الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

نور الدين البحيري “الصندوق الأسود” لحركة النهضة

البحيري دجن القضاء وجعله خاضعا للحركة واختار البقاء في الكواليس للقضاء على منافسيه سياسيا

تونس- فاطمة بدري

وصفته رئيسة جمعية القضاة السابقة كلثوم كنو بأنه “أسوأ وزير عدل عرفته تونس في تاريخها”، ويلقب بـ”أخطبوط القضاء” التونسي، بسبب الاتهامات التي تلاحقه بالسيطرة على الجهاز القضائي وتطويعه لخدمة مصالح حركة النهضة، ويسميه آخرون “الصندوق الأسود” لحركة النهضة لقربه من رئيس الحركة راشد الغنوشي، ووقوفه وراء كل خطط الحركة، القيادي الإسلامي ونائب رئيس حركة النهضة نور الدين البحيري الذي اعتقلته السلطات التونسية الجمعة الـ31 من ديسمبر الماضي، ووضع تحت الإقامة الجبرية حماية للأمن القومي، كما أوضحت وزارة الداخلية. اعتقال أثار جدلا كبيرا في تونس؛ لأنه أكبر مسؤول في الحركة تحتجزه قوات الأمن في البلاد، منذ قرار الرئيس قيس سعيد حل البرلمان في الـ25 من يوليو الماضي.

قيادي الصف الأول

هذا الرجل المناور هو قيادي من الصف الأول بالحركة حوله الكثير من نقاط الاستفهام لعدة اعتبارات ومعطيات بعضها قبل تاريخ الـ14 من يناير، والآخر والأهم السنوات التي تلت هذا التاريخ، والتي شهدت صعود الحركة للحكم.

اقرأ أيضاً: متى ترفع حركة النهضة يدها عن القضاء التونسي؟

فنور الدين البحيري المولود في مدينة جبنيانة من محافظة صفاقس، والبالغ من العمر 63 عاماً انتمى إلى حركة الاتجاه الإسلامي (الاسم السابق لحركة النهضة) سنة 1977 وخاصة إدارة الجناح الطلابي للحركة في الجامعة حينها، وتدرج في المناصب داخلها حتى أصبح بعدها عضو المكتب السياسي والمكتب التنفيذي ومجلس الشورى منذ 1981،  قبل أن يصبح مسئولاً عن القسم السياسي فيها.

كذب كثيراً على جماهير الحركة (صورة وكالات)

ورغم انخراطه الكبير ونشاطه داخل الحركة فإن الأخير لم يواجه ذات المصير الذي عاشه أقرانه من قيادات الحركة من سجون وملاحقات خلال نظامي بورقيبة وبن علي، وظل يزاول نشاطه كمحام، ولم يتوقف مكتبه عن العمل حتى بعد اصطدام النهضة خاصة مع نظام بن علي، بل وكان الشخصية التي أمضت على الميثاق الوطني مع بن علي باسم حركة النهضة سنة 1988. معطيات ظلَّت تطرح الاستفهام دائماً حول علاقة هذا الرجل بالنظام، وعما إذا كان فعلاً قد خاض ذات الصراعات التي خاضها بقية القيادات مع نظام بن علي خاصة.

بعد الثورة

بعد الثورة برز البحيري  في الواجهة كأحد أبرز الوجوه المتحدثة باسم حركة النهضة، متجاوزاً حتى تلك الأسماء التي قضت سنواتٍ طويلة في السجن جراء نشاطها في صفوف الحركة ضد النظام، وانخراطهم في أعمال العنف من أجل السلطة. فبعد سقوط نظام بن علي، قاد البحيري ممثلي النهضة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، والانتقال الديمقراطي التي تشكلت مباشرة بعد نجاح الثورة، ومعه وحصلت النهضة حينها الكثير من التنازلات. إثر ذلك، انتخب البحيري في أول انتخابات تشريعية بعد الثورة في 2011 نائباً في المجلس التأسيسي، وكان من أبرز قادة الحملة الانتخابية للنهضة. وهو من وعد التونسيين كذبا بتشغيل 490 ألفاً من العاطلين حين تفوز حركته في الانتخابات، وكان أول رئيس لكتلة النهضة في التأسيسي أثناء اقتسام السلطة، وإعداد القانون المنظم للسلطات العمومية.

اقرأ أيضاً: تونس.. حركة النهضة تفقد القدرة على تحريك قواعدها

لكن المهمة الأبرز التي تولاها الرجل كانت حقيبة وزارة العدل بين سنتي 2011 و2013 والتي قام خلالها بترويض القضاء، وإجهاض الفرصة التي كان ينتظرها القضاة الشرفاء لتحقيق استقلالية سلكهم، والخروج من الخضوع لجلباب النظام الحاكم. ففي تلك الفترة، قام البحيري بفصل 82 قاضياً من حقبة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، واستبدل بهم قضاة موالين للنهضة، ومنذ تلك الفترة ساد اعتقاد أن القضاء غير مستقل، وأنه موجه من حركة النهضة التي تستفيد منه على أكثر من صعيد. وأدت سيطرة الحركة على القضاء عن طريق البحيري لطمس الكثير من الحقائق، وقبر العديد من الملفات، خاصة المتعلقة بالإرهاب والاغتيالات السياسية، وتسفير الشباب التونسي لبؤر التوتر، وهي قضايا تتهم الحركة بالوقوف وراءها.

وهي فترة تقول عنها القاضية كلثوم كنو “إن البحيري تدخل في القضاء بشكل مباشر، وعيَّن عدداً من القضاة المحسوبين على النهضة”.

حال البحيري دون استقلال القضاء (صورة وكالات)

ومن القضايا الكبرى أيضاً التي يُتهم البحيري بالضلوع فيها هي التورط في تسهيل تسليم البغدادي المحمودي رئيس الوزراء في عهد القذافي والأسير السابق بتونس الذي سلمته حكومة الترويكا التي تسيطر عليها حركة النهضة للميليشيات الليبية. إذ يقول بشير الصيد المسؤول عن اللاجئين الليبيين في تونس ومحامي البغدادي المحمودي “إن التسليم تم في إطار صفقة مشبوهة جنى خلالها نور الدين البحيري وزير العدل في حكومة الترويكا عدة منافع مادية من بينها تسلمه مبلغاً مالياً طائلاً من طرف البغدادي المحمودي فاق الــ500 ألف يورو، وذلك من أجل أن يخرجه من سجن المرناقية، ويضعه في إقامة مريحة، لكن البحيري بعد تسلمه المبلغ المذكور سارع في ترحيله بقرار من دائرة الاتهام بعد حقنه بالمخدر”.

وراء الستار

البحيري السياسي الداهية، وبعد أن ضمن خضوع القضاء للحركة، اختار أن يكون التحرك من وراء الستار، وأن يضع القيادات المنافسة له داخل الحركة في الواجهة لتتحمل أعباء الفشل بمفردها لغايةٍ واضحة يبدو أن الرجل بمكره قد أعدها جيداً. فبعد فشل حكومة القيادي البارز بحركة النهضة، وأحد اهم رجالها على امتداد تاريخها؛ حمادي الجبالي سنة 2013 وخروجه من منصبه بسبب الأداء الهزيل على كل المستويات خاصة الأمنية حيث ازدهرت ظاهرة السلفية، ولقيت الدعم والتأطير والمساعدة، وساد العنف الذي بلغ حد الاعتداء على اتحاد الشغل والهجوم على السفارة الأمريكية، واغتيال القيادي بنداء تونس لطفي نقض وغيرها من المحطات المظلمة، رفض البحيري تولي المنصب رغم أن المنصب قد عرض عليه. ودفع بالقيادي المهم أيضاً في الحركة علي العريض ليتولى المهمة ويكون في الواجهة، رغم أن الأخير يواجه غضباً شعبياً كبيراً بسبب سوء تعاطيه مع جملة من الملفات الأمنية لدى توليه منصب وزارة الداخلية في حكومة الجبالي. الحصيلة كانت سقوطاً مدوياً لحكومة العريض أيضاً بعد اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

أجهز على الجبالي والعريض ليكون الرجل الأقوى داخل الحركة (صورة وكالات)

بعد هذا الخروج المذل للجبالي والعريض يكون البحيري قد أجهز سياسياً على أبرز منافسين له داخل الحركة، فبعد هذا الفشل الكبير لن يكون بمقدور الحركة أن تصدر قيادات تآكلت صورها أمام عموم التونسيين، حينها كان الخيار نور الدين البحيري الرجل الذي اختار عمدا أن يحكم من وراء الكواليس ليتصدر حركة النهضة، فيما بقية القيادات كلها خلفه باستثناء رئيس الحركة راشد الغنوشي. بمعنى أن البحيري رغم أن آثاره وانخراطه في المشهد السياسي أكبر وأوسع وأخطر من بقية القيادات حتى أولئك الذين تولوا مناصب مهمة، فإن دهاءه السياسي جعله يفكر في أن يكون حاضراً بقوة داخل الحركة، كما في السلطة داخل الدولة وهذا ما حدث.

اقرأ أيضاً: هوس الزعامة لدى الغنوشي يهز أركان حركة النهضة

ولكن وبعد مضي عشر سنواتٍ سيطر خلالها على القضاء، وحقق خلالها ثروة طائلة لا أحد يعلم مصدرها، يبدو أن أوان الحساب قد حان بعد حادثة اعتقاله، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، واعتبارها تهديداً للأمن القومي للبلاد التونسية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة