الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هكذا غيرت التفجيرات الانتحارية في 2016 “الوجه الإسلامي” لبلجيكا

بعد مرور أكثر من ست سنوات على وقوع الأحداث الدموية التي ضربت عقر بلجيكا في 2016.. انطلقت أكبر محاكمة في هذا البلد الأوروبي

كيوبوست- حسن الأشرف

تعيش بلجيكا هذه الأيام على وقع أكبر محاكمة في تاريخها تتعلق بالتفجيرات الدموية التي ضربت عمق العاصمة بروكسل سنة 2016، وأفضت إلى مصرع 32 شخصاً وإصابة المئات من الأشخاص بجروح وعاهات؛ وما زالوا يعانون تبعات تلك الهجمات نفسياً واجتماعياً.

ويرى مراقبون أن هذه الأحداث الإرهابية التي استهدفت العاصمة البلجيكية غيرت من تعامل هذا البلد الأوروبي مع الجاليات المسلمة المقيمة فيه، وأيضاً التيارات الإسلامية المنتشرة كثيراً في بلجيكا، كما أنها (أي الهجمات الانتحارية لسنة 2016) تندرج ضمن “التمظهرات الإسلاموية هناك؛ سواء أكانت دعوية أم سياسية أم جهادية”.

اقرأ أيضًا: مكافحة التطرف العنيف في بلجيكا: نظرة تحليلية

محاكمة كبرى

بعد مرور أكثر من ست سنوات على وقوع الأحداث الدموية التي ضربت عقر بلجيكا في 2016، انطلقت أكبر محاكمة في هذا البلد الأوروبي؛ لتحديد هوية جميع أطراف القضية، بمن فيهم المتهمون والمحامون الذين يمثلون نحو مئات الأشخاص الذين تضرروا من الهجمات التي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها.

وترتبط محاكمة بروكسل بمحاكمة فرنسا التي تتعلق بهجمات باريس في نوفمبر 2015؛ إذ حكم على ستة من المتهمين في تفجيرات بروكسل بالسجن لمدد تتراوح بين 10 سنوات ومدى الحياة في فرنسا في يونيو، غير أن المحاكمة البلجيكية ستكون مختلفة باعتبار أنه سيتم البت فيها من قِبل هيئة محلفين وليس قضاة.

متورطون في تفجيرات بروكسل

ويمثل أمام المحكمة 9 متهمين؛ من ضمنهم الفرنسي ذو الأصول المغربية صلاح عبدالسلام، وهو العنصر الوحيد الباقي على قيد الحياة في المجموعة الانتحارية التي استهدفت باريس في 2015، بينما المتهم العاشر أسامة عطار، زعيم الخلية، سيُحاكم غيابياً؛ إذ يعتقد أنه قُتل في سوريا.

وأفضى التفجير المزدوج في مطار بروكسل، وتفجير قنبلة ثالثة في مترو المدينة في 22 مارس 2016، إلى مقتل 15 رجلاً و17 امرأة من جنسيات مختلفة، يقيم الكثيرون منهم في بروكسل التي تضم مؤسسات للاتحاد الأوروبي ومقر حلف الشمال الأطلسي.

ضغط مزدوج

إدريس الكنبوري

ويعلق الخبير في الجماعات الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري، على الموضوع بقوله إن هذه المحاكمة بالنسبة إلى بلجيكا هي الأولى من نوعها في قضايا الإرهاب في تاريخ البلاد؛ لأنها ترتبط بأكبر عملية إرهابية حصلت على أراضيها عام 2016.

وأوضح الكنبوري، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن بلجيكا ستكون أمام ضغط مزدوج؛ الأول يتمثل في ضغط عائلات الضحايا الذين يقدر عددهم بنحو 900 شخص، ويطالبون بمحاكمة تكشف الخلفيات الحقيقية للأحداث وأيضاً مسؤولية التقصير الأمني.

اقرأ أيضاً: فلورنس بارغو-بلاكلار: الحديث عن الإسلاموية بات شبه محرم في بلجيكا!

والضغط الثاني، يضيف المحلل ذاته، يتجسد في ضغط فرنسا التي اتهمت بلجيكا أثناء تفجيرات 2015 بعدم التشدد في مراقبة حدودها معها؛ مما جعل المنفذين يتسللون إلى التراب الفرنسي بسهولة، ومنهم صلاح عبدالسلام، الناجي الوحيد بين المنفذين المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة في فرنسا؛ وهو الخيط الرابط بين التفجيرات في فرنسا وبلجيكا.

ولفت الكنبوري إلى أن “بلجيكا تعد من الدول الأوروبية التي لديها عدد كبير من المقاتلين الذين التحقوا بتنظيم داعش الذي يقف خلف تلك التفجيرات؛ وبالتالي فإن المحاكمة ستكون رسالة إلى هؤلاء المقاتلين الذين تطالب عائلاتهم بإعادتهم إلى بلجيكا”.

التوجس من المسلمين في بلجيكا

ويبدو أن بلجيكا قبل أحداث 2016 لم تعد بلجيكا نفسها ما بعد هذا التاريخ؛ حيث تنامى القلق والتوجس الداخلي من تصاعد أعداد المسلمين والتيارات الإسلامية في هذا البلد الذي اعترف بالإسلام ديناً رسمياً منذ أزيد من 48 عاماً.

تعرضت بلجيكا لتفجيرات دموية في 2016

ويتربص كل من اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية في بلجيكا لتحركات الإسلاميين في هذا البلد؛ حيث يجد هؤلاء أنفسهم تحت المراقبة بتهمة أنهم خطر متحرك يهدد الاستقرار والأمن في بلجيكا؛ خصوصاً أن أعدادهم تتزايد حتى باتوا يشكلون زهاء 8 في المئة إلى 10 في المئة من مجمل عدد سكان بلجيكا.

في عام 2018، كشف تقرير دولي أن هناك تزايداً لقلق اليمين المتطرف البلجيكي من تصاعد شعبية حزب “الإسلام” الذي لم يُخف خططه في برنامجه الانتخابي لتحويل بلجيكا إلى دولة إسلامية تطبق في أرجائها الشريعة الإسلامية، وذلك في أفق سنة 2030، كما طالب بالعمل على فصل الرجال عن النساء في وسائل النقل العام.

اقرأ أيضًا: بلجيكا: العلاقة “الوثيقة” مع الإخوان المسلمين تلاحق موظفة حكومية

وفي تصريحات صحفية، أوردت مديرة مركز “أونيا” لمكافحة العنصرية في بروكسيل، إيلس كيتسمان، أن المجتمع البلجيكي تغير بعد هجمات عام 2016؛ إذ تضررت الجاليات المسلمة بشكل أكبر، وكان التلاميذ المسلمون يرفضون الذهاب إلى المدارس؛ خشية التعرض إلى مضايقات عنصرية، بعد تصاعد خطاب الكراهية من قِبل المعلمين وزملائهم من أبناء الديانات الأخرى، كما تم منع الفتيات من ارتداء الحجاب، وفُرضت تضييقات على حصول المسلمين على مساكن وفرص عمل.

مقام الإسلاموية

وفي السياق ذاته، يرى الخبير في دراسات الإسلام السياسي، منتصر حمادة، أن اعتداءات بروكسيل لا تخرج عن سلسلة اعتداءات شهدتها بعض الدول الأوروبية خلال العقد الماضي، من قبيل اعتداءات “شارلي إيبدو” في يناير 2015، وما تلاها، كما تندرج هذه الاعتداءات ضمن تمظهرات الإسلاموية هناك؛ سواء أكانت إسلاموية دعوية أم سياسية أم جهادية، لولا أن الأمر هنا يهم الشق القتالي أو الجهادي من الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مخاوف من تمدد الإسلاميين في بلجيكا بعد قرار قضائي مؤيد للحجاب

منتصر حمادة

واسترسل حمادة، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، بأن هذا المعطى يفرض العمل البحثي على أسباب صعود الظاهرة، وطرح مجموعة من الأسئلة التي ما زالت غائبة بحثياً أو مغيبة من التناول، فمن شأن الخوض فيها فتح أبواب المساءلة عن الأخطاء التي ارتكبت هناك بخصوص مجمل المحددات التي أوصلت الشباب المسلم إلى “مقام الإسلاموية” من جهة، والتورط من جهة ثانية في ارتباك تلك الهجمات.

وَفق المحلل عينه، الأسباب متشابكة؛ منها مسؤولية الحكومات هناك، والنموذج هنا مسؤولية الحكومات البلجيكية، ومنها أيضاً مسؤولية الأنظمة العربية التي سهلت وروجت هذه الأنماط الجديدة من التدين الإسلامي، والتي لا علاقة لها بأنماط التدين الإسلامي السائد سابقاً منذ عقود مضت، وهذا ما خلصت إليه العديد من الدراسات والأبحاث؛ لعل أشهرها في الساحة الأوروبية كتاب “الضواحي التي غزتها الإسلاموية”، وهو عمل جماعي نوعي أشرف عليه الباحث برنارد روجييه، أو الكتاب (الصادر مؤخراً للمتحدث نفسه) حول الحالة الفرنسية بعنوان “المسلمون والإسلاموية في فرنسا”، والذي لا تختلف خلاصاته بخصوص أسباب انتشار الإسلاموية في الساحة عن الأسباب نفسها الخاصة بالساحة البلجيكية.

واستطرد حمادة بأن “تدين مسلمي أوروبا الذي كان يشبه تدين مسلمي المغرب الكبير أو شمال إفريقيا، أضحى هو الآخر حافلاً بوجود التيار الإخواني والتيار السلفي، وجماعة (الدعوة والتبليغ)، وإن كان الهم الدعوي يغلب على هذه الجماعة بخلاف باقي التيارات ضمن جماعات أخرى”، قبل أن يخلص إلى أن “الخوض في هذه القضايا ما زال متواضعاً، ومن باب أولى تواضع المقاربات البحثية النوعية التي تفسِّر بزوغ هذه التيارات والجماعات”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة