الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هذا هو الجحيم

فشل رئيس الوزراء مودي في القيادة يعمق من أزمة "كوفيد-19" في الهند

كيوبوست- ترجمات

رنا أيوب♦

بين علاج المرضى في وحدة العناية المركزة المخصصة لمرضى “كوفيد-19” في مستشفى ليلافاتي المرموق في مومباي، يظهر باركار بشكلٍ منتظم على شاشات التلفزة ليعطي أخبار الموجة الثانية المدمرة من الوباء التي تقتل آلاف الهنود. وكان هو نفسه قد دخل وحدة العناية المشددة في العام الماضي، وشارف على الموت جراء تعرضه إلى مضاعفاتٍ متعددة بعد إصابته بالفيروس. وهو الآن يعترف أنه بدأ يفقد أعصابه نتيجة ما يتكشف كل يوم. ويقول: “لقد انهار نظامنا الصحي، لقد خذلنا شعبنا. ماذا يستطيع الأطباء أن يفعلوا عندما تكون البنى التحتية في البلاد غير قادرة على استيعاب المصابين، وعندما لا تتوفر الأسرَّة أو أسطوانات الأكسجين في المشافي؟”.

اقرأ أيضاً: لماذا يموت عدد كبير من الأطفال بسببكوفيد-19″ في البرازيل؟

سجلت الهند يوم الجمعة 23 أبريل 332,730 إصابة جديدة، وهو أعلى رقم يسجل في يوم واحد على مستوى العالم. وكانت الهند قد تجاوزت الرقم القياسي العالمي في اليوم السابق أيضاً. سجلت الهند منذ بداية الوباء أكثر من 16 مليون إصابة، وأكثر من 186,000 حالة وفاة. تأتي الهند الآن في المرتبة الثانية من حيث عدد الإصابات بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تقترب منها بشكل سريع بمعدل الإصابات والوفيات الحالي؛ مما يعني -بالنظر إلى عدد السكان الكبير في الهند- أنها ستتجاوز الولايات المتحدة قريباً إذا استمر الوضع على ما هو عليه. يموت كل يوم أكثر من 2000 شخص في الهند بسبب “كوفيد-19″، وفقاً للأرقام الرسمية؛ ولكن الخبراء يعتقدون أن الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير. قال ثلاثة من مسؤولي الصحة العامة، طلبوا عدم الإفصاح عن أسمائهم، إنهم يعتقدون أن عدد الوفيات في الهند قد تجاوز عشرة آلاف وفاة يومياً.

الهند تسجل رقماً عالمياً جديداً في عدد الإصابات اليومي يبلغ 314,000 إصابة- “أسوشييتد برس”

يموت الناس بأعدادٍ متزايدة على مرأى من الجميع. يوم الجمعة الماضي، أطلق مستشفى غانغارام، أكبر مشافي دلهي، نداء استغاثة مفاده أن مخزون الأكسجين عنده لا يكفي لأكثر من ساعتين، وأن خمسة وعشرين مريضاً قد لقوا حتفهم في المستشفى؛ بسبب نقص الأكسجين. وظهرت مقاطع فيديو لأشخاص يسرقون أسطوانات الأكسجين من أجل أقربائهم. وعرضت محطة “بي بي سي” مقطعاً مؤثراً لسيدة تحاول مساعدة شقيقها الذي يحتضر على استعادة وعيه، وتصرخ: “باجالي، لماذا لا تستيقظ؟”، وبينما كنت أكتب هذا المقال وردت أخبار عن وفاة 22 مريضاً في مستشفى في مهاراشترا بعد تسرب الأكسجين من الخزان الرئيسي، وتوقف أجهزة التنفس فيه. قدَّم العديد من المستشفيات في الهند التماساتٍ إلى المحكمة العليا للحصول على إمدادات فورية من الأكسجين. إذا كان هنالك من صورة لنهاية العالم، فستكون هذه الصورة هي مستشفيات الهند.

اقرأ أيضاً: كيف نوقف الجائحة.. مقاربة أفضل لمنظمة الصحة العالمية

على الرغم من هذه الفظائع؛ فإنه لا تزال مناطق عديدة في الهند تعيش واقعاً موازياً لا يشكل فيه “كوفيد-19” تهديداً. يستمر عشرات الآلاف من المصلين الهندوس في التوافد كل يوم إلى نهر الغانج في رحلة الحج. وشارك ملايين المصلين في مهرجان استمر لمدة أسبوع، بدأ بالاستحمام في النهر في 11 مارس، على الرغم من أن الآلاف قد ثبت أنهم يحملون الفيروس بعد حضورهم هذا الاحتفال، وخلال بضعة أيام كانت هنالك 1600 إصابة بين المصلين.

في خضم الموجة الثانية، في مارس نشر قادة الدولة من حزب بهاراتيا جاناتا إعلاناتٍ على صفحات كاملة في الصحف الوطنية تقول للمصلين إن حضوركم سيكون في أجواء “نظيفة” و”آمنة”. وأعلن رئيس وزراء إقليم أوتاراخند، في 20 مارس، أنه: “لن يتم إيقاف أي شخص بسبب (كوفيد-19)؛ لأننا على يقين من أن الإيمان سيتغلب على الخوف من الفيروس”. وتأخر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حتى منتصف أبريل في التغريد بأن المشاركة في الحج يجب أن تكون “رمزية” لمكافحة الجائحة. لذلك لا عجب في أن هذا المهرجان قد أصبح مصدراً لانتشار الفيروس.

محرقة جماعية لجثث المتوفين بسبب “كوفيد-19” في نيودلهي ليل 22 أبريل- “رويترز”

موجة ثانية أشد فتكاً

أنا أكتب عن “كوفيد-19” في الهند منذ مارس 2020، وقد كان الوضع سيئاً من قبل؛ ولكن ما أشهده الآن في هذه الموجة الثانية لا يشبه أي شيء رأيته من قبل.

تعمل الكوادر الطبية فوق طاقتها إلى درجة يصعب تصورها. وعندما زرت مستشفى بافي مومباي الحكومي، يوم الأحد الماضي، رأيت ممرضة تجلس على الدرج، وتضع رأسها بين يدَيها، وقالت لي إنها تعاني الغثيان. ولم يتم تنظيف الحمامات، فقد استسلم عمال النظافة؛ لأنه كان هنالك حمام واحد لكل عشرين مصاباً بـ”كوفيد-19″.

وقالت الممرضة، التي لم ترغب في ذكر اسمها، إنها حالياً تتعافى من إصابتها بالفيروس، رُفض طلبها للحصول على إجازة مرضية ثلاث مرات، وكانت تتمنى أن تستقيل؛ ولكن عائلتها المؤلفة من ستة أفراد كانت تعتمد عليها في معيشتها. قالت لي: “إن هذا هو الجحيم، قُل لي أليس هذا هو الجحيم؟ إنهم يتكلمون عن تقديس الكوادر الطبية؛ ولكنهم تركونا نواجه الموت”.

مستشفيات الهند تعاني نقص الأكسجين.. بينما تسجل أعداد الإصابات أرقاماً قياسية- “فاينانشال تايمز”

وقد زاد نقص الأكسجين من فتك الموجة الثانية؛ فقد كشف تحقيق لموقع “سكرول إن” الإخباري، في الهند، عن أن حكومة البلاد قد انتظرت حتى شهر أكتوبر 2020، أي ثمانية أشهر من بداية الوباء، لطرح عطاءات قيمتها 27 مليون دولار لتركيب أجهزة توليد الأكسجين في أكثر من 150 مستشفى محلياً. وبعد ستة أشهر لا يزال معظمها غير جاهز للخدمة. أصدرت المشافي في ولايات هاريانا ومهاراشترا وغوجارات، نداءات استغاثة لطلب إمدادها بالأكسجين بالسرعة القصوى. وتوفي مريضان في مستشفى في ولاية غوجارات، بسبب نقص الأكسجين يوم الأربعاء الماضي.

والآن تتنازع الولايات في ما بينها للحصول على إمدادات الأكسجين، واتهم أنيل فيج، أحد وزراء ولاية هاريانا، حكومة دلهي المجاورة بسرقة أسطوانات الأكسجين من شاحنة كانت في طريقها إلى هاريانا. وقال فيج لصحيفة “إيكونوميك تامز” إنه طالب بحماية الشرطة لشاحنات الأكسجين؛ كي لا تسرقها ولايات أخرى.

اقرأ أيضاً: ما الأضرار النفسية للعزل الاجتماعي في زمن الكورونا؟

ربما نتساءل أيضاً عن عدد الوفيات الذي تحاول الحكومة إخفاءه؛ ففي ولاية أوتار براديش التقطت صور لعمال وهم يغطون محرقة الجثث بألواح الصفيح. اتهمت بريانكا غاندي، من حزب المؤتمر الوطني المعارض، السلطات المحلية بإخفاء الحقيقة. وفي ولاية غوجارات، مسقط رأس رئيس الوزراء، تعمل محارق الجثث على مدى 24 ساعة، بينما ترفض الولاية الاعتراف بأعداد الوفيات. وطالبت المحكمة العليا في غوجارات حكومة الولاية بالكشف عن العدد الدقيق للمصابين بـ”كوفيد-19″ وعدد الوفيات.

وفي ولاياتٍ أخرى لا يمكن الاعتماد على بيانات وفيات “كوفيد-19” في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال تكون هذه البيانات ملفقة للتغطية على حجم الكارثة. على سبيل المثال، في إحدى محارق ولاية ماديا براديش، تم إحراق 94 جثة في يوم واحد؛ ولكن البيانات الحكومية أظهرت فقط ثلاثة وفيات في ذلك اليوم وفقاً لصحيفة “تايمز ناو”؛ ولكن مع ازدياد أعداد الجثث في المحارق والمشارح تتراجع قدرة الحكومات على إخفاء الحقيقة أو تلفيق الروايات بأن كل شيء على ما يرام في الهند.

مواطنون يقومون بدفن ضحايا “كوفيد-19” في مقبرة في نيودلهي في 16 أبريل- “رويترز”

المسؤولية تقع على القمة

هذا الأسبوع، وفي الوقت الذي صرحت فيه الهند عن أعلى عدد من الإصابات اليومية على مستوى العالم، نشر حزب بهراتيا جاناتا مقطع فيديو لأحد التجمعات الانتخابية لرئيس الوزراء مودي. (تقيم خمس ولايات في الهند انتخابات خلال شهر مايو). وظهر إلى جانب مودي وزير داخليته المقرب أميت شاه. من الناحية النظرية، يفترض أن يكون شاه موجوداً في العاصمة للتنسيق مع حكومات عدد من الولايات حول كيفية التعاطي مع الارتفاع المدمر في أعداد المصابين بفيروس “كوفيد-19″، خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ ولكنه بدلاً من ذلك كان يقوم بجولات ترويجية انتخابية مع الحشود المبتهجة في شوارع شرقي الهند، وكان يبث مقاطع فيديو لهذه الجولات على حساباته في “تويتر” و”فيسبوك”، بينما كانت هذه المواقع تغص بمقاطع لأشخاص يتوسلون للحصول على المساعدة الطبية.. وبينما كان الآلاف يموتون، كان رئيس وزرائنا ووزير داخليتنا يشيحان بنظرهما، ويتابعان حملتهما الانتخابية. (وبعد انتقادات كثيرة هذا الأسبوع أعلن مودي أخيراً أنه سوف يلغي مسيرات غرب البنغال التي كانت مقررة يوم الجمعة الماضي لعقد اجتماعات لإدارة أزمة “كوفيد-19” مع وزراء الدولة بدلاً من ذلك).

تقع مسؤولية عجز الهند عن مواجهة الموجة الثانية من الجائحة على عاتق نظام الرجل القوي الذي تجاهل كل التحذيرات.

يقول مسؤولو الجمعية الطبية الهندية إن رئيس الوزراء مودي أسهم في انتشار الفيروس- “ذا ويك”

وتقع على عاتق الوزراء المتملقين الذين أشادوا بطريقة تعامل مودي مع الجائحة في الهند حتى عندما تراجعت وتيرة الاختبارات، وسُمح للناس بالتساهل بشأن الوقاية من الفيروس.

اقرأ أيضاً: جائحة كورونا والاقتراب من الموت في مستشفيات دلهي

كما تقع المسؤولية أيضاً على أبناء الطبقة الوسطى الذين يحتفلون ويشعلون الشموع احتفالاً بنجاحات مودي، وتكريماً له على نجاح إجراءات الإغلاق العشوائية، بينما فقد العمال المهاجرون وظائفهم واضطروا إلى مغادرة المدن. وفي حين استخدم الأغنياء نفوذهم لحجز أماكن لهم في المستشفيات، فهم لم يقدموا أية مساعدات مالية لموظفيهم.

ويتحمل المسؤولية وزراء الولايات الذين يفضلون ممارسة لعبة السلطة على الحكم الفعلي، والذين كانوا يغطون في نومهم؛ بينما كان الفيروس يهاجم من جديد. فمع ازدياد أعداد الإصابات في ولاية مهاراشترا، كان حزب بهاراتيا جاناتا وحزب شيف سينا الحاكم منهمكَين في مواجهةٍ بينهما للسيطرة على حكومة الولاية.

ولكن وقبل كل شيء تقع المسؤولية على ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند الذي يطلق على نفسه تسمية خادم مليار وثلاثمئة مليون هندي، والذي تخلى عن مسؤولياته بطريقة إجرامية.

منذ يناير، دأب مودي على تنظيم تجمعات سياسية حاشدة في العديد من الولايات، وسمح بإقامة التجمعات الدينية؛ مثل كومبه ميلا، بينما استمر حزبه في حملته المسعورة ضد الأقليات الهندية. وحذرت حملته الانتخابية في غرب البنغال الهندوس من تعرضهم إلى تهديد المهاجرين المسلمين من الولايات المجاورة، واتهم وزير داخليته أميت شاه، رئيسَ وزراء البنغال بإرضاء مصالح المسلمين.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا.. متى نستطيع التوقف عن استعمال الكمامة؟

وأصبحت عملية توزيع اللقاحات عبارة عن حملة دعاية انتخابية لصالح مودي، ففي مارس قامت مجموعة كندية هندية برعاية لوحاتٍ إعلانية في كندا تشكر مودي على تصدير اللقاحات المصنوعة في الهند إلى الخارج، بينما كان الكثير من الهنود قلقين بشأن فعاليتها وآثارها الجانبية.

ولم يبذل الخطيب المفوه سوى القليل من الجهد لإيصال رسالة إلى المواطنين لتشجيعهم على أخذ اللقاح أو لدحض الشائعات التي تحيط به. في المناطق الريفية -حيث يعيش أكثر من 65% من الهنود- يشكك كثيرون باللقاح، ويتم تداول الكثير من المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يفعل رئيس الوزراء مودي الكثير لتعزيز رسائل الصحة العامة.

في غرب البنغال، حيث كان مودي نفسه يقيم تجمعاتٍ انتخابية، دعا رئيس حزب بهاراتيا جاناتا في الإقليم إلى شرب بول البقر لعلاج كوفيد-19. كتب فيجاي تشوثايوالي؛ المسؤول عن قسم العلاقات الخارجية في حزب بهاراتيا جاناتا مقالاً اتهم فيه الاقتصاديين والخبراء بأنهم جزء من “المحور المناهض لمودي”، وشجع الهنود على عدم رفض العلاجات الشعبية، بما فيها بول البقر والكركم من أجل تعزيز الجهاز المناعي.

ومع تباطؤ عملية توزيع اللقاح، لم يكن هنالك من جهود أو تنسيق مع الولايات، بل انغمست حكومة مودي في لعبة إلقاء اللوم على الوزراء الذين ينتمون لأحزاب المعارضة. وعندما أغلقت ولايات مثل مهاراشترا، التي تعاني من أكبر أعداد من الإصابات، معظم مراكز إعطاء اللقاح فيها بسبب عدم توفر الجرعات تأخرت الحكومة كثيراً في التدخل. وبينما حث علماء الأوبئة والمختصين وزعماء المعارضة مودي على الموافقة على اللقاحات الأجنبية فقد تأخرت الموافقة على الاستخدام الطارئ للقاح سبوتنيك 5 الروسي إلى الأسبوع الثاني من أبريل.

اقرأ أيضاً: الجوع.. الوجه الآخر لفتك فيروس كورونا

هذه لحظة تحتاج فيها البلاد إلى إجاباتٍ. ومع ذلك، ففي 20 أبريل عندما خاطب مودي الأمة بشأن الأزمة المتفاقمة، حذر الولايات من أن الإغلاق العام يجب أن يُنظر إليه على أنه الملاذ الأخير، وطلب من الشباب أن يشكلوا لجاناً للتأكد من تطبيق بروتوكولات الوقاية من كوفيد-19. وغرد على حسابه على تويتر بمناسبة احتفال رام نافامي أنه يجب على الناس متابعة رسالة الإله رام، إله الحماية الهندوسي، واتباع السلوك القويم.

وقد لاقى هذا الخطاب استجابة فاترة، حيث لم يقدم رئيس الوزراء أية إغاثة فورية للبلاد. وعبّر كثير من الهنود عن رأيهم بأن رئيس الوزراء قد فشل في تحمل مسؤوليته، وانتشر وسم “#نحن لا نستطيع أن نتنفس”، ليتصدر منصة تويتر في الهند.

في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الهند، تُرك الهنود ليتدبروا أمورهم بأنفسهم.

♦صحفية هندية ومؤلفة كتاب «ملفات غوجارات: تشريح التغطية»

المصدر: صحيفة التايم

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة