الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

نهاية حقبة تاريخية كاملة بوفاة الأسطورة دليب كومار

كيوبوست- ترجمات 

منور أحمد♦

توفي ممثل بوليوود الأسطوري، دليب كومار، في السابع من يوليو؛ حيث كان يتعافى من مشكلات صحية مرتبطة بتقدم العمر خلال الأيام القليلة الماضية، وكان قد تم إدخاله إلى المستشفى عدة مرات.

ولد يوسف خان، المعروف عالمياً باسم دليب كومار، في 11 ديسمبر 1922، في بيشاور. وهو الطفل الخامس لعائلة مكونة من 13 طفلاً، لمحمد سروار خان، وزوجته عائشة بيغوم. وكان يوسف ذو البشرة الفاتحة، والشعر اللامع، والعينَين المعبرتَين، والطبيعة النابضة بالحياة، يُنظر إليه على أنه طفل مميز للغاية، وكانت جدته نادراً ما تسمح له بمغادرة المنزل دون تلطيخ جبهته بالكجال؛ لدرء الحسد.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يُصيب الفن السابع حول العالم

كان محمد سروار خان، تاجر فاكهة. وبحثاً عن مستقبل أفضل، هاجر هو وعائلته من بيشاور إلى بومباي. وتلقى يوسف تعليمه الأساسي في مدرسة أنجوما إسلام الثانوية في بومباي، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، التحق بكلية ويلسون. وسرعان ما اضطر إلى ترك الدراسة لمساعدة والده في إدارة تجارة الفواكه، والتي كانت متدهورة وبالكاد تدعم الميزانية المتردية للعائلة.

وبينما كان يوسف يحاول إيجاد طرق لمساعدة عائلته، ساعده أصدقاء والده في الحصول على وظيفة في بونا كمساعد في مقصف للجيش البريطاني. ومن بونا انتقل يوسف إلى ناينيتال؛ للبحث عن المزيد من الفرص؛ حيث التقى دفيكا راني، وهي واحدة من مشاهير السينما ومالكة استوديو “بومباي توكيز”. وكان لقاء الصدفة هذا هو ما غيَّر حياته بأكملها.

دليب كومار ومينا كوماري- موقع “مينا فن”

وقد تعرَّفت دفيكا راني على يوسف عندما كانت تبحث عن موقع للتصوير في ناينيتال مع المخرج أميا تشاكرابارتي، وبعد ذلك دعته إلى بومباي لإجراء اختبار شاشة. وقد روى لصديقه في وقتٍ لاحق: “رفضت أن آخذ هذه الصدفة على محمل الجد. إلى جانب أنني لم أكن أعتقد أن مظهري رائع، والأهم من ذلك أن تركيزي لم يكن منصباً على التمثيل؛ بل على تجارة والدي”.

وقد تحول يوسف إلى دليب كومار بالنسبة إلى الجمهور السينمائي في أول دور أساسي له في فيلم بعنوان “جوار بهاتا” عام 1944، من إخراج أميا تشاكرابارتي. وللأسف، لم يحقق الفيلم نجاحاً في شباك التذاكر. وكتب بابورا باتل، محرر مجلة “فيلم إنديا”، مراجعة سيئة جداً عن الفيلم، ووصف كومار بأنه “بطل مُصاب بفقر الدم”، معلقاً على أن ظهوره على الشاشة كان مخيباً للآمال للغاية.

اقرأ أيضاً: فيديوغراف: «دليب كومار»  أسطورة السينما في شبه القارة الهندية

وكان يوسف الشاب مرهف الحس الذي دخل عالماً غريباً تماماً، يكافح من أجل التأقلم مع صناعة السينما. ولسوء الحظ كان فيلمه الثاني “براتيما” عام 1945 فشلاً آخر. وكرر باتل تعليقاته بأن فيلم “براتيما” كان بمثابة خيبة أمل كبيرة لجميع محبي استوديو بومباي توكيز، وشكك في ما إذا كان “البطل المصاب بفقر الدم” سيقوم بالتمثيل مرة أخرى.

ومع ذلك، كان لدى جاي راج، مخرج “براتيما”، رأي مختلف حول الشاب؛ حيث قال: “هذا الممثل الشاب يتعلم بوعي وسرعة فن وحرفة التمثيل، على الرغم من أنه لم يجد بعد أسلوبه الخاص”. وفي فيلمه الثالث “ميلان” عام 1946، من إخراج نيتين بوز، استطاع دليب كومار أخيراً إظهار موهبته كممثل.

دليب كومار مع فينتيمالا- موقع “مينا فن”

ففي البداية، لم يكن يوسف مرشحاً للتمثيل في فيلم “ميلان”. وكان نيتين بوز يريد أن يصنع نسخة بنغالية وأخرى أردية من الفيلم، على أن يلعب أبهي بهاتاشاريا دور البطولة في كلتا النسختَين. ومع ذلك، ونظراً لأن أبهي لم يكن يتحدث اللغة الأردية بشكل مناسب؛ فقد طلب بوز من يوسف أن يلعب دور البطولة في النسخة الأردية.

وقد دفعت ثقة بوز في يوسف الممثل الشاب، للقيام بما اعترف أنه كان يجب عليه القيام به في وقتٍ مبكر؛ حيث شاهد فيلماً تلو الآخر لأفضل نجوم هوليوود، مثل سبنسر تريسي، وبول ميوني، وجيمس ستيوارت، وإنغريد برغمان، مستوعباً كيفية تقمصهم الأدوار، وحتى التمثيل الصامت لغريتا غاربو، وجوان كراوفورد. وعلى الرغم من الجولة الثالثة من التعليقات السيئة لباتل؛ فإن “ميلان” حقق نجاحاً في شباك التذاكر.

اقرأ أيضاً: 10 نجوم سينمائيين خسروا أدواراً في أفلام شهيرة

وتحت إشراف بوز، تعلم يوسف قيمة الصمت؛ حيث كان “ميلان” أول فيلم يجسد فيه يوسف مشاعر عميقة من خلال تعابير وجهه فقط، وقد كان تأثير ذلك هائلاً. وأخيراً، بدأت قصة نجاح دليب كومار.

وبعد “ميلان”، انهالت عليه العروض من المنتجين؛ وكان أهمها فيلم “جوغنو” للمخرج سيد شوكت حسين، عام 1947؛ حيث قام يوسف بدور البطولة أمام نور جيهان. وكشف فيلم “جوغنو” بوضوح، أن البطل الشاب كان يتمتع بجاذبية النجوم؛ وقد جذب سحره الصبياني وابتسامته المحبوبة الفتيات، وأصبح شعره الأشعث رائجاً بين الشباب؛ حيث حقق “جوغنو” نجاحاً مدوياً، وجلب في أعقابه سلسلة من الأدوار لكومار.

دليب كومار ومادوبالا في فيلم “موغال عزام”- موقع “مينا فن”

وفي الفترة بين عامَي 1946- 1947، وقَّع يوسف عدة أفلام؛ 5 منها صدرت عام 1948، وحققت جميعها نجاحات مدوية. وفي ما يتعلق بالتمثيل، فقد كان دليب كومار يخطف الأنظار من خلال إحساسه العميق مع تقمصه الطبيعي للدور الأول. وكانت الحساسية والتبسيط الذكي الخاصيتَين البارزتَين لتمثيله.

 وبحلول عام 1950، كان كومار في أوج الشهرة، وباعتباره عاشقاً تراجيدياً؛ فقد اشتهر بلقب “أسطورة الحب”. وبمرور الوقت، صقل يوسف طبقات صوته المميزة عند التعبير عن الحزن أو المشاعر العميقة، والتي دأب على تضخيم أثرها من خلال إدارة ظهره للكاميرا.

شاهد: فيديوغراف.. هل الفنون متعة خاضعة للأذواق أم قيمة خالدة؟

ففي فيلم “أمييا داغ” عام 1952، يتفاعل دليب كومار مع خبر وفاة والدته في مشهد لا يُنسى، والذي يجسده من خلال تغيير طفيف في طبقاته الصوتية، وهو يكرر عبارة واحدة (توفيت أمي). ويقال إن تأثير ذلك كان كاسحاً لدرجة أن الجمهور اعترته حالة من الصمت المطبق.

وفي فيلم “أنداز” للمخرج محبوب خان، يقوم دليب كومار بإخراج نرجس من صدمة وفاة والدها بطريقةٍ مقنعة؛ لدرجة أنه تجاوز كونه ممثلاً جيداً ليتحول إلى فنان عظيم في طريقه ليصبح أسطورة. فهذان المشهدان لا ينسيان في تاريخ السينما. وبعد صدور فيلم “موغال- آي- عزام” في عام 1960، بدأ دليب كومار يطمح في إنتاج فيلمه الخاص. وبتطمينات وتشجيع من شقيقه الأصغر ناصر خان، وصديقه شابورجي بالونجي (أحد أقطاب البناء في بومباي)، بدأ في إنتاج فيلم “جانجا جامونا” في عام 1961، بحماسٍ كبير.

دليب كومار مع والدته عائشة- موقع “مينا فن”

وعلى الرغم من اختيار نيتن بوز كمخرج؛ فإن يوسف كان هو مَن يقود الدفة، من كتابة القصة والحوار، واختيار مواقع التصوير، إلى إتقان اللهجة البوجبورية، وبالطبع تقديم واحد من أعظم الأداءات التي لا تُنسى في تاريخه. وفي مقابلةٍ مع صحيفة “صنداي تايمز” في عام 1990، وصف أميتاب باتشان دليب كومار بـ”أستاذ التبسيط”، ووصف دوره في “جانجا جامونا” بـ”الأداء الأعظم”.

ولا يزال الآلاف من معجبي دليب كومار يتذكرون ذروته في الخمسينيات والستينيات؛ حيث يقولون إن أداء دليب كومار في أفلام، مثل “ميلا، وناديا كي بار، وموغال- آي- عزام، ونايا دور، وغونجا جامونا”، كان له تأثير كاسح على قلوبهم وعواطفهم بطريقة لم يتمكن كومار من محاكاتها في أفلام مثل “كرانتي” (1981)، و”بيراغ” (1976)، و”مزدور” (1983)، و”كيلا” (1998).

دليب كومار مع صياما نرجس ومدير الموسيقى نايار بعد الفوز بجوائز فيلم “فير”- موقع “مينا فن”

وقد حصل دليب كومار على ثماني جوائز “فيلم فير” كأفضل ممثل عن أدواره في “داغ” (1953)، و”أزاد” (1955)، و”ديفداس” (1956)، و”نايا دور” (1957)، و”كوهينور” (1960)، و”ليدر” (1964)، وأخيراً “شاكتى” (1982). كما حصل على جائزة خاصة من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عن فيلم “غونجا”.

وجاءت الجوائز الوطنية في وقتٍ لاحق؛ لكنه نالها جميعاً، حيث حصل على جائزة “بادما بوشان” عام 1991، وجائزة “فيلم فير” عن مجمل أعماله عام 1993، وجائزة “داداساهيب فالك” المرموقة (التي سُميت على اسم أبي السينما الهندية)، والتي تم تقديمها له في مركز فيجيان بهاوان للمؤتمرات في دلهي عام 1995. كما حصل على جائزة “إن تي راما راو”؛ لمساهماته البارزة في السينما الهندية عام 1997.

اقرأ أيضاً: هل يمكننا الاحتماء بالفن حين تطغى المأساة على الواقع؟

وقد كان يوسف يغازل السياسة طوال حياته المهنية، والتي تزامن أبرزها مع تولي جواهر لال نهرو، منصب رئيس الوزراء. واستخدم نجوميته وجاذبيته في حملة من أجل أعضاء بارزين في المؤتمر الوطني الهندي؛ بما في ذلك كريشنا مينون، الذي أصبح في ما بعد وزير خارجية الهند. ونظراً لحكمته وتأثيره وخلفيته متعددة الثقافات، تم تعيين يوسف عمدة لبومباي عام 1980؛ لتعزيز الصداقة بين المجتمعات المختلفة، والسماح لبومباي بالبقاء مدينة عالمية.

دليب كومار وزوجته سايرا بانو- موقع “مينا فن”

بيد أن التوتر السياسي بين الطائفتَين الهندوسية والمسلمة في التسعينيات قد جعل التعايش السلمي أمراً مستحيلاً. واحتشد ضحايا المذبحة الطائفية في مقر إقامة دليب كومار في بالي هيل، طلباً للمساعدة والعزاء. كما ضغط مندوبو المؤتمر الإسلامي لعموم الهند على يوسف، لتولي قيادة السكان المسلمين.

اقرأ أيضاً: الهند.. استمرار الصراع والتطرف كمحفز على الإرهاب

وعلى الرغم من تقاعده عن العمل السياسي عام 1997؛ فإن مشاعر مجتمعه والطلبات المقدمة للدفاع عن قضيتهم في البرلمان كانت أقوى من أن تقاوم. وقد أسس مع زوجته سايرا منظمة الرفاه لخدمات الإغاثة والرعاية؛ لتقديم الإغاثة للأشخاص المنكوبين من أعمال الشغب في حال وقوع هجوم إرهابي.

وذكرت صحيفة “تايمز أوف إنديا” أنه “خلَّف انطباعاً رائعاً في دوره الجديد”. ومع تقدمه في السن، قام بالابتعاد عن الأضواء وفضَّل أن يعيش حياة خاصة مع عائلته. وسوف يكون من المستحيل نسيان دليب كومار؛ الممثل والإنسان.الدكتور منور

♦ طبيب ممارس وكاتب مهتم بالفن والأدب

المصدر: إنديا تي في نيوز وموقع مينا فن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة