شؤون عربية

هجرة الجزائريين إلى إسبانيا: حلم الرفاهية يتحطم على أسوار بلاد الأندلس

آمال الجزائريين بالرفاهية تتحطم على أبواب "الحمراء"

كيو بوست – إسبانيا – علي ياحي 

بعد مغامرة محفوفة بالمخاطر في عرض البحر الأبيض المتوسط، في سبيل الوصول إلى السواحل الأوروبية، وعقب النجاح في الإفلات من قبضة وحدات خفر السواحل، يجد المهاجرون الجزائريون (غير الشرعيين) أنفسهم في مواجهة الحقيقة المرة، يجابهون الحياة بلا عمل أو سكن أو مال في إسبانيا، لتتبدد أحلامهم بنهاية رحلة البحر، وتبدأ رحلة جديدة من المتاعب.

كان حلمهم الوصول إلى الأراضي الأوروبية لبدء حياة جديدة وبناء مستقبلهم، شباب ونساء وعائلات بأكملها، اختاروا المخاطرة بحياتهم عبر ركوب قوارب صيد مهترئة، وشق أمواج المتوسط، فارين من بلدانهم الإفريقية التي تعاني المشاكل والأزمات، بحثًا عن مستقبل أفضل، لكن الواقع الذي اصطدموا به لدى وصولهم إلى إسبانيا، جعل حلمهم يتحول إلى كابوس ومعاناة لا تنتهي.

“سعيد بن رقية”، رئيس الاتحاد العام للجزائريين بالمهجر، الكائن مقره بفلونسيا الإسبانية، يقول في حديث خاص لـ”كيو بوست”: “إن أوروبا ليست جنة كما يتصورها المهاجرون، بل هي معاناة لا تنتهي بسبب صعوبة الحصول على وثائق إقامة”، متهمًا شبكات الاتجار بالبشر بتشجيع الهجرة السرية عبر البحر، مشيرًا إلى أن أبرز المخاطر التي يواجهها المهاجرون غير الشرعيين هي الموت في البحر، أو التعرض للاعتقال في دول أوروبية، أما الذين ينجحون في الوصول، فمعاناتهم لا تنتهي، سواء مع السلطات الإسبانية أو مع الحياة الأوروبية الصعبة التي لا ترحم، على حدّ تعبيره.

سعيد بن رقية

تبين تقارير وثقتها الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان وفاة العشرات كل عام من المهاجرين غير الشرعيين من الجنسية الجزائرية في عرض البحر.

وفي أقل من عام، استقبلت الرابطة أكثر من 250 عائلة بصدد البحث عن أبنائها، فُقد بعضهم منذ عام 2008. وأكدت الرابطة أن العشرات من جثث الجزائريين ما تزال موجودة في مصالح حفظ الجثث الإسبانية، في مورسيا، وألميريا، وأليكانت، ومدن أخرى في إيطاليا.

وتؤكد تقارير الرابطة أن عددًا كبيرا من المهاجرين السريين الذين تمكنوا من الوصول إلى أوروبا، يتواجدون حاليًا في السجون لفترات غير محددة، لأن بعض الدول تعتمد السجن كحل لمواجهة الهجرة غير الشرعية، فيما تفرض دول أخرى غرامات مالية على تواجد مهاجرين غير شرعيين على أراضيها، ويصل الأمر إلى فرض إجراءات عقابية على كل من يقدم يد المساعدة إلى أولئك المهاجرين السريين. وتعتبر الرابطة أن الاتحاد الأوروبي مخطئ في توجهاته، لأن أغلب الأموال صرفت في تعزيز الإجراءات الأمنية، بدل توجيهها إلى أولئك الشباب العاطلين عن العمل.

وأكد العديد من المهاجرين الجزائريين الذين التقتهم “كيو بوست” بوسط مدينة “فلونسيا” الإسبانية، أن الهجرة إلى إسبانيا قرار فاشل، فالبطالة منتشرة بين الإسبان أنفسهم بشكل مفزع نتيجة الأزمة الاقتصادية، كما أن منحة البطالة قليلة جدًا، تقدر بـ 400 يورو شهريًا فقط، ولا تشمل المهاجرين غير الشرعيين كونهم لا يملكون وثائق إقامة.

وتتحدث مجموعة من المهاجرين عن طبيعة حياتهم، إذ يقطنون في أحياء شعبية بحثًا عن الشقق منخفضة السعر، حيث يبيت ما بين 8 إلى 10 مهاجرين في غرفة واحدة، ويحصلون على مؤونتهم الغذائية من الكنائس وجمعيات خيرية مسيحية “كاريتاس”.

 

300 طفل

من جهتها، تعتبر السلطات الإسبانية أن عدم استقرار بعض دول منطقة شمال إفريقيا يشكل ضغطًا شديدًا على الهجرة. وأشارت إسبانيا إلى أن (20757) مهاجرًا من أصل (28349) وصلوا إلى إسبانيا عام 2017، على سواحل مقاطعات “الأندلس”، فالينسيا وموريسيا، سواء عن طريق البر أو البحر. ويفوق عدد المهاجرين هذا العام ثلاثة أضعاف من وصلوا في العام السابق، وارتفعت أعداد النساء والأطفال والقصر، بحسب بيانات وزارة الداخلية الإسبانية.

وقالت وزارة الداخلية الإسبانية إن أكثر من 300 طفل جزائري تم ضبطهم دون وثائق سفر أو وضعية إدارية رسمية في 2017، مشددة على أن دول الضفة الجنوبية باتت تشكل المصدر الأساسي للهجرة السرية، فقد صنفت الوافدين الجزائريين في المرتبة الثانية بعد المملكة المغربية، لتأتي بعدهما تونس وليبيا.

وقدرت أعداد المهاجرين الجزائريين بنحو 5400 مهاجر غير شرعي، من بينهم 340 قاصرًا وطفلًا، يقيمون في وضعيات غير شرعية في مختلف محافظات إسبانيا، خصوصًا الجنوبية منها.

 

خلاص من اليأس؟

وأكد الأمين الوطني المكلف بالملفات المتخصصة على مستوى الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، “هوري قدور”، أن الهجرة صارت حلمًا وخيارًا لكل الفئات الاجتماعية في الجزائر، هربًا من الأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة بسبب السياسات الفاشلة للحكومة، وخلاصًا من حالة اليأس وانسداد الأفق، وتقلص فرص الحياة الكريمة. وبين قدور في اتصال مع “كيو بوست” أن الجميع يطمح إلى الهجرة بطريقة شرعية أو غير شرعية، سواء كان مثقفًا، أو شابًا عاطلًا، وحتى النساء والقصر، فالوضع مأساوي، كما يصفه.

خلال الـ15 عامًا الأخيرة، هاجر أكثر من 40 ألف جزائري إلى كندا المعروفة باستقطابها للنخبة، بحسب قدور، الذي أوضح أن الإجراءات الرادعة التي وضعتها الحكومة الجزائرية للحد من تفاقم الهجرة غير الشرعية، غير مجدية، فقد وضعت عقوبة السجن النافذ لمدة ستة أشهر لكل مهاجر بطرق غير رسمية.

هواري قدور

وطالبت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، الحكومة الجزائرية باتخاذ تدابير جدية للحد من الهجرة غير الشرعية، من خلال توفير مناخ ملائم لعيش كريم، وعمل يغني الشباب عن ركوب قوارب الموت، وتابعت أن فقدان الشباب الجزائري للأمل، نتج عنه يأس خطير دفع الشباب الجزائري إلى التفكير في ترك وطنه.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة