الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

“نهاية اللعبة” تلوح في الأفق مع التقدم الجدي في مفاوضات فيينا

دينيس ساموت يكتب لـ"كيوبوست": تشهد الثورة الإيرانية بعض التغيرات منذ بعض الوقت.. ويمكن للاتفاق النووي أن يكون الوسيلة الأفضل لدفعها في الاتجاه الصحيح

 كيوبوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

على مدى الأسابيع الماضية، كان الدبلوماسيون الإيرانيون والأمريكيون يتفاوضون في فيينا حول كيفية عودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة -التي تعرف بالاتفاق النووي الإيراني- وكيف يمكن لإيران العودة للالتزام الكامل بما جاء فيها. إنها دبلوماسية المدرسة القديمة، محاطة بالسرية ويديرها رجال رماديون يرتدون بدلات رمادية؛ ولكن الجديد فيها هو أن الولايات المتحدة وإيران لا تتفاوضان بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك تعمل الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاقية -بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا إلى جانب الاتحاد الأوروبي الذي يدير العملية- كوسطاء بين الجانبين في عملية بطيئة ومرهقة. وقد وصف مصدر أمريكي رسمي التقدم الذي تم إحرازه بقوله: “المسافة التي لا يزال علينا اجتيازها لا تزال أكبر من تلك التي قطعناها حتى الآن”؛ ولكنه أضاف بشكل واضح أن المحادثات كانت: “مهنية ومثمرة”.

اقرأ أيضاً: حان الوقت لإدارة بايدن حتى تحدد خياراتها بشأن إيران

الإيرانيون يطالبون برفع العقوبات

عانت إيران على مدى عقودٍ مضت عقوبات متعددة فرضتها عليها الولايات المتحدة على مدى سنوات؛ رداً على عددٍ من تصرفاتها العدوانية. وخطة العمل الشاملة المشتركة قطعت شوطاً كبيراً في رفع كثيرٍ من هذه العقوبات، إلى أن أعادت الولايات المتحدة فرضها مجدداً بكل وقاحة، وأضافت إليها عقوباتٍ أخرى كجزء من خطة ترامب في ممارسة “الضغط الأقصى” على إيران. وقد أصبح نظام العقوبات الأمريكية على إيران معقداً جداً لدرجة أن تفكيكه، ولو جزئياً، سيتطلب جهداً ووقتاً كبيرَين.

هنالك أسباب كثيرة وراء رغبة إيران في رفع العقوبات؛ فمع أن الاقتصاد الإيراني لم يتداعَ نتيجة هذه العقوبات، إلا أن أثر لدغتها بات واضحاً على الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين بشكل عام.

ترامب يعلن عن عقوبات إضافية على إيران بعد انسحابه من الاتفاق النووي- “فوكس”

الجمهورية الإسلامية هي بناء سياسي معقد، يتنافس فيه المتشددون والبراغماتيون على السلطة على مدى عقود في ساحة سياسية ديناميكية يسيطر عليها رجال الدين الشيعة؛ وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله خامنئي. ولا يلاقي الاتفاق النووي قبولاً شاملاً في إيران، وينظر المتشددون إلى محادثات فيينا بعين الشك، ويرون فيها خدعة عربية جديدة. ولذلك يجب على المفاوضين الإيرانيين توخي الحذر الشديد في عملهم.

تقول إيران إن الولايات المتحدة هي التي خرجت من الاتفاق، وهي التي عليها العودة إليه أولاً، وقبل أن تعود إيران للالتزام الشامل ببنود خطة العمل الشاملة المشتركة.

اقرأ أيضاً: زيادة إيران تخصيب اليورانيوم.. انتهاك جديد للالتزامات الدولية

جاءت إدارة بايدن إلى البيت الأبيض ملتزمة باستعادة اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة؛ ولكن نهجها في هذا الأمر ينطوي على عددٍ من المقاربات المختلفة. فإدارة بايدن ترغب في إشراك إيران في مجموعة كاملة من المسائل تتدرج من قدراتها الصاروخية، ودورها المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط، إلى أمن إسرائيل وغيرها من القضايا. وتنظر الإدارة إلى الاتفاقية على أنها منصة انطلاقٍ لمناقشة مجموعة أقوى وأوسع من التفاهمات مع إيران. وربما يوافق الإيرانيون على ذلك في نهاية المطاف؛ ولكنهم يصرون على التزام الولايات المتحدة بخطة العمل الشاملة المشتركة، وتنفيذ التزاماتها بموجبها قبل البحث في أي شيء آخر.

الولايات المتحدة تسعى إلى تفاهم أوسع يتجاوز خطة العمل الشاملة المشتركة

وأحد التحديات التي تواجهها إدارة بايدن هو أن تحافظ على حلفائها -خصوم إيران في الشرق الأوسط- أثناء إدارتها مفاوضات فيينا؛ وفي مقدمة هؤلاء الحلفاء إسرائيل التي عارضت منذ البداية هذا الاتفاق، ودعت إلى ردود أكثر صرامة على إيران؛ مما أدى إلى سياسة “الضغط الأقصى” التي اتبعتها إدارة ترامب. وقد استخدمت إسرائيل كل أنواع التكتيكات لعرقلة المفاوضات؛ ولكنها فشلت في ذلك حتى الآن.

اقرأ أيضاً: إيران وبايدن والقنبلة.. لماذا تُسرع إيران برامجها النووي الآن؟

ثم هنالك الدول العربية في الشرق الأوسط التي ترى أن إيران هي القوة المحرضة للأزمات المزعزعة للاستقرار في عددٍ من دول المنطقة كاليمن ولبنان. حاولت الولايات المتحدة الإبقاء على تواصلها مع منتقدي المفاوضات، وأطلعتهم على تطوراتها بشكل منتظم “قبل وأثناء وبعد” كل جولة منها؛ ولكن بعض هذه الدول لا يزال يبدي استياءه، فإسرائيل اتهمت إدارة بايدن بالافتقار إلى الشفافية، وهو ادعاء ترفضه الإدارة التي أشار مسؤولون فيها إلى فشل سياسة “الضغط الأقصى” مستشهدين بارتفاع وتيرة الأعمال العدوانية الإيرانية -بما فيها اعتداءاتها المباشرة أو عبر الوكلاء على المملكة العربية السعودية- أثناء فترة تطبيق سياسة “الضغط الأقصى”.

الوسطاء هم مزيج غير متجانس

الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق، والتي تلعب حالياً دور الوسيط والميسر للمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، هي الدول الأربع دائمة العضوية في مجلس الأمن، بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا، بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي. وهذا يعطي محادثات فيينا بريقاً دبلوماسياً؛ ليس فقط بسبب هوية المشاركين بل أيضاً بسبب الديناميكية المعقدة بينهم، مع توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا والمسار التصادمي للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين؛ ولكن الوسطاء في الشأن الإيراني تمكنوا من إيجاد لغةٍ مشتركة، حتى إنهم يقولون إن المعنويات مرتفعة للغاية.

محادثات فيينا تحاول إنقاذ الاتفاق النووي بوساطة من الدول الموقعة عليه- “بي بي سي”

وعندما تخلتِ الولايات المتحدة بوقاحةٍ وبشكل مفاجئ عن خطة العمل الشاملة المشتركة، تمسكت بقية الدول بها، وقاومت المحاولات الأمريكية لإجهاضها، وأبقت إيران، بشكل عام، منخرطة فيها وملتزمة بنجاحها. والإيرانيون يدركون ذلك ويقدرونه، على الرغم من أن علاقاتهم مع الدول الأعضاء تتراوح من الدفء (مع روسيا والصين) إلى الفتور (مع فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي) إلى البرود (مع بريطانيا).

اقرأ أيضاً: رسائل إسرائيلية خلف استهداف منشأة “نطنز” النووية الإيرانية

لذلك يمكن القول إن خطة العمل الشاملة المشتركة أثبتت أن دبلوماسية المدرسة القديمة لا تزال تعمل بشكل جيد، وأن الدبلوماسيين المشاركين فيها يدركون أهمية ذلك لنجاح مهمتهم. كما أن خطة العمل الشاملة المشتركة قد مكنت الاتحاد الأوروبي من المشاركة، وحتى قيادة مجموعة من المفاوضات الدبلوماسية رفيعة المستوى؛ مما وفر في لحظاتٍ حاسمة ثقلاً موازناً لحماقات إدارة ترامب. وهذا إنجاز مهم لشبكته الدبلوماسية التي لم يتجاوز عمرها السنوات العشر.

التوقيت والتسلسل الزمني وخارطة الطريق

في حين أنه لا يزال من المبكر الإعلان عن نجاح مفاوضات فيينا، فإن المزاج العام يوحي بأن جهوداً جادة قد بُذلت ولا تزال تبذل، وأن الجميع يتفاوضون بهدف التوصل إلى نتيجة إيجابية. يرى البعض إمكانية التوصل إلى اتفاقٍ في منتصف شهر مايو المقبل مع حلول موعد جولة جديدة من المحادثات الإيرانية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. قال مصدر أمريكي مسؤول: “نحن لن نتباطأ؛ ولكننا في الوقت نفسه لن نتسرع بشكل مصطنع”. فالمحادثات يجب أن تأخذ وقتها، كما أن تسلسل الخطوات (من سيفعل ماذا أولاً) سيكون على جانبٍ كبير من الأهمية أيضاً؛ ولكن يرى كثيرون أنه إذا تم الاتفاق على الأمور الجوهرية، فإن مسألة التسلسل يمكن حلها من خلال الدبلوماسية الحاذقة.

الرئيس بايدن يقول إنه لن يرفع العقوبات عن إيران قبل أن تلتزم بشكل كامل بالاتفاق النووي- “دويتشه فيله”

وهنالك أيضاً مسألة خارطة الطريق؛ فحتى أكثر الدبلوماسيات سرية وتعقيداً في هذه الأيام تتسرب إلى محطات الأخبار و”تويتر”، وتتجلى في مقاطع صوتية أو تغريدات. وتتفاوض كل من إيران والولايات المتحدة وعينها على جمهورها البعيد عن الإجماع على دعم هذه المفاوضات؛ لذلك يجب أن يحتوي الاتفاق الجديد على ما يكفي، حتى يتمكن الطرفان من تسويقه محلياً، وهذا أمر ممكن ولكنه ليس سهلاً.

اقرأ أيضاً: خيارات المواجهة الإسرائيلية للنشاط النووي الإيراني

ترويض الثورة

مفاوضات فيينا لها مجموعة محددة من الأهداف: إعادة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة؛ بما في ذلك التزامها برفع العقوبات عن إيران، وعودة إيران إلى الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، ولكن الجميع يدركون أنه يوجد نقاشات أكبر وأوسع، بعضها مستمر منذ عقودٍ من الزمن، ومنها كيفية ترويض الثورة الإيرانية وإعادة إيران إلى النظام الدولي بشكل كامل؛ فالثوار الشباب الذين أطاحوا بالشاه عام 1979 أصبحوا الآن رجالاً ونساء متقدمين في السن، وأولادهم وأحفادهم بحاجةٍ إلى أن يحددوا مستقبلهم الآن. وتشهد الثورة الإيرانية بعض التغيرات منذ بعض الوقت؛ ولكنه من غير الواضح أين ستنتهي هذه التغيرات، ويمكن للاتفاق النووي أن يكون الوسيلة الأفضل لدفعها في الاتجاه الصحيح، ولما فيه مصلحة الشعب الإيراني، وشعوب الشرق الأوسط.

♦مدير مركز “لينكس يوروب”، ومقره لاهاي في هولندا، ومدير تحرير موقع commonspace.eu. ويكتب بانتظام في قضايا الأمن الأوروبي، وعلاقات الاتحاد الأوروبي مع جيرانه في الشرق والجنوب. ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة