الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هكذا يُجهض “إخوان تونس والجزائر” وحدة الشعوب المغاربية

تصريحات ومواقف وخطابات صادرة من إسلاميي تونس والجزائر ساهمت في تعطيل الاتحاد المغاربي

المغرب ـ حسن الأشرف

منذ اليوم الذي وقع فيه زعماء البلدان الخمسة: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا؛ الحسن الثاني والشاذلي بن جديد وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي ومعاوية ولد الطايع، يوم الجمعة في 17 فبراير/ شباط من سنة 1989 بمدينة مراكش، المعاهدة التأسيسية لاتحاد المغربي العربي (الذي بات يسمى الاتحاد المغاربي)، كانت الأحلام والآمال كبيرة لكن السياسة أجهضت كل أحلام الوحدة المغاربية.

ورغم أن المعاهدة التأسيسية لاتحاد المغربي العربي ضمت مبادئ أساسية من بينها: “توثيق أواصر الأخوة التي تربط الأعضاء وشعوبهم، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها”، إلا أن أغلبها ظل حبرا على ورق، ولم يتم تفعيل الاتحاد المغاربي بالشكل الذي تطمح إليه الشعوب الخمسة.

اقرأ أيضًا:   أزمة اقتصادية تعصف بـ”إخوان المغرب”.. والدولة تطالب باسترداد أموالها

وخربت السياسة أحلام الوحدة بين البلدان الخمسة، خاصة الصراع بين الجارين المغرب والجزائر الذي جمد “الاتحاد المغاربي” زمنا طويلا، بسبب نزاع الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعوم من طرف الجزائر.

وزاد من تعطيل “الاتحاد المغاربي” تصريحات ومواقف وخطابات صادرة من إسلاميي تونس والجزائر على السواء، والذين اتفقوا على أن ينطلق قطار “الاتحاد المغاربي” بدون المغرب.

صورة زعماء البلدان الخمسة عند توقيع معاهدة مراكش

الغنوشي حفار القبور

هذه الخطابات الإقصائية للمغرب من “الاتحاد المغاربي” بدأها زعيم حركة النهضة التونسية الإسلامية، راشد الغنوشي، الذي دعا في ذكرى التأسيس قبل سنة خلت، تونس والجزائر وليبيا إلى فتح الحدود وإنشاء عملة واحدة، مقصيا كلا من المغرب وموريتانيا.

وقال زعيم “إخوان تونس” حينها إن إحياء مشروع “اتحاد المغرب العربي” يستوجب الانطلاق من مثلث (تونس والجزائر وليبيا)، ضاربا المثال بالاتحاد الأوروبي الذي انطلق من العلاقة بين ألمانيا وفرنسا.

اقرأ أيضًا:  التدخل التركي في ليبيا.. هل يزعزع أمن واستقرار الدول المغاربية؟

هذه التصريحات لاقت الكثير من الانتقاد والتقريع لزعيم “إخوان تونس” من طرف سياسيين ومحللين، منهم الخبير السياسي المغربي المقيم بفرنسا مصطفى الطوسة الذي كتب مقالا في موقع “أطلس أنفو” باللغة الفرنسية، وصف فيه الغنوشي بـ”حفار القبور”.

وقال الطوسة إن الغنوشي، بصفته رئيس البرلماني التونسي حينها، انضم بدعوته إقصاء المغرب من الكيان المغاربي، إلى من سماهم حفاري قبر المنطقة المغاربية، من خلال الزيادة في تعقيد الشهد السياسي، بهدف إجهاض حلم الشعوب المغاربية إلى ما لا نهاية.

لقاء سابق بين الغنوشي وبنكيران

ويرى محللون أن دعوة “إخوان تونس” بخصوص إطلاق “اتحاد مغاربي” بدون المغرب وموريتانيا، تعتبر دعوة استفزازية للمغرب والشعوب المغاربية بصفة عامة.

ولم تتوقف مناهضة دعوة الغنوشي تلك عند حدود المحللين السياسيين المغاربة، بل انبرى محللون ليبيون أيضا لرفض هذا الخطاب الإقصائي، وكتب حينها الباحث الليبي الدكتور جبريل العبيدي الذي اعتبر محاولة استبعاد المغرب العضو المؤسس والفعال في الاتحاد المغاربي خطوة بائسة تنم عن جهل بالسياسة والجغرافيا والتاريخ”.

ولاشك أن “إخوان تونس” خرقوا ـ بدعوة زعيمهم الغنوشي استثناء المغرب من “اتحاد المغربي العربي” ـ دستور بلادهم، ذلك أن الفصل الخامس من دستور 2014 ينص على أن “الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي، تعمل على تحقيق وحدته وتتخذ كافة التدابير لتجسيمها”.

اقرأ أيضًا: استراتيجية الكتائب الإلكترونية لـ”إخوان المغرب”.. نصرة وشيطنة وطاعة

الإخوان يتهمون بعضهم

وأيد زعيم “إخوان الجزائر”، عبد الرزاق مقري رئيس “حركة مجتمع السلم” (حمس)، ما ذهب إليه الغنوشي، عندما دعا بدوره إلى إنشاء تكتل اقتصادي وسياسي يجمع الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا أيضا، دون المغرب بدعوى أنه بات يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر العلاقات بين “إخوان الجزائر” وإسلاميي المغرب ممثلين في حزب العدالة والتنمية، وقبلها وجه إخوان الجزائر لإخوانهم بالمغرب انتقادات لاذعة لأنهم وافقوا بصفتهم حزبا يقود الحكومة (وقتها) على تفعيل العلاقات بين المغرب وإسرائيل، حتى أن مقري اتهم “إخوان المغرب” بالتصهين.

مقري زعيم إخوان الجزائر

حزب العدالة والتنمية المغربي لم يصمت حيال دعوة “إسلاميي الجزائر” إلى بتر “الاتحاد المغاربي” من المغرب، حيث حذرهم من “المنزلق الذي يتنافى مع مبادئ وحدة الأمة والمصالح المشتركة والأخوة وحسن الجوار”.

ووفق “إخوان المغرب”، فإن “الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية أو القومية لا يمكنها أن تؤيد أية حركة انفصالية في العالم العربي أو الإسلامي”، متهمين إسلاميي الجارة الشرقية للمملكة بأنهم “ضربوا عرض الحائط بكل أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين”.

واتهم العدالة والتنمية المغربي “إخوان الجزائر” بأنه بمثل هذه المواقف يتماهون مع الموقف الرسمي للنظام الجزائري المعاكس للمغرب.

اقرأ أيضاً: بنكيران زعيم “إخوان المغرب”.. مسارات حافلة من الشعبوية السياسية

مواقف ضد التاريخ

وفي السياق يقول الدكتور إدريس لكريني، رئيس منظمة العمل المغاربي، إن مطلب تفعيل الاتحاد المغاربي طُرح في خضم “الحراكات الشعبية” لسنة 2011، ورفعته كثير من التيارات الإسلامية في المنطقة المغاربية، وبدأت تروج إلى كونها ستسعى إلى فتح الحدود وتعزيز العلاقات المغاربية في أفق تجاوز الخلافات القائمة وبناء اتحاد قادر على أن تنافس دوله تكتلات إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي.

د. إدريس لكريني

ويستطرد لكريني، ضمن حديث لـ”كيوبوست”، أنه عندما وصلت هذه التيارات الإسلامية إلى الحكم خصوصا في تونس والجزائر والمغرب، لم يعد هذا الموضوع حاضرا في خطابات هذه التيارات رغم أنها استثمرته في بداية الحراك، والذي كانت هذه التيارات الإسلامية أكبر مستفيد منه.

وأما بخصوص الحالة الليبية، يكمل لكريني، فرغم تصاعد التيارات الإسلامية في هذا البلد وما عرفه من عنف وصراع على السلطة، لكن الأولويات الداخلية ظلت أكثر من الملفات الإقليمية والدولية.

واعتبر المحلل بأن “إطلاق خطابات من قبيل إقصاء المغرب من “الاتحاد المغاربي” أمر مأسوف له، ويبرز أن عددا من هذه التيارات لا تملك رؤية استراتيجية، ويفسر كذلك حالة الرفض الشعبي التي ظهرت في وجه هذه التيارات الإسلامية في تونس على سبيل المثال.

اقرأ أيضًا: فرص نجاح الوساطة الروسية- التركية في وقف إطلاق النار في ليبيا

ووصف رئيس منظمة “العمل المغاربي” إطلاق مثل هذه الخطابات والمواقف المُقصية للمغرب، بأنها مواقف ضد التاريخ وضد إرادة الشعوب المغاربية، وضد ما راكمه الأجداد من جهود وتطورات تدفع إلى ضرورة تجاوز الخلافات وإرساء الحوار والسعي لبناء اتحاد مغاربي قادر على أن يحقق التنمية للدول المغاربية”.

وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن “هذا الخطاب يكرس حالة الهدر التي تثقل المنطقة المغاربية وترهن مستقبل الشعوب المغاربية وتضعها أمام متاهات مكلفة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي”.

فكرة هلامية

ومن جانبه، يؤكد الدكتور خالد شيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة وجدة، أن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية لا تمثل جميع قيم الحركة الإسلامية في دولها ومنطقة شمال إفريقيا، حيث إنها فقدت بوصلة القيم وفقدت معها بوصلة التمثيل الاجتماعي.

د. خالد شيات

ويرى شيات، ضمن حديث مع “كيوبوست” أن مجموعة من الاتجاهات الإسلامية التي أرادت أن تنخرط في العملية السياسية وجدت أنه يجب التماهي مع اختيارات المنتظم السياسي لبلدانها”.

وبالحديث عن الجزائر، يكمل المتحدث، تدعي الحركة الإسلامية هناك بناء الأمة وتسعى إلى تأسيس فعل سياسي مندمج ووحدوي بعيدا عن دعم الانفصال، لكن تواجدها في دائرة السلطوية جعلها تغير مبادئها وقناعاتها، وهو ما أثر على شعبيتها وتمثيليتها للقيم التي كانت تدعيها أمام الشعب، وأصبحت كتلا من الوصوليين واللا مبدئيين”.

ويرى شيات أنه “كان من المفترض أن تكون هذه الأحزاب الإسلامية امتدادا لفكرة الوحدة، وهي فكرة غير مكلفة سياسيا وكانت ستتيح لها زخما شعبيا، لكنها فقدت زخمها على المستوى الاجتماعي والسياسي، لأنها تغيرت وغيرت مواقفها السياسية.

اقرأ أيضا: لهذه الأسباب لم تتفاعل الجزائر مع مبادرة الصلح المغربية، وهذا ثمن موقفها

وذهب المحلل إلى أن “هذا الوضع لا يؤثر على وضع الاتحاد المغاربي الذي بني على أساس “اتفاقية مراكش” وعلى أساس وجود الامتداد الحضاري الذي يجمع هذه الشعوب”.

ووفق الأكاديمي نفسه، فإن الجميع يعلم، بما فيها هذه الحركات الإسلامية، أن “المغرب العربي” بدون المغرب يبقى مجرد فكرة خيالية وفكرة هلامية لا أساس لتطبيقها على أرض الواقع”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة