الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

هكذا تشن فرنسا “حرباً مقدسة” على “الذئاب الإلكترونية المنفردة”

لا تعتمد فرنسا على كفاءة استخباراتها في إبطال خطر "الجهاديين الإلكترونيين" بل أيضاً على التعاون مع أجهزة استخبارات دول حليفة أخرى على رأسها المغرب

المغرب- حسن الأشرف

فضلا على إغلاق العديد من المساجد والمؤسسات والجمعيات الإسلامية، تواصل السلطات الفرنسية شنَّ حرب ضروس ضد ترويج خطاب الكراهية عبر الإنترنت، وضد ما يسميه الكثيرون “الجهاد الإلكتروني”، وذلك في سياق تنزيل القانون المثير للجدل المعروف بـ”قانون الانفصالية الإسلاموية” الذي يُجرم نشر المحتويات التي تحثُّ على الكراهية، وتدعو إلى الجهاد ضد المصالح الفرنسية والغربية.

ولعل من آخر التدابير التي اتخذتها السلطات الفرنسية، في هذا الصدد، ما قرره وزير الداخلية جيرالد دارمانان، قبل أيامٍ قليلة، بشأن إغلاق موقع “السراط المستقيم” (لافوا دغوات)، بتهمةِ بثِّ “محتوى سلفي يتضمن دعوة صريحة إلى الكراهية والجهاد”.

ويعرض الموقع الإلكتروني المذكور خطباً دينية متشددة يلقيها نشطاء و”مؤثرون” إسلاميون، على رأسهم الإمام إبراهيم أبو طلحة، الذي تم فصله بعد اغتيال أستاذ الجغرافيا والتاريخ صمويل باتي في أكتوبر 2020.

اقرأ أيضًا: في ظل صراع متواصل.. مَن سيمثل الإسلام في فرنسا؟

نجوم “الجهاد الإلكتروني”

وتراهن الدولة الفرنسية على اجتثاث خطاب الكراهية والجهاد عبر مواقع الشبكة العنكبوتية، من خلال نهج سياسة العقاب والتجريم، فقد سبق للعدالة الفرنسية أن حاكمت قبل أشهرٍ خلَت رجلين بتهمة ممارسة “الجهاد الإلكتروني” بالبلاد، عبر ترجمة بيانات صحافية ومقاطع فيديو لفائدة تنظيم داعش الإرهابي.

ولعب أحد الرجلين، وكان يلقِّب نفسه “أبو البراء”، دوراً حاسماً في تجنيد عدد من المؤيدين للتنظيم المتطرف، كما أنه كان على صلةٍ بالجهادي الفرنسي المعروف أدريان غيهال، والذي أذاع باسم “داعش” بيان تبني الهجوم الدموي بمدينة نيس عام 2016.

فاروق بن عباس

ولا ينسى الفرنسيون أحد أشهر “نجوم الجهاد الإلكتروني”، وهو فاروق بن عباس، ذو الجنسية البلجيكية والأصول التونسية، والذي كانت له اليد الطولى في ترويج أفكار وأيديولوجية تنظيم “القاعدة”، من خلال بثِّ فيديوهات وصور وبيانات على الشبكة العنكبوتية.

ورغم دفوعات المحامين بأن ابن عباس لم يرسل مباشرة المقاتلين إلى بؤر التوتر، سوريا والعراق، فإن القضاء الفرنسي حكم في صيف 2018 على هذا “الجهادي الإلكتروني” بأربع سنوات، بتهمة تسيير منتدى “أنصار الحق” الذي كان يعد أكبر موقع جهادي طيلة 5 سنوات بين 2006 و2010.

قانون “الانفصالية الإسلاموية”

وتستند فرنسا إلى القانون الذي أثار جدلاً واسعاً، وهو قانون “الانعزالية أو الانفصالية الإسلامية” في اصطياد “الذئاب المنفردة” التي تتربص وسط خيوط الشبكة العنكبوتية، لبثِّ خطاب الكراهية ونشره أو الترويج للإرهاب ودعمه. ويجرم القانون نشر معلوماتٍ عن الحياة الخاصة أو المهنية التي تهدد حياة الأشخاص، بالسجن إلى حد 3 سنوات. وتزيد العقوبة إذا كان المستهدف مسؤولاً عاماً.

احتجاجات بفرنسا على قانون “الانفصالية الإسلامية”- (وكالات)

ومن آخر التدابير المضادة لخطاب الكراهية والجهاد عبر الإنترنت، ما قضَت به محكمة باريس خلال شهر يناير الجاري، بمطالبة موقع “تويتر” بالكشف عن تفاصيل ما يقوم به من أجل التصدي لخطاب الكراهية عبر الإنترنت في فرنسا، علاوة على تحديد الموارد المالية والبشرية التي استخدمتها المنصة لمكافحة خطاب الكراهية عبر الإنترنت بالبلاد.

وفي السياق تعمل السلطات الفرنسية على تنزيل “وحدة الخطاب الجمهوري المضاد”، وهو عبارة عن وحدةٍ سرية (في ما يشبه كتائب إلكترونية فرنسية خاصة) تشرف عليها وزارة الداخلية، وتضم محللين ومتخصصين في تقنيات وأساليب الإنترنت، بهدف التصدي لخطاب التطرف والجهاد الإلكتروني.

اقرأ أيضاً: فرنسا تكثِّف جهودها لمكافحة التطرف

وتتصدى هذه “الكتائب الإلكترونية” المضادة لخطابات الجهاد والكراهية والعنصرية والتطرف، لما يبثه أنصار تيارات الإسلام السياسي، كما المتطرفون الذين يدعمون أو يروجون لأفكار وخطوات وتحركات التنظيمات الإرهابية خاصة تنظيم “داعش”.

تكيف التنظيمات الجهادية

يؤكد الدكتور إدريس الكنبوري؛ الخبير في الجماعات المتطرفة والشأن الديني، أن الجهاد الإلكتروني أصبح يمثل تحدياً بارزاً بالنسبة للدول التي تواجه الإرهاب العالمي؛ لأنه نقل المعركة من الواقع الملموس إلى الواقع الافتراضي، و”من الأرض إلى السماء”. ويسترسل الكنبوري شارحاً في حديثٍ مع “كيوبوست”، أن هذا الجهاد الإلكتروني يعكس قدرة التنظيمات الجهادية على التكيف واستثمار وسائل التواصل الحديثة المتطورة للتحايل على آليات المراقبة والرصد.

إدريس الكنبوري

ومنذ القضاء على “داعش” قبل ثلاثِ سنوات في العراق، يكمل الخبير، نقل هذا التنظيم معركته بشكلٍ أساسي إلى شبكة الإنترنت التي راهن عليها منذ ظهوره في الاستقطاب وتحديد الأهداف.

ووفق الكنبوري، توجد هناك المئات من المواقع الجهادية المنتشرة على الشبكة والمنتديات؛ وهو ما جعل الجهاد الإلكتروني مجالاً مستقلاً له أدواته وتكتيكاته؛ ما دفع الدول إلى تطوير آليات المواجهة. ولفت الكنبوري إلى أن المغرب طوَّر استراتيجية أمنية التصدي للجهاد الإلكتروني منذ تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003؛ مبرزاً أن “العديد من الخلايا التي تم تفكيكها حتى اليوم جرى رصدها من خلال شبكة الإنترنت عبر العمليات الاستباقية”.

اقرأ أيضًا: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

ولا تعتمد فرنسا على كفاءة استخباراتها وأمنها في إبطال خطر “الجهاديين الإلكترونيين”، بل أيضاً على التعاون مع أجهزة استخبارات دول حليفة أخرى، وعلى رأسها المغرب. ومثال ذلك المعلومات الدقيقة التي أمدَّت بها الاستخبارات المغربية نظيرتها الفرنسية، في أبريل الماضي، جنَّبت فرنسا حمام دم كان يخطط له تنظيم داعش؛ وكان الأمر يتعلق حينها بمواطنةٍ فرنسية ذات أصول مغربية، كانت تُحضر لتفجير كنيسة بفرنسا.

وكانتِ المرأة، وفق ما كشفته المديرية العامة للأمن الوطني، ومراقبة التراب الوطني بالمغرب، بلغت درجة متقدمة من التهيؤِ لمحاكاة عمليات القتل والتمثيل بالجثث التي تقترفها داعش، كانت السيدة تروِّج لها عبر منتدياتٍ إلكترونية “جهادية”.

نجاح استباقي

من جهته، يقول يوسف لهلالي، صحافي ومحلل سياسي مقيم بفرنسا، إن الدولة الفرنسية شرعت في السنوات الأخيرة عدة قوانين لمحاربة الإرهاب خاصة على شبكات الانترنيت لمحاربة الجهاد الإلكتروني. ويتابع لهلالي، في حديثٍ مع “كيوبوست”، بأن فرنسا قامت منذ نوفمبر 2015 تزامناً مع الهجمات الإرهابية التي تعرضت العاصمة باريس وضواحيها، بتعزيز قوانين مكافحة الإرهاب.

اقرأ أيضًا: هجمة أخرى على حرية التعبير في فرنسا

يوسف لهلالي

وجاء آخر هذه القوانين، وفق المتحدث، في سنة 2021، وهو قانون يعزِّز سلطة أجهزة الاستخبارات الفرنسية في مراقبة الأنشطة المتطرفة على الإنترنت، ومراقبة أنشطة بعض الأفراد الذين يشكِّلُون خطراً إرهابياً على مجتمعاتهم.

ويكمل لهلالي شارحاً بأن “هذا القانون الفرنسي لمحاربة الإرهاب الذي صدر السنة الماضية، يمكن الحكومة الفرنسية من مراقبة الأشخاص الذين سبقوا أن اعتقلوا بذمة الإرهاب، وكذلك مراقبة المتطرفين على الشبكات “الجهادية”، وهي قوانين اعتمدتها فرنسا بعد أن لاحظت أن استقطاب الشباب الفرنسي من طرف المنظمات المتطرفة والإرهابية يتم اليوم عبر الإنترنت على الخصوص.

وسجل المتحدث بأن الإطار التشريعي لمحاربة الإرهاب بفرنسا عرف تطوراً منذ ولاية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وتم تعزيزه وتقويته في ولاية الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون.

وذهب لهلالي إلى أنه “منذ آخر قانون، فرنسا لم تتعرض لأي هجمةٍ إرهابية خطيرة، كما وقع في باريس سنة 2015 أو في نيس سنة 2016، أو اغتيال المدرس صامويل باتي سنة 2020، ما يعني أن هذا القانون أعطى نوعاً من النجاح الاستباقي لأجهزة الأمن الفرنسية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة