الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

نهاية الشرق الأوسط

كيوبوست- ترجمات

مارك لينش♦

حملت السنوات العشر الأخيرة معها تغيرات عميقة في بنية وديناميكية الشرق الأوسط، غيَّرت وجهه ودوره الإقليمي والعالمي. وقد نشر موقع “فورين أفيرز”، مؤخراً، مقالاً مطولاً يلقي فيه الضوءَ على هذه التغيرات، ويناقش انعكاساتها في السياسة الخارجية الأمريكية.

افتتح مارك لينش مقاله بالإشارة إلى إثيوبيا؛ وهي واحدة من الساحات التي تأثرت إلى حد كبير بهذه التغيرات، ففي ديسمبر 2021 تمكنت الحكومة الإثيوبية، بفضل الدعم العسكري الذي تلقته من إيران وتركيا ودول عربية، من إحداث انقلاب في سير المعارك التي تخوضها منذ عام كامل مع متمردي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي كانت تتلقى الدعم من مقاتلين صوماليين يتلقون بدورهم دعماً من قطر.

فوجئ كثير من المراقبين الأمريكيين بمشاركة أربع دول شرق أوسطية في صراع إفريقي، على الرغم من أنه في السنوات الأخيرة افتتحت تركيا أكثر من أربعين قنصلية جديدة في إفريقيا وأنشأت قاعدة عسكرية كبيرة في الصومال. وأعلنت إسرائيل “العودة إلى إفريقيا”؛ بحثاً عن تحالفات جديدة، واشترت المملكة العربية السعودية مساحات زراعية شاسعة في إثيوبيا والسودان لتعزيز أمنها الغذائي، وأقامت دول أخرى قواعد عسكرية في مختف أنحاء القرن الإفريقي، ودخلت مصر في نزاع مع إثيوبيا حول سد النهضة.

اقرأ أيضاً: هل تدهور نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟

ولا يقف الأمر عند إفريقيا، فسلطنة عمان تقيم علاقات قوية مع الهند وإيران وباكستان، ولطالما تدخلت السعودية ودول خليجية أخرى بقوة في أفغانستان وباكستان، ووسعت تركيا تدخلاتها في آسيا الوسطى؛ خصوصاً إبان الحرب في أذربيجان. وعلى الرغم من كل هذه التغيرات؛ فلا تزال السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على خريطة ذهنية للشرق الأوسط ترجع إلى السنوات الأولى للحرب الباردة، وتضم الدول العربية بالإضافة إلى إيران وإسرائيل وتركيا. ولكن البنتاغون كان مدركاً هذه التغيرات منذ البداية، وحتى إنشائه قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا عام 2007 كانت القيادة المركزية الأمريكية التي تغطي الشرق الأوسط ومصر وإيران والعراق ودول الخليج تشمل أيضاً أفغانستان وباكستان والقرن الإفريقي وكينيا والسودان. وهذا الاختلال الدراماتيكي في الرؤية بين صانعي السياسات والمؤسسة العسكرية الأمريكية يهدد بتعمية الاستراتيجية الأمريكية عن الديناميكيات الفعلية التي تشكل المنطقة، ويزيد من احتمال ارتكاب واشنطن المزيد من الأخطاء الفادحة فيها.

رئيس هيئة الأركان المشتركة مع السفير الأمريكي في العراق- أرشيف

تشكَّل مفهوم الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية على تدفقات النفط وحماية إسرائيل، وعزز هذه الرؤية الضيقة دمج جزء كبير من آسيا الوسطى في الاتحاد السوفييتي؛ مما أدى إلى استبعاد دول مثل أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان في مفهوم الشرق الأوسط. وقد ثبت أن هذا المفهوم الأمريكي للشرق الأوسط شكل عائقاً بدلاً من أن يكون أداة مفيدة في أيدي صانعي القرار في السياسة الخارجية، كما أدى إلى افتراضات خاطئة قادت إلى فشل الولايات المتحدة في توقع موجة الثورات التي اجتاحت العالم العربي بين عامَي 2010 و2011 وفي التعامل معها بشكل فعال.

اقرأ أيضاً: النظام قبل السلام.. دروس مستلهمة من دبلوماسية كيسنجر في الشرق الأوسط

أكدت انتفاضات العالم العربي مفهوم الساحة الجيوسياسية الواحدة للشرق الأوسط عند صانعي السياسة الأمريكيين؛ خصوصاً بعد تدخل السعودية والإمارات وقطر في حروب سوريا وليبيا واليمن، ولكن في الواقع فإن الدول التي توسع نفوذها أكثر -تركيا وإيران وإسرائيل- لم تكن دولاً عربية. واليوم أثبتت التطورات السياسية في المنطقة أن خريطة الشرق الأوسط القديمة أصبحت بلا معنى. وتجاوز عدد من الصراعات الجغرافيا التقليدية للمنطقة؛ فالحرب في ليبيا زعزعت استقرار الدول الإفريقية المجاورة.

قوات إماراتية في جزية سوقطرة

كما أن التغيرات الاجتماعية واسعة النطاق أسهمت في تغيير خريطة الشرق الأوسط، ومن هذه التغيرات زيادة أعداد العمالة الآسيوية في دول الخليج؛ مما ساعد في تقوية الروابط بين هذه الدول ودول جنوب آسيا. وكذلك فقدان الإعلام العربي تماسكه بعد عام 2011، وظهور محطات فضائية إخبارية مختلفة التوجهات عكست الاستقطاب السياسي في المنطقة، والاستثمارات الخليجية في آسيا ودول الغرب جعلت هذه الدول مراكز للرأسمالية العالمية أكثر من كونها مجدر دول شرق أوسطية. بالإضافة إلى تراجع أهمية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني الذي كان في الماضي عاملاً موحداً للعرب، وتوقيع اتفاقيات إبراهيم التي يرى الإسرائيليون أنها تؤشر على انتهاء الزمن الذي كان فيه الشرق الأوسط مصدر تهديد أمني.

اقرأ أيضاً: الشرق الأوسط يعيد تشكيل نفسه بعيداً عن أمريكا

ويخلص كاتب المقال إلى أن تداعيات القرار الكارثي بغزو العراق عام 2003 أدت إلى نهاية نظام إقليمي كانت كل الطرق فيه تؤدي إلى واشنطن. كما أن تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها في الشرق الأوسط والتحول نحو آسيا، دفع الدول الفاعلة في المنطقة إلى فرض تعريفاتها الخاصة لمفهوم الشرق الأوسط. فإيران وسعت نفوذها في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وأصبحت تخوض منافسة شرسة مع السعودية وإسرائيل، وكثفت علاقاتها مع دول إفريقيا والصين.

وإذا ما بقيت واشنطن عالقة في مفهومها الذي عفَّى عليه الزمن للمنطقة، فهي تخاطر بعدم تمكنها من فهم سلوك ومصالح الدول الرئيسية في الشرق الأوسط وفي سوء فهم سلوك القوى العالمية الأخرى في المنطقة؛ فالخريطة التي تتبعها أمريكا للمنطقة لم تعد كما كانت، والأمر متروك لواشنطن لتتعلم كيف تقرأ الخريطة الجديدة.

♦أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة