الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

هجوم الحوثيين على ميناء الضبة في حضرموت.. الأسباب والتداعيات

لم يتسبب الهجوم في أي أضرار بالسفينة أو طاقمها أو الميناء.. إلا أنه يعد تطوراً خطيراً في الحرب المستمرة منذ ثمانية أعوام

كيوبوست

شنت طائرات مسيرة أطلقها المتمردون الحوثيون في اليمن هجوماً على ميناء الضبة النفطي في محافظة حضرموت، جنوب شرق اليمن. ووصف الحوثيون الهجوم بأنه “تحذيري” ويهدف إلى إيقاف “نهب الثروة السيادية”، حسب وصفهم.

لم يتسبب الهجوم في أي أضرار بالسفينة أو طاقمها أو الميناء؛ إلا أنه يعد تطوراً خطيراً في الحرب المستمرة منذ ثمانية أعوام. فبالإضافة إلى استهداف بنية تحتية مهمة في البلاد، فإن الحادث يعد من الهجمات النادرة في المحافظة التي تعتبر مثالاً على الأمن والاستقرار والبعد عن الصراع.

نددت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بالهجوم، وقالت إن “جميع الخيارات مفتوحة للتعامل مع هذا العمل الإرهابي”، وحذرت من أنه قد يؤثر سلباً على أية محادثات سلام أخرى.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

وقالت الحكومة أيضاً إن الغارة، التي حدثت يوم الجمعة، هي الثالثة من نوعها مؤخراً؛ حيث استهدف الحوثيون سفناً أخرى يومَي الثلاثاء والأربعاء في ميناء رضوم في محافظة شبوة المجاورة، على خليج عدن. وناقش وزير الخارجية اليمني تطورات الأحداث وتداعيات الهجوم مع المبعوث الأممي إلى اليمن والمبعوث الأمريكي والسفير الفرنسي.

عادة ما يؤدي طول الصراع في بلد ما إلى زيادة احتمال استهداف البنية التحتية الرئيسية من قِبل المتمردين. وقد يكون لهذا تأثير سلبي كبير على اقتصاد البلاد، ويمكن أن يطيل الصراع أكثر.

مقاتلون حوثيون- “جيتي إمجس”

عواقب استهداف البنية الاقتصادية

في عام 2002م تعرضت ناقلة النفط الفرنسية “ليمبورغ” إلى هجوم إرهابي تبناه تنظيم القاعدة؛ حدث الهجوم أثناء استعداد الناقلة للرسو في ميناء الضبة النفطي، وهو الميناء ذاته الذي حدث فيه الهجوم الحوثي مؤخراً. أدى حادث سنة 2002 إلى مقتل أحد أفراد الطاقم، وتسرب نفطي أحدث تلوثاً عانته سواحل البحر العربي وخليج عدن لفترة طويلة.

تُحدث الهجمات الإرهابية على المرافق الاقتصادية الحيوية وطرق الشحن البحري أضراراً هائلة على الاقتصاد المحلي والعالمي على السواء. يمكن أن تؤدي هجمات مماثلة إلى رفع أسعار الوقود والنقل؛ نتيجة تعرقل الشحنات وزيادة تكاليف التأمين على النقل البحري. يؤدي هذا إلى ارتفاع الأسعار في الدولة المتأثرة بنشاط المتمردين أو الجماعات الإرهابية نفسها.

من جانب آخر، يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار إلى توقف العمل بالمنشآت وحرمات الدولة من موارد حيوية.

أدى الصراع وعدم الاستقرار في اليمن مثلاً إلى توقف منشأة بلحاف الغازية في محافظة شبوة، وهو المشروع الاستثماري الأكبر في تاريخ اليمن الحديث، وكان يُأمل أن يُسهم بشكل حاسم في التنمية الاقتصادية للبلاد.

اقرأ أيضاً: هل الحوثيون مستعدون لتقديم تنازلات في اليمن؟

لما تُستهدف البنية الاقتصادية؟

يعتمد نوع الأهداف التي يختارها المتمردون والإرهابيون على أهدافهم الاستراتيجية؛ إذا كان الهدف هو الإطاحة بالحكومة، فمن المحتمل أن يستهدفوا المباني الحكومية والمسؤولين؛ هذا ما حدث في بداية نشوب تمرد الحوثيين. وإذا كان الهدف هو لفت الانتباه إلى قضيتهم، فسيستهدفون رموز الحكومة أو المجتمع؛ هذا ما حدث أيضاً عندما تم استهداف وفد الحكومة اليمنية في مطار عدن في عام 2020.

أما إذا كان الهدف هو تعطيل الاقتصاد؛ فسيستهدفون الشركات والبنية التحتية.

تخبرنا بعض الأنماط العامة لحالات تمرد سابقة أنه عندما تشعر المجموعة المتمردة باليأس، أو المحاصرة؛ فإنها تميل إلى الاعتقاد بأن مهاجمة الأهداف الاقتصادية ستكون وسيلة لإجبار الحكومة على الرضوخ لمطالبها؛ كان أحد أبرز أسباب فشل محاولة تمديد الهدنة مؤخراً في اليمن هو إصرار المتمردين الحوثيين على أن تدفع الحكومة الشرعية رواتب الموظفين في مناطق سيطرة المتمردين، بما في ذلك الجيش والأمن.

بالإضافة إلى محاولة إجبار الحكومات على الرضوخ لمطالب المتمردين والجماعات الإرهابية، فإن الجماعات الإرهابية والمتمردة، في كثير من الحالات، تعتقد أن استهداف البنية التحتية والاقتصادية سيؤدي إلى انتشار الفوضى والاضطراب الذي سيساعدها على تحقيق أهدافها، وتقويض استقرار البلاد، كما يمكن أن ترى في مثل هذا الاستهداف وسيلة لتحقيق انتصار رمزي على عدوها.

ناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ- أرشيف

لماذا حضرموت وشبوة؟

استهدفت الهجمات الأخيرة بنى تحتية في شبوة وحضرموت. عرفت محافظة شبوة خلال السنوات الأخيرة صراعاً دامياً بين الحوثيين والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة من جهة، والقوات المتحالفة مع الحكومة الشرعية، والمدعومة من قِبل التحالف العربي، من جهة أخرى. أدى الصراع في النهاية إلى تقويض سيطرة ووجود التنظيمات الإرهابية والجماعات المتمردة؛ وهو ما لا يخدم الحوثيين، ولا الإخوان المسلمين أو “القاعدة”.

اقرأ أيضاً: تجدد نشاط “القاعدة” في جنوب اليمن.. هل من دور لحزب الإصلاح؟

من جانب آخر، عُرفت محافظة حضرموت كأكثر المناطق أمناً واستقراراً في اليمن؛ نظراً لبُعدها عن مناطق الصراع وطبيعة أهلها المسالمة. لكن المحافظة تشهد منذ أشهر تحركات مختلفة وصراعاً بين القوى الموالية للإخوان المسلمين، المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، والقوى الموالية للحكومة الشرعية والتحالف العربي، مع ظهور دعوات أخرى إلى استقلال المحافظة وإبعادها عن التيارات السياسية.

في خضم هذا الصراع، يشعر الإخوان المسلمون بحتمية سحب البساط من تحتهم وانتهاء ما تبقى من تأثير لهم. لذلك، وفقاً لمراقبين، فإن استهداف استقرار وأمن محافظات مثل حضرموت وشبوة في سياق التطورات الأخيرة ربما يوحد أهداف الحوثيين مع “الإخوان” و”القاعدة”؛ الأمر الذي يضع الحكومة الشرعية في اختبار حاسم.

ليست مجرد موارد مالية

وصف المتمردون الحوثيون الهجومَ على ميناء الضبة النفطي بأنه “ضربة تحذيرية بسيطة؛ وذلك لمنع سفينة نفطية كانت تحاول نهب النفط الخام”. وأضاف الحوثيون: ” هذه الرسالة التحذيرية أتت منعاً لاستمرار عمليات النهب الواسعة للثروة النفطية وعدم تخصيصها لخدمة أبناء الشعب في ما يخص مرتبات موظفيه وتحسين الجوانب الخدمية له”.

منشأة بلحاف الغازية.. شبوة- AFP

يتيح حصول المتمردين على المزيد من الموارد المالية قدرة أكبر على تمويل عملياتهم، كما أن الانخراط في التجارة الدولية يمنحهم فرصة أكبر لاكتساب الاعتراف الدولي بقضيتهم؛ الأمر الذي يجعل قدرة الحوثيين على الدخول في نشاط تجارة النفط في البلاد أكبر من مجرد ازدراء الحكومة الشرعية أو الحصول على الموارد.

وكما هو واضح من بيان المتمردين ومفاوضاتهم السابقة حول شروط الهدنة، فإن منح الحوثيين جزءاً من إيرادات النفط يجعل هذا النشاط التجاري “شرعياً” ومنعه يجعله “نهباً للثروة السيادية” من وجهة نظرهم. اتفاق من هذا النوع لا يجعل تجارة النفط “شرعية” فقط، من وجهة نظر الحوثيين؛ بل يمنح الحوثيين الشرعية أيضاً، وهو معضلة أساسية في مفاوضات تمديد الهدنة.

كيف يمكن التعامل مع الموقف؟

هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي يمكن للحكومة أن تتعامل بها مع المتمردين الذين يضربون الهيكل الاقتصادي للبلاد. يمكن للحكومة التفاوض مع المتمردين، أو تدميرهم عسكرياً؛ لكل خيار من هذه الخيارات مزاياه وعيوبه. قد يكون التفاوض مع المتمردين صعباً واتفاقاته عرضة للنكوص من قِبلهم؛ لكنه يقدم حلاً سلمياً. كما قد يؤدي العمل العسكري إلى زيادة التطرف؛ لكنه، إذا كان ناجحاً، يمكنه إزالة التهديد الذي تشكله المجموعة المتمردة بشكل دائم.

اقرأ أيضاً: اشتباكات شبوة.. هل حانت نهاية الإخوان في اليمن؟

يمكن أن يؤدي مسار الأحداث الحالي إلى تصاعد العنف في البلاد، ما لم يتدخل طرف ثالث لإنجاح المفاوضات والوصول إلى اتفاق سلام ما. ويمكن أن يؤدي تعطيل النشاط الاقتصادي النفطي الذي تعتمد عليه الحكومة الشرعية إلى أضرار اقتصادية وتنموية ستكون الأعنف منذ بدء الأزمة.

وعلى الرغم من أهمية العمل على جميع المسارات، الدبلوماسية والعسكرية؛ فإنه من المهم جداً أن يساعد المجتمع الدولي اليمن على تعزيز الأمن في مواقع البنية التحتية الحيوية، وزيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية لإحباط الهجمات المستقبلية التي تعرقل مستقبل السلام والنمو الاقتصادي في آن واحد، في بلد يشهد بالفعل أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة