الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

هشام جعيط .. رحيل المؤرخ الجريء للإسلام

من عباراته الشهيرة: "على المؤرخ المسلم أن يضع بين قوسين قناعاته الدينية عندما يدرس بزوغ الإسلام"

 تونس – فاطمة بدري

اتصلت به مؤخراً، معربةً عن رغبتي في إجراء حوار صحفي معه، رحَّب بذلك وكان في غاية اللطف والتواضع، وحدد موعداً في منزله؛ ولكن حدث أن تعرض إلى وعكة صحية قبل يوم اللقاء المقرر معه دون أن أعلم بذلك. ولهذا توجهت إلى منزله في التاريخ والتوقيت المحددَين، اتصلت به بينما كنت في طريقي إلى بيته، فلم يرد على اتصالي، انتابني القلق؛ ولكنني أكملت وجهتي إلى منزله. بعد دقٍّ طويل بعض الشيء على جرس بيته، نزل ببطء شديد إلى الباب، وكان شاحباً جداً، وقال بصوت خافت إنه مريض، ولا يستطيع الحديث. ارتبكت لرؤيته في وضع صحي صعب، وانسحبت بسرعة بعد أن دعوت له بالشفاء العاجل.

وفي الغد اتصلت لأطمئن على صحته، اعتذر بشدة لأنني قدمت إلى بيته، ولم يتسنَّ لي محاورته، وأعرب عن استعداده للحوار حالما يشفى. أذكر أن صورته تلك ظلت عالقة في ذاكرتي لأيام وأحزنتني بشدة، لم أشأ أن أرى المفكر العظيم هشام جعيط بذلك الضعف، حتى أُذيع نبأ وفاته الثلاثاء الأول من يونيو بعد صراع مع المرض.

رحل جعيط المفكر التونسي الذي غيَّر المقاربة العربية والإسلامية لتاريخ الرسول وفترة صدور الإسلام بشكل جذري، وأخضع التاريخ الإسلامي المكتوب برؤى أسطورية ومحفوف بالطابع القدسي؛ لا سيما المتعلقة بالرسول محمد، إلى العقل والمنطق العلمي، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً يأبى الاندثار. فبأعمال مثل “الفتنة الكبرى.. جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر”، و”نشأة المدينة العربية والإسلامية الكوفة”، و”السيرة النبوية” في ثلاثة أجزاء بين 1999 و2014، و”تأسيس الغرب الإسلامي”، و”أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة” و”الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي”، و”أزمة الثقافة العربية”، و”التفكير في التاريخ، التفكير في الدين”، ضمن جعيط لنفسه مكاناً بين المفكرين الكبار الذين سيبقى أثرهم سارياً على أكثر من صعيد؛ لا سيما أنه قد زاوج بين مشروعَين جدليَّين؛ هما الإسلام المبكر والسيرة النبوية، ونقد واقع الثقافة العربية.

اقرأ أيضاً: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 10: الوجود والزمان.. مارتن هايدجر

حياته ونشأته

ينحدر هشام جعيط، المولود بتونس العاصمة في السادس من شهر ديسمبر سنة 1936، من عائلة برجوازية محافظة؛ فجده الوزير الأكبر يوسف جعيط، ووالده من كبار شيوخ جامع الزيتونة، كان يقدم دروس الفقه وعلوم اللغة. الشيخ المحافظ لم يشأ أن يرتاد ابنه مدرسة تقليدية، كان يريده أن يتعلم الفرنسية كما هي حال أبناء العائلات البرجوازية حينها؛ فأدخله مبكراً المدرسة العصرية المتمثلة في “المدرسة الصادقية” في تلك الفترة حتى سن الثامنة عشرة.

في البداية، كان جعيط منسجماً مع تقاليد عائلته المحافظة؛ لكن مع اقتراب سن العشرين، وبسبب جملة من العوامل؛ أبرزها سفره إلى باريس لمواصلة تعليمه الجامعي، واكتشافه الفلسفة وانهماكه في القراءة لكثيرٍ من الفلاسفة، بدأ الفتى يتمرد على الطابع المحافظ الذي نشأ عليه. لقد شكلت الفلسفة منعرجاً مهماً في مسيرة وحياة المفكر الراحل، حتى إنه وصفها مرة بقوله “كان اكتشاف الفلسفة بالنسبة إليَّ بمثابة الفتح والتجلي”.

هايدغر من الفلاسفة الذين بَهروا جعيط- (صورة وكالات)

التحق هشام جعيط بدار المعلمين العليا بباريس، التي أنجبت أسماء كبيرة في عالم الأدب والفلسفة؛ على غرار ميشال فوكو وجان بول سارتر وريمون آرون.. وغيرهم، وهناك وجد ما ساعده على توسيع معارفه، وتحصل على شهادة التبريز في التاريخ؛ لكن جعيط الذي انبهر بكتب هيغل ونيتشه وهايدغر.. وغيرهم من الفلاسفة، كانت تشده دائرة معرفية أخرى، وهي التاريخ العربي الإسلامي، ومن هنا بدأ مساره؛ مسار حاول من خلاله تغيير الفهم الخاطئ للإسلام والتاريخ الإسلامي، عبر القطع مع القراءات الإيمانية التي تغيب الحقيقة، وتنتج ثقافة إسلامية مأزومة، والتأسيس لقراءات علمية وموضوعية.

انطلقت المسيرة العلمية لهشام جعيط مع أطروحة الدكتوراه التي أعدها في جامعة السوربون، وتطلبت سنوات طويلة من البحث حول “نشأة مدينة الكوفة في القرن الأول الهجري”، بإشراف المستشرق الفرنسي كلود كاهن، والتي تحولت في ما بعد إلى كتابٍ صدر باللغتين الفرنسية والعربية. ورغم أن الكتاب لم يحظَ بما يستحق من الاهتمام لدى صدوره؛ فإن هناك إجماعاً على أنه كتاب مختلف عن مدينة غير عادية، ذلك أنه تجاوز الأسلوب الكلاسيكي السردي في التعاطي مع هذه الموضوعات، وسعى كما قال ناشر الكتاب إلى “إحياء أو قل ترميم الكوفة، أولى الحواضر العربية الكبرى، زمنياً، خارج الجزيرة العربية التي ولدت مع الفتح، وكانت أحد المراكز الحساسة في الإمبراطورية وزالت اليوم من الوجود”.

اقرأ أيضاً: الكافر والبروفيسور.. قصة صداقة صبغت الفكر الحديث

ورغم أهمية هذا الكتاب الذي كان فاتحة أعمال المفكر التونسي الراحل؛ فإن كتاب “الفتنة الكبرى، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر” يعد أحد أبرز مؤلفاته التي أصبحت مرجعاً لمعظم الجامعات، ففي هذا الكتاب أعاد جعيط قراءة تاريخ الفتنة متوقفاً عند الأحداث والروايات والشخوص بالتحليل النقدي الموضوعي، وبغربلة النصوص بطريقة تعكس إلى أي مدى كان متجرداً من انتمائه الأيديولوجي، بينما كان يقوم بأبحاثه تأكيداً لقاعدته التي تقول “على المؤرخ المسلم أن يضع بين قوسين قناعاته الدينية عندما يدرس بزوغ الإسلام؛ فالحقائق الدينية يتناولها بالوصف والتحليل، بالبحث في التأثيرات والتطورات، ويضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعطى الإيماني”. وسعى جعيط لتكريس هذا المنهج أيضاً في حديثه عن الرسول محمد، في السيرة النبوية وغيرها من الكتب الأخرى التي تحتاج إلى مساحاتٍ واسعة للتوقف عندها.

مؤلفات خاضعة للكثير من البحث والموضوعية- (صورة جوجل)

مواقف نقدية

من جهةٍ أخرى، كان لجعيط مواقف نقدية من المستشرقين عبَّر عنها في مناسبات عديدة؛ سواء في كتبه أو في لقاءاته الصحفية، إذ كان يعتقد جازماً أن أغلب المستشرقين؛ خصوصاً الكلاسيكيين، لم يؤلفوا كتباً قيمة عن تاريخ السيرة النبوية وتاريخ الأديان، مشدداً على افتقارها إلى المناهج العلمية؛ حتى إنه قال في أحد تصريحاته إنهم (المستشرقون الكلاسيكيون) “لقد قاموا بدور في ترويج صورة خاطئة عن الإسلام عبر مؤلفات تفتقر إلى الدقة ودون فائدة علمية تُذكر”. ومرد هذه المواقف من المستشرقين إيمانه بأن المسلمين هم الجهة الأنسب والأجدر معرفياً بالحديث عن هذه المسائل من غيرهم. وفي خضم كل هذه البحوث والكتب كان لجعيط حضوره كدكتور في عدة جامعات تونسية وأوروبية وأمريكية.

كما لم تغيبه انشغالاته بالبحوث والكتابات عن الشأن العام؛ إيماناً منه بأن من أدوار المثقف الانخراط بقوة في الشأن العام الوطني وحتى العربي الإسلامي. ولهذا قوبلت مواقفه الجريئة بغضب السلطة أيام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي؛ حيث حوكم بسبب مقال نقدي في مجلة أسبوعية، كما رفضت وزارة التعليم العالي سنة 1995 التمديد له في التدريس، وتأطير طلبة الدراسات العليا في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في تونس؛ بسبب مواقفه من النظام.

اقرأ أيضاً: يوسف الصديق: لم نستطع رفع النص القرآني إلى مجال الفكر والفلسفة

لقد رحل جعيط تاركاً فراغاً كبيراً كذلك الذي تركه مَن سبقوه من المفكرين العرب الكبار، ومثيراً سؤالاً يبعث على الخوف والرهبة: مَن يملأ فراغ هؤلاء الراحلين المتميزين بسعة المعرفة ودقة التحليل وجديته وصرامته وموضوعيته والنقد الجريء والهادف؟ مَن سيكمل مسيرتهم نحو تطوير الفكر العربي وجعله مواكباً للتطورات من حوله؟ تطرح هذه الأسئلة بقوة في هذه الأوقات، ونحن ندرك أن هؤلاء المفكرين لم يتركوا تلاميذ بسعة معارفهم وثقل خبرتهم وعزمهم القوي حتى يطوروا أفكارهم وأبحاثهم.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة