الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربية

نهاية الزواج الكاثوليكي بين الرياض وواشنطن

العلاقة الأمريكية السعودية لم تعد كما كانت عليه في العقود الماضية.. فاليوم هنالك زعيم سعودي واثق من نفسه ومستعد لأن يسلك طريقاً مختلفاً

كيوبوست- ترجمات

آرون ديفيد ميلر♦

شكَّلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للرياض مادة دسمة للتحليل والدراسة عند عددٍ كبير من المراقبين، والمحللين السياسيين، وصناع القرار في العالم. كتب آرون كيلر، الزميل الأول في معهد كارنيغي للسلام الدولي مقالاً على صفحات موقع “فورين بوليسي” يلقي الضوءَ فيه على ما تمثله هذه الزيارة من نقطة تحول في طبيعة العلاقات الأمريكية السعودية.

افتتح ميلر مقاله بالإشارة إلى حديثٍ لوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل لصحيفة “واشنطن بوست” قال فيه إن العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة ليست زواجاً كاثوليكياً، بل هي زواج إسلامي يسمح بتعدد الزوجات، وإن المملكة لا تسعى للطلاق من الولايات المتحدة، بل للزواج من دولٍ أخرى. ويرى ميلر أن هذا الأمر قد تجلى بأوضح صوره في زيارة الرئيس الصيني للرياض، وعلى الرغم من أن بكين لا يمكن أن تحل محل واشنطن كضامن لأمن المملكة في منطقةٍ يسودها عدم الاستقرار، فإن المملكة لن تقف على الحياد، بل من المحتمل أنها سوف تقترب أكثر من بكين وموسكو، وفقاً لما تقتضيه مصالحها الخاصة.

اقرأ أيضًا: زيارة شي للسعودية.. لماذا تعزز الرياض علاقاتها مع الصين؟

ويشير ميلر إلى أن البعض ربما يستسهلون رؤية هذا التقارب على أنه نوعٌ من التكتيكات المؤقتة لدفع واشنطن لإيلاء المزيد من الاهتمام لعلاقاتها مع الرياض، وربما يعزو آخرون الأمر إلى العلاقة غير الودية بين الرئيس بايدن والأمير محمد بن سلمان، لكن ما يزعزع العلاقات الأمريكية السعودية هو أعمق من ذلك بكثير.

فعلاقة المقايضة الأساسية التي ربطت البلدين لعقود، والتي تقوم على حاجة واشنطن للنفط السعودي، وحاجة الرياض للضمانات الأمنية الأمريكية، قد تراجعت كثيراً بسبب عددٍ من التوترات والمتغيرات الدولية ليس أقلها هجمات 11 سبتمبر، وموقف واشنطن من الربيع العربي، والاتفاق النووي بين إدارة أوباما وإيران، واستجابة واشنطن لهجمات الطائرات المسيرة، والصواريخ الإيرانية على منشآت النفط السعودية.

الهجمات الحوثية الأخيرة على منشآت النفط السعودية- أرشيف

وعلى ما يبدو، فإن الجهود المبذولة لإصلاح العلاقات قد أدَّت لنتائج عكسية، فقد أعطت زيارة بايدن الأخيرة للمملكة انطباعاً بأن السعوديين هم أصحاب اليد العليا، وأنه لم تكن لديهم النية في الاصطفاف مع واشنطن في مواجهة موسكو في أوكرانيا، أو في مواجهة صعود الصين السريع.

ومهما تكن التفاهمات التي تم التوصل إليها في هذه الزيارة، فقد انهارت في لحظةٍ من التوتر عندما قرر السعوديون والروس خفض إنتاج دول أوبك+ بمقدار مليوني برميل يومياً.

القمة العربية الصينية في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات- وكالات

قال الرئيس بايدن لصحيفة “واشنطن بوست” قبيل زيارته للمملكة إنه من الضروري تحسين العلاقة مع المملكة من أجل تحسين الوضع التنافسي مع الصين، ولكن الأمير محمد بن سلمان لا يرى الأمر بهذه الطريقة على الإطلاق، ويعتبر أن اللعبة الآن تدور حول كيفية استخدامه لورقة الصين لصالح المملكة للحصول على أفضل ما يمكنه الحصول عليه من واشنطن وبكين دون الوصول إلى قطيعةٍ مع أيٍّ منهما.

والصين بالنسبة لمحمد بن سلمان ليست مجرد عصا يلوِّح بها في وجه الولايات المتحدة، بل هي أكبر شريك تجاري للمملكة، والشركات الصينية تقوم ببناء المشاريع العملاقة، وإنشاء البنية التحتية لمنظمة الجيل الخامس، وتطوير منظومات الوسائط الرقمية في المملكة.

اقرأ أيضًا: زيارة الرئيس الصيني للسعودية.. صفحة جديدة يكتبها التاريخ

كما أن بكين تقدم للرياض علاقة خالية تماماً من أية قيود أو تدخل في السياسة الداخلية. وهذا يعني أنه على عكس زيارة بايدن، فإن زيارة شي سوف تتميز بالدفء المتبادل وغياب التوتر والاحتكاك بين زعيمي البلدين، وستسمح القمم الثلاث التي ستعقد أثناء هذه الزيارة لكليهما بإظهار دوره المركزي في المنطقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ميلر يؤكد أن العلاقات الأمريكية السعودية ليست على وشك الانهيار، ويرى أنه من المرجح أن تبقى واشنطن الشريك الرئيسي للرياض، في مجال التعاون الأمني والاستخباراتي، خاصة في ظل استمرار التهديد الخارجي الإيراني الذي يضمن استمرار هذا الجانب من العلاقات. فالصين ليست قادرة على أن تحل محل تطور وفعالية الأسلحة الأمريكية أو أن تعمل كضامن لحرية الملاحة في الخليج العربي حيث تعمل البحرية الأمريكية على تأمين امدادات الطاقة هناك، بما في ذلك إمدادات الصين نفسها. ومع ذلك ينوه ميلر إلى أنه لا بد لواشنطن من أن تراقب بحذر ما قد تقدمه بكين للمملكة من تقنيات لتطوير الصواريخ الصينية الموجودة بالفعل في أيدي السعوديين.

وقعت اتفاقيات عدة بين الجانبين – واس

وفي نهاية مقاله، يؤكد ميلر أن العلاقة الأمريكية السعودية لم تعد كما كانت عليه في العقود الماضية، فقد ولَّت أيام الملوك السعوديين الذين يتجنبون المخاطرة، واليوم هنالك زعيم سعودي واثق من نفسه، ومستعد لأن يسلك طريقاً مختلفاً.

لا شك في أن العالم رغم الثورة الخضراء سوف يستمر في الاعتماد على النفط السعودي لسنواتٍ قادمة، ولا شك في أن الولايات المتحدة لا تزال مهمة للغاية في حسابات محمد بن سلمان على الرغم من أنها قد لا تكون مركزية فيها.

وإذا ما كان الرئيس بايدن قد قال للسعوديين وقادة دول الخليج إن الولايات المتحدة سوف تبقى في المنطقة، فلا شك أن استمرار محمد بن سلمان في سياساته هذه سوف يعني أن الصين وربما روسيا ستكون موجودة فيها أيضاً.

♦زميل أول في معهد كارنيغي للسلام الدولي، ومحلل سابق في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ومفاوض في عددٍ من الإدارات الجمهورية والديمقراطية السابقة.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة