الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

هكذا يروِّج الإعلام الديني الرسمي بالمغرب للوسطية والاعتدال

بعد الهجمات الإرهابية الدموية التي طالت مدينة الدار البيضاء في 2003 ارتأت السلطات المغربية إعادة هيكلة الإعلام الديني

كيوبوست – حسن الأشرف

يلعب الإعلام الديني في المغرب، رغم قلة منصاته التليفزيونة والإذاعية والإلكترونية، دوراً بارزاً في التوعية الدينية وتعزيز الأمن الروحي بالمملكة، وترويج ما يُسمى “التدين المغربي” المتسم بالاعتدال والوسطية.

ويرى مراقبون أن مجهودات الإعلام الديني، الرسمي بالخصوص، بالنظر إلى ندرة الإعلام الديني الخاص، تبقى غير كافية بالنظر إلى الثورة الرقمية وانتشار العديد من القنوات الدينية من مختلف المشارب في الوطن العربي.

اقرأ أيضاً: أي دور لعبه الإعلام الديني في ثورات الربيع العربي؟

وتؤثث المشهد الإعلامي الديني بالمغرب قناة “السادسة” الفضائية التي تقدم برامج دينية مختلفة وَفق الثوابت الفقهية للبلد، وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، فضلاً عن المواقع الإلكترونية لوزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، التي يمكن عدها أيضاً جزءاً من هذا الإعلام الديني الرسمي.

قناة محمد السادس الفضائية

بعد الهجمات الإرهابية الدموية التي طالت مدينة الدار البيضاء المغربية، وسقط بسببها العديد من الضحايا في 16 مايو 2003، ارتأت السلطات المغربية إعادة هيكلة المجال الديني لتعزيز الوسطية ومحاربة التشدد والتطرف الفكري والديني، فعمدت -من بين ما عمدت إليه- إلى إحداث منصات إعلامية حكومية تعنى بالشأن الديني في جانبه التعبدي والسلوكي.

مقر قناة وإذاعة محمد السادس الدينية بالمغرب- (مواقع التواصل)

قناة محمد السادس للقرآن الكريم تأسست في 2 نوفمبر سنة 2005، أي بعد سنتَين من تلك الأحداث الإرهابية التي ضربت المملكة، وهي بخلاف ما قد يوحي به اسمها لا تتخصص فقط في القرآن الكريم؛ بل تبث برامج مختلفة فقهية وتعليمية وترفيهية أيضاً.

ووفق الموقع الرسمي لهذه القناة الدينية، فإن ما تبثه هو عبارة عن برامج “تعكس التوجه المغربي في الشأن الديني القائم على وحدة العقيدة والمذهب وروح التسامح والانفتاح المستلهمة من هدي القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، والتعريف بالتراث الحضاري للمملكة، المتصل بالمساجد والزوايا والمدارس وإبراز الشخصية المغربية القارئة العالمة”.

اقرأ أيضاً: صورة “الأنا” في الخطاب الإعلامي الديني

وتصف قناة محمد السادس نفسها بكونها “قناة موضوعية بامتياز تعمل على تعميق العلم بالواجبات الدينية وتصحيح ممارستها وَفق الثوابت الحضارية الإسلامية والوطنية للبلاد في وئام مع الثقافة الإنسانية العامة”، فضلاً عن إبراز “الخصوصيات المغربية الأصيلة في مجال العادات والعبادات، من خلال برامج تبث باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية”.

ومن أبرز ما تبثه قناة محمد السادس للقرآن الكريم برنامج “الكراسي العلمية” الذي يعرضه عدد من أشهر علماء الدين بالمغرب، من قبيل الشيوخ: سعيد الكملي ومحمد السحابي وعبدالله بلمدني.. وغيرهم، في المساجد وتُنقل في القناة؛ يتم خلالها دراسة أصول الفقه والعقيدة والدين والتفسير والحديث والتجويد واللغة العربية.

الشيخ سعيد الكملي يقدم كرسياً علمياً في قناة محمد السادس- (مواقع التواصل)

ريادة إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم

من جانبها، أحدثت الدولة المغربية إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم في أكتوبر 2004، وأعطى انطلاقتها في ذلك الوقت العاهل المغربي الملك محمد السادس، بتعاون بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة الاتصال وشركة الإذاعة والتلفزة المغربية.

وتروم هذه المحطة الإذاعية الدينية الحكومية تعليم القرآن الكريم من خلال تقديم حصص القراءة والترتيل والتفسير، وتستضيف عدداً من الوجوه الإعلامية ذات الخلفية الدينية، وعدداً من الفقهاء والدعاة الوسطيين؛ ليجيبوا عن أسئلة جمهور الإذاعة.

اقرأ أيضاً: المدارس العتيقة في المغرب… صمام أمان لصون الهوية الدينية

ولقيت هذه التجربة الإذاعية الدينية في المغرب نجاحاً لافتاً مفاجئاً؛ إذ تربعت على صدارة قائمة الإذاعات المغربية الأكثر استماعاً من طرف الجمهور، وَفق إحصائيات مؤسسات تعنى بقياس نسب الاستماع، من قبيل مؤسسة “راديو ميتري”.

ترويج التدين المغربي

ويعلق الباحث المغربي رفيقي أبو حفص، على الموضوع، بالقول إن منصات الإعلام الديني بالمغرب قليلة حد الندرة، باستثناء قناة محمد السادس الفضائية، وإذاعة القرآن الكريم، وبعض المواقع التابعة لوزارة الأوقاف، بينما الإعلام الديني غير الحكومي شبه غائب بالمغرب.

رفيقي أبو حفص

وسجَّل رفيقي، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن ظهور الإعلام الديني المغربي كان له سياق معين، هو أحداث 16 مايو 2003، وإعادة تأهيل الشأن الديني الذي كان من مهامه إحداث قنوات إذاعية وتليفزيونية وبعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي.

واستطرد المتحدث ذاته بأن هذه القنوات الإذاعية والتليفزيونية أسهمت بشكل كبير جداً في تسويق صورة “التدين المغربي” أو “الإسلام المغربي” في الداخل وفي خارج البلاد، وهو ما يروج أيضاً لجهود المملكة في إرساء الأمن الروحي بتدين معتدل ووسطي.

اقرأ أيضاً: المجالس العلمية بالمغرب تواجه رهان الوسطية والاعتدال

وتابع رفيقي: “شخصياً كنت في دول عديدة، ولمست متابعة مهمة جداً للقناة الفضائية الدينية؛ خصوصاً لدروس الكراسي العلمية التي تلقى فيها”، مضيفاً أن “هذا النوع من الإعلام الديني أسهم في استدراك بعض الأخطاء التي وقعت سابقاً، وفي محاربة الفكر المتطرف والمتشدد، ونشر صورة معتدلة وسمحة عن التدين المغربي”.

إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم

وذهب رفيقي إلى أن “هذه القنوات مع الثورة المعلوماتية والرقمية تراجعت شيئاً ما عن أداء دورها، بحكم أن دور هذه الوسائط التقليدية بدأ يضعف مقابل ظهور وسائل الإعلام الجديدة، ولكنها مع ذلك ما زالت تؤدي أدواراً جيدة، وتحتاج إلى تطوير أدواتها وأساليبها، وحتى تطوير خطابها؛ بما يجعل حتى الأجيال الصاعدة تتفاعل مع محتواها الإعلامي”.

إقبال مرهون

من جانبه، يقول الأستاذ الجامعي الدكتور عبدالكريم القلالي، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “إن وسائل الإعلام التقليدية والجديدة تعد منابر لخطاب الإنسان بإذن ودون استئذان أحياناً، والإقبال عليها يختلف باختلاف طبيعة المواد المنشورة فيها، وقد أصبح الإعلام الديني محل إقبال واهتمام يتسع ويضيق أحياناً تبعاً لمنسوب التدين لدى الفرد والمجتمع”.

د.عبدالكريم القلالي

وتابع القلالي بأن “قناة السادسة وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم؛ منصات إعلامية تقوم بجهود مشكورة في التوعية الدينية وتعزيز الأمن الروحي، واستطاعت في زمن قصير تعريف المجتمع المغربي بدعاته وعلمائه، وما فيه من طاقات علمية زاخرة، غير أن هذه الجهود المؤسسة للإعلام الديني في المغرب غير كافية في خضم مشهد إعلامي متعدد المشارب”.

وأردف المحلل: “هناك عشرات القنوات الدينية في العالم العربي، إضافة إلى الإعلام الجديد الذي ينمو بنحو متسارع محققاً نسب مشاهدات عالية، تفوق أحياناً نسب مشاهدات الإعلام التقليدي”، مسجلاً “ضعف المبادرات الرسمية ذات البعد الديني في مجال الإعلام الجديد، سوى بعض الجهود الفردية التي قد تعزز الأمن الفكري والروحي”.

اقرأ أيضاً: نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

تحقيق الاستمالة والتأثير

واستطرد القلالي بأن “بعض المبادرات المنشورة على صفحات بعض المجالس العلمية في وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى تجديد وإبداع في الوسيلة والمضمون، وتجاوز النمط التقليدي القائم أحياناً على بث مواد صوتية مجردة في زمن غدت فيه الصورة الصامتة والمتحركة هي الناطقة”.

ولفت الأستاذ الجامعي إلى أن “الوسائل الإعلامية الجديدة -على اختلافها ودرجات تطورها- أصبح تأثيرها أكثر من تأثير الأسرة والمدرسة؛ بل صارت هي المتحكم في نمط تفكير الفرد وسلوكه، وهي أقوى الأدوات استعمالاً للتأثير على التشكيل الثقافي والتربوي”.

المغرب يحارب التطرف الديني- (صورة: مواقع التواصل)

وشدد القلالي على أنه “حقيق بذوي الضمائر والنيَّات الحسنة توجيه النشر فيها نحو منافع المجتمع المغربي وتعزيز هويته وانتمائه ودرء مخاطر التطرف عنه، وتصحيح المفاهيم التي تنشرها حسابات وقنوات فردية مؤثرة.”

وأكمل المتحدث بأن “هذا لا يتأتى إلا بالتنسيق بين المتخصصين في الدين والإعلام، برؤى استشرافية توفر لها موارد بشرية ومالية، بقصد بناء قاعدة بيانات قوية وكافية مجيبة عن مختلف الإشكالات”، مسجلاً مثلاً غياب مواقع مغربية متخصصة في الفتوى، وهو فراغ له تأثيره ويحتاج إلى تعاون لتدارك الأمر وتلبية حاجيات المجتمع في الفتوى والاستشارات الشرعية”؛ قبل أن يدعو إلى التجديد وإحياء الإثارة والتشويق لتحقيق الاستمالة والتأثير”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة