة من قرارات المحكمة الأمريكية العليا والأوامر التنفيذية والقوانين الجديدة التي تحد من التعذيب، إلا أن مكاسبهم كانت ضئيلة للغاية؛ فهم لم يفعلوا أي شيء لوقف أو منع وقوع الحروب التي سمحت بتلك الانتهاكات.

غلاف كتاب “الإنسانية.. كيف تخلت الولايات المتحدة عن السلام وأعادت اختراع الحرب؟”- “أمازون”

يقول بومبر إن كتاب موين استحق التقدير؛ لأنه لفت الانتباه إلى مخاطر السماح للناحية الإنسانية بخلق منطقة راحة للعمل العسكري. ويذكر غارة الجيش الأمريكي في أغسطس الماضي بطائرة مسيرة في كابول التي أدت إلى مقتل عدد من المدنيين، على أنها مثال واضح على أنه بمجرد أن تتجاوز الولايات المتحدة عتبة الحرب فإنها تخلق فرصة كبيرة للحوادث الناتجة عن سوء التقدير والأخطاء التي تحمل معها عواقب وخيمة. ومن خلال التركيز على مدى اعتماد السياسة الخارجية الأمريكية على الحروب ودفع القراء لأن لا يكتفوا بمجرد التخفيف من بشاعة تبعاتها. ومع ذلك فقد تعثر الكتاب في جهوده لاستخلاص الدروس من القصص الشخصية للمحامين البارزين والناشطين الذين يروي قصصهم، وذلك لأن جميع إنجازاتهم من أحكام قضائية وقوانين قد جعلت العمل على هذه الحروب أكثر راحة لكثير من مسؤولي السلطة التنفيذية، وبالطبع هذا لا يعني أن هؤلاء المحامين والناشطين قد شجعوا المسؤولين على الاستمرار في الحرب؛ لا سيما في ظل دوامة الترويج للخوف المسيس والسيل الجارف من التهديدات.

اقرأ أيضاً: تقرير “فرانك تايلور” الغامض كان وراء انطلاق عمليات “الحرب على الإرهاب”

أما بالنسبة إلى الجمهور الأوسع، فيشير بومبر إلى أن تسامحه مع الحرب يرجع إلى عدم التفكير في مخاطرها والخوف من الإسلام، والاعتماد المتزايد للجيش الأمريكي على الطائرات المسيرة والعمليات المحدودة التي تقلل من الخسائر الأمريكية. وقد قالت الحكومة الأمريكية (أو على الأقل إدارة بايدن) إن التقليل من الخسائر في صفوف المدنيين من شأنه أن يسهل الاستمرار في الحرب في الداخل والخارج. ولكن موين يقلل من مدى تأثيرها الخارجي.

ومن ناحية أخرى، يرى بومبر أن الكتاب لا يقدم أدلة على وجهة نظره القائلة إنه كان بإمكان المحامين والناشطين استخدام مواهبهم ومواردهم بشكل أفضل في سنوات الحرب الأولى في ظل الغطاء القانوني القوي للغاية الذي حصلت عليه الإدارة الأمريكية لحربها في أفغانستان والعراق في أعقاب هجمات سبتمبر. وعلى الرغم من أنه من غير المستهجن التساؤل عما إذا كان بإمكانهم فعل المزيد؛ فإنه يبدو من الإجحاف الإيحاء بأن الإجابة عن هذا التساؤل قد تكون نعم دون تقديم أدلة واضحة على ذلك.

اقرأ أيضاً: تعلُّم التعايش مع الإرهاب.. عقيدة “جيد بما فيه الكفاية”

ويخلص بومبر إلى القول إنه حتى لو قبلنا فرضية موين بأن ورقة التوت التي شكلتها النظرة الإنسانية إلى جانب بريق الغطاء الشرعي للحرب الذي وفرته المواقف القانونية للحكومة الأمريكية، قد جعلت الحرب أكثر قبولاً لدى الشعب الأمريكي، يبقى من الواضح أن المحامين والناشطين لم يكونوا في وضع يمكنهم من تشكيل عائق فعال أمام توسع العمل العسكري.

فمع أنه يمكن لمحامي السلطة التنفيذية أن يقولوا “لا” لصانعي السياسات عندما يسألونهم إذا ما كان بإمكان الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية أم لا، ولكنها رسالة من النوع الذي يصعب إيصاله وليس بالضرورة أن يتم الاستماع إليها. وغالباً ما يسأل المسؤولون التنفيذيون محاميهم عما إذا كانت مواقفهم السياسية مبررة قانونياً أم لا، ولا يسألونهم ما إذا كانت هذه المواقف تتوافق مع أفضل تفسير للقانون. وعند وجود غطاء قانوني قوي مثل “التفويض العام باستخدام القوة العسكرية” لعام 2001 أو أحكام استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة، يميل كل من المحامين والمسؤولين التنفيذيين إلى رؤية مجال للمناورة. كما أن المحاكم تتراجع في هذا المجال وتترك القرار للسلطة السياسية، كما أن الكونغرس يميل إلى التهرب من المسؤولية والإذعان للسلطة التنفيذية. وبذلك لا يوجد إلا القليل من الضوابط السياسية بهذا الخصوص إن وجدت.

الغطاء القانوني أصبح بمثابة شيك على بياض للحروب الأبدية- “ذا ديفنس بوست”

ومع ذلك، عندما تولت إدارة أوباما زمام الحرب على الإرهاب، خاض محاموها نقاشات محتدمة حول أماكن الحروب الأمريكية وضد مَن تشن هذه الحروب، ومَن يمكن استهدافه واحتجازه؛ ولكن جميع هذه المسائل لم يتم حلها بشكل كامل. يبدو أن كبار المحامين في وزارة الخارجية لم يتقبلوا قط أن الولايات المتحدة كانت في حرب شاملة مع “القاعدة”. ووزارة الخارجية لم تتفق مع البنتاغون حول مَن يمكن اعتباره عضواً في جماعة مسلحة منظمة، أو حول ما إذا كان للولايات المتحدة الحق في اعتقال أو استهداف “كبار المؤيدين” لمجموعة معادية. ويشير بومبر إلى ما كتبه في وقت سابق، بالاشتراك مع برايان فينوكين، المستشار القانوني في وزارة الخارجية: “تميل الثقافة القانونية إلى دفع محاميها إلى الموافقة عل العمليات وتوسيع السلطة التنفيذية. وعندما تستمر الخلافات فإن هذه الثقافة تفضل شكلاً من أشكال الإجماع التجميلي؛ حيث تخفي اللغة الغامضة الخلاف بين الوكالات عن الجمهور، بينما تمنح المسؤولين التنفيذيين الكثير من المرونة التي يبحثون عنها.

بالطبع يمكن للمحامين الذين يختلفون مع هذا الإجماع أن يستقيلوا؛ ولكن انسحاب هؤلاء لا يعني بالضرورة التراجع عن الحرب، فعلى سبيل المثال لم توقف استقالة كبير محامي وزارة الخارجية هارولد كوه، في بداية ولاية أوباما الثانية، الحكومة الأمريكية عن تطوير نظريات قانونية جديدة مثيرة للجدل؛ لتبرير توسيع العمليات الحربية الفتاكة بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2001 في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية”.

اقرأ أيضاً: من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

يشير بومبر إلى الرأي الذي طرحته مجموعة الأزمات الدولية مؤخراً، الذي مفاده أن الإصلاحات القانونية يجب أن تطول بشكل رئيسي قانون “التفويض العام باستخدام القوة العسكرية” لعام 2001 الذي تعامل معه محامو السلطة التنفيذية كبئر عميقة للسلطة لشن الحروب ليس فقط على “القاعدة” والجماعات التابعة لها؛ بل أيضاً على منظمات لا علاقة لها بهجمات سبتمبر، وعلى منظمات انفصلت عن “القاعدة” مثل تنظيم الدولة الإسلامية. يجب أن تعمل إدارة بايدن مع الكونغرس على استبدال قانون جديد بقانون تفويض عام 2001، يحدد أين وضد مَن تخوض الولايات المتحدة الحرب، ويسحب الصلاحية مِن السلطة التنفيذية في توسيع الحروب دون إجراءات تشريعية إضافية، ويتطلب إعادة منح التفويض كل عامين؛ حتى يتمكن الشعب الأمريكي من مناقشة ورسم معالم الحروب التي تُخاض باسمه.

حان الوقت لإعادة النظر في التفويض العام باستخدام القوة العسكرية الذي مُنح أثناء إدارة الرئيس بوش- “ذا ديبلومات”

ويرى بومبر أن هذا لا يكفي؛ فقد فشل قانون سلطات الحرب الذي أصدره الكونغرس في أعقاب حرب فيتنام، بشكل ذريع. ومن شأن التشريع الذي قدمه الحزبان مؤخراً في مجلس الشيوخ أن يحد من قدرة الرئيس أحادية الجانب على شن حرب غير دفاعية، ويقطع التمويل عن الصراعات غير المصرح بها، ويطلب من الكونغرس إعادة النظر في تصاريح الحرب كل سنتين، والأهم من ذلك أن هذا التشريع من شأنه أن يفرض المزيد من المداولات العامة بين السلطتَين (التنفيذية والتشريعية) حول ما إذا كانت البلاد ستخوض حرباً وأين تخوض هذه الحرب.

اقرأ أيضاً: عمالقة التكنولوجيا حققوا أرباحاً بالمليارات من الحرب على الإرهاب

ويختم بومبر مقاله بالقول إن إصلاح سلطات الرئيس الحربية سيكون عملاً طويلاً وشاقاً ولن يضمن بأي شكل من الأشكال أن تجد الولايات المتحدة قدراً أكبر من السلام. فاللاعبون الخارجيون لهم كلمتهم وكذلك الرأي العام الأمريكي. ومع ذلك، في عالم لا توجد فيه ضمانات كافية تحمي الولايات المتحدة من الدخول في حروب غير حكيمة، فإن مثل هذه الإصلاحات القانونية يمكن أن تخدم الهدفَين التوأمَين المتمثلَين في منع الحروب والمساءلة الديمقراطية. ويجب على محامي وناشطي حركات السلام في القرن الواحد والعشرين الذين يحتفي بهم موين، أن يلقوا بثقلهم وراء هذه الجهود.

♦الرئيس المؤقت للسياسات في مجموعة الأزمات الدولية. شغل منصب المساعد الخاص للرئيس أوباما والمدير الأول للشؤون متعددة الأطراف وحقوق الإنسان في مجلس الأمن القومي، في الفترة من 2010 إلى 2011، وكان مستشاراً قانونياً مساعداً لوزارة الخارجية الأمريكية للشؤون العسكرية السياسية.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة