الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

هجمة أخرى على حرية التعبير في فرنسا

كيوبوست – ترجمات

نيكولا هنين♦

شهدت فرنسا هجومًا مُعدًّا بعناية، اختتم أسبوعًا محمومًا من التنمر عبر الإنترنت. وكان الضحية هو صامويل باتي، البالغ من العمر 47 عامًا، الذي قُطعت رأسه يوم الجمعة 16 أكتوبر بينما كان يغادر مدرسته الثانوية في كونفلان سانت أونورين، غرب باريس. اسم الإرهابي هو عبدالله أبو يزيدوفيتش أنزوروف، وهو لاجئ من أصل شيشاني ولد في موسكو قبل 18 عامًا. الجدير بالذكر أنه حدثت ضجة حول باتي بعد أن عرض المدرس على تلاميذه رسومًا كاريكاتورية للنبي محمد (ص)، خلال حصة دراسية عن حرية التعبير. وقد سبق ونُشرت الرسوم في مجلة شارلي إيبدو الأسبوعية الساخرة التي تعرّضت هي نفسها لهجوم في يناير 2015 من قبل جهاديين، أسفر عن مقتل طاقم التحرير.

المدرس الفرنسي صامويل باتي – وكالات

في الأيام التي تلَت الحصة الدراسية، ظهرت العديد من المشاركات ومقاطع الفيديو على موقع يوتيوب، تدّعي أن المدرس طلب من التلاميذ المسلمين “تسمية أنفسهم ومغادرة الفصل الدراسي” قبل عرض “الصور المسيئة”، وأن المدرس أوقف تلميذًا عن الدراسة لمدة يومين بسبب احتجاجه. وقد قام أحد أولياء الأمور بتصوير الفيديو ونشره، واصفًا باتي بأنه “بلطجي”، وداعيًا إياه أن “يتوقف” عن ذلك.

وفي مؤتمر صحفي، قال المدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب: “من الواضح الآن أنه تم اختيار المدرس كهدف على شبكات التواصل الاجتماعي من خلال عمليات التلاعب وإعادة تفسير الحقائق”. وسمى القاضي اثنين من الجناة الرئيسيين: الأب الذي أشعل الجدل، ويُدعى إبراهيم س.، وناشط إسلاموي يُدعى عبدالحكيم صفريوي. وقد قدّم الأب شكوى ضد مدرس التاريخ والجغرافيا يتهمه فيها “بنشر صور مسيئة”، وفي المقابل، قدم المعلم شكوى يتهم الأول فيها بالتشهير العام به. وقد كتب جهاز الاستخبارات الإقليمي، المسؤول عن التهديدات الإرهابية الطفيفة، مذكرة عن الحادث، ولكن لم تُتَّخذ تدابير وقائية خاصة.

اقرأ أيضًا: لماذا يبدو من الصعب على فرنسا طرد المتطرفين الإسلاميين؟

وكشفت التحريات أن الإرهابي أجرى مكالمات هاتفية عدة مع والد الطالب الذي تسبب في إثارة المضايقات المتبادلة. ولكن عندما وصل القاتل أمام المدرسة في وقتٍ متأخر من بعد ظهر يوم الجمعة، لم يكن يعرف سوى اسم المدرس، فاضطر إلى طلب مساعدة تلميذين يبلغان من العمر 14 و15 عامًا للتعرف عليه. وأشار التلميذان على المدرس في مقابل الحصول على “300 أو 350 يورو”. والآن، تجري محاكمة التلميذين بتهمة التواطؤ رغم زعمهما أن الإرهابي أخبرهما بأنه “كان ينوي فقط تصوير المدرس، لإجباره على طلب الصفح عن الرسوم الكاريكاتورية للنبي، ولإذلاله، وليس قتله”، وفقًا لقاضي مكافحة الإرهاب.

عبدالحكيم الصفريوي- وكالات

تفاصيل محرجة لأجهزة مكافحة الإرهاب

لم يكن عبدالله أنزوروف معروفًا ولا مدرجًا على قوائم الأشخاص الخطرين. ومع ذلك، يعود تطرفه إلى ما قبل عام تقريبًا، ولم يكن حريصاً على التخفي بشكل خاص. فلقد أظهر تحليلٌ لحساب تويتر، الذي أعلن من خلاله عن مسؤوليته عن فعلته، مئات المنشورات الخبيثة للغاية، وأنه تم الإبلاغ عن العديد منها لكل من تويتر والمنصة التي أنشأتها الشرطة، التي تعرف اختصارًا باسم (PHAROS). وأظهرت التحقيقات الأولية التي أجرتها المديرية الفرعية لمكافحة الإرهاب والمديرية العامة للأمن الداخلي دعوته أفراد عائلته للالتزام الديني، ورفضه التعامل مع النساء، وكتابة رسائل تمجد الجهاد، بل واتصالات بالمتشددين في سوريا. وفي هذا الصدد، ذكرت صحيفة “لو باريزيان” التي كانت على اطلاع على وثائق التحقيق أنه “على الرغم من هذه المؤشرات، فإن الشيشاني البالغ من العمر 18 عامًا من بلدية إفرو (إقليم إيرو) ظل بعيدًا عن مراقبة أجهزة الاستخبارات، فلم يكن مدرجًا على قوائم تهديدات أمن الدولة، كما أنه لم يكن تحت المراقبة”.

تجدر الإشارة إلى أن حساب عبدالله على تويتر [email protected]، الذي أُنشئ في يونيو الماضي، هو أيضًا معادٍ للصوفيين وجميع الذين لا يشاطرونه رؤيته للإسلام، التي يُعرِّفها بأنها سلفية. ويركز انتقاداته على نظام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعلى رئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف، لكنه يدافع عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحركة طالبان الأفغانية.

عبدالله أنزوروف – وكالات

ويشير الحساب إلى أن خطوات أنزوروف نحو التطرف قد تسارعت فجأة في 25 سبتمبر الماضي. ففي ذلك اليوم، ذهب طالب لجوء باكستاني إلى المقر السابق لمجلة شارلي إيبدو، الذي انتقل منذ هجوم 2015. ولم يجد مكاتب الصحيفة، فأصاب اثنين من الصحفيين بجروح خطيرة من وكالة أنباء قريبة قبل إلقاء القبض عليه. ومنذ ذلك الحين، حاول عبدالله، استخدام حسابه المفتوح على تويتر، للحصول على عناوين ثلاثة أشخاص يعتقد أنهم مذنبون بالإساءة إلى النبي، لكنه لم ينجح في مبتغاه. ثم أصبح باتي، المدرس من كونفلان، الشخص الرابع الذي يبحث عنه.

واعتبارًا من 11 أكتوبر، توقف عن نشر أي شيء، بل ومحا جميع رسائله، باستثناء مقطعي فيديو لأناشيد شيشانية. وغيّر صفحته الشخصية على تويتر ليوضح أنه يريد نيل الشهادة في سبيل الله. ثم ظل الحساب خاملًا حتى بعد دقائق من الهجوم، عندما نشر صورة لرأس ضحيته.

 اقرأ أيضاً: إشكالات الإرهاب المتجددة في فرنسا

كان رد الفعل في فرنسا حادًا وأشعل نقاشات كانت ساخنة بالفعل حول مفهوم العلمانية. وأعلن وزير الداخلية عن قرب طرد “231 أجنبيًا ليس لديهم وثائق جنسية ويجري رصدهم للاشتباه في تطرفهم”، لكن هذا الإعلان كان بالأساس إعلانًا سياسيًّا لأن معظم هذه الإجراءات قد بدأت منذ فترة طويلة، وتأخرت بسبب أزمة وباء كورونا. وتمثل جانب آخر لرد الفعل الفرنسي في حلّ الجمعيات. فلقد أعلن مجلس الوزراء حل جمعية الشيخ ياسين، وهي منظمة موالية لحركة حماس اعتُبرت “مرتبطة بهجوم الجمعة الماضي” ومعقل “أيديولوجية معادية للجمهورية وتنشر الكراهية”، على حد تعبير المتحدث باسم الحكومة الفرنسية جابريل أتال.

قدم الفرنسيون باقات الزهور لتكريم صامويل باتي – وكالات

كما دعا وزير الداخلية إلى حلّ جمعيات مثل “جمعية مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا”، التي توصف بأنها “عدو الجمهورية” ومنظمة “بركة سيتي” التابعة للسلفيين. وقد دُعيت وزارة المالية إلى التحقق، من خلال عمليات التدقيق الضريبية، من مصدر تمويل 51 جمعية تعتبر مشبوهة. وأعلن رئيس الجمهورية استعداده لخوض “معركة أمنية وتعليمية وثقافية ودائمة” ضد “الإسلام السياسي”.

كما وقعت أعمال تمثِّل خروجًا عن القانون، ولا سيما استهداف امرأتين مسلمتين محجبتين بالقرب من برج إيفل، ويبدو أنها ذات دوافع عنصرية وفقًا للنتائج الأولية التي توصلت إليها الشرطة. علاوة على ذلك، تعرّض مسجد في بوردو للتشويه ولتكسير نوافذه، وتلقى مسجد في بيزييه تهديدات عبر فيسبوك. ومن جهته، طلب وزير الداخلية الفرنسي على تويتر “أن يقوم المسؤولون في الإدارات المعنية بحماية أماكن العبادة.. مثل هذه الأعمال غير مقبولة في الجمهورية” الفرنسية.

اقرأ أيضًا: بين صموئيل وصوفي.. فرنسا تقف حائرة أمام التعامل مع الانفصالية الإسلامية

وفي 21 أكتوبر، تم تأبين المدرس المغدور في ساحة جامعة السوربون المرموقة. وألقى الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي جسّد انفعال الأمة، كلمة شجب فيها “الجبناء” الذين سلموا باتي “إلى البرابرة”. وقال ماكرون إن باتي كان “أحد الأساتذة الذين لا ننساهم”، والشخص الذي “يُظهر عظمة الفكر، ويعلِّم الاحترام، ويُظهر ما تعنيه الحضارة”. وأعاد الرئيس الفرنسي التذكير بأن فرنسا لن تتخلى عن “الرسوم الكاريكاتورية والرسوم”. وأضاف مخاطباً باتي: “سنواصل هذه المعركة من أجل الحرية، معركة أصبحت أنت الآن وجهها”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦مستشار ومدرب مكافحة الإرهاب والتطرف.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة