الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

صار ما يمكن تسميته "التدين المغربي" أو "الإسلام المغربي" نموذجاً يحتذى به في عدد من البلدان الإسلامية

المغرب- حسن الأشرف

بُني “التدين المغربي” على أُسس توصف بكونها متينة وثابتة غير متحولة، تجعل سلوكات “المتدين” تتخذ منهج التسامح ونبذ التطرف؛ ومنها على وجه الخصوص: اتباع المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وتصوف الإمام الجنيد، ومبايعة “إمارة المؤمنين” التي تتسم بكونها مؤسسة تاريخية ومتجذرة في البلاد.

مالك والأشعري والجنيد وإمارة المؤمنين

وأجمعت تقارير مراكز بحثية في المغرب على أن التدين المغربي يعد نموذجاً فريداً يتصدى للفكر الديني المتشدد؛ خصوصاً أنه “تدين شعبي” يتسم فضلاً عن الشعائر التعبدية الأساسية (الصلاة والصيام والزكاة.. وغيرها)، بممارسات دينية “طقوسية” تتمثل في التصوف والتزكية، علاوةً على سلوكات اجتماعية تطوعية تنهل من مبادئ دينية، من قبيل الإحسان إلى الفقراء وإطعام الجائعين.. إلخ.

اقرأ أيضًا: المرجعية الفكرية للإسلاميين بالمغرب

ومن ركائز التدين المغربي العمل بالمذهب المالكي الذي يعد “شعاراً من شعارات الدولة المغربية، يعبر عن الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية؛ بل إن هذا المذهب تحول إلى مدرسة تربوية إصلاحية أسهمت في بناء الشخصية المغربية بكل مميزاتها وخصائصها”، وَفق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

ويستند المذهب المالكي الذي يعتمده المغرب إلى عدة أصول فقهية؛ لعل أبرزها قاعدة سد الذرائع التي توثق لمبدأ المصلحة، وقاعدة الاستحسان متمثلة في مبدأ “ترك القياس والأخذ بما هو أرفق بالناس”، وأيضاً قاعدة “المصلحة المرسلة” التي تروم تحقيق مرونة وتكييف مع واقع المستجدات والنوازل في الحياة.

ومن أعمدة “التدين المغربي” أيضاً الاستناد إلى عقيدة الحسن الأشعري؛ وهو ما يبرزه دليل الإمام والخطيب والواعظ الذي أصدرته وزارة الأوقاف المغربية، إذ تعتبر المذهب الأشعري “منظومة فكرية متكاملة، تسعف جماهير الأمة الإسلامية بقدرة فائقة على الدفاع عن جميع قضايا العقيدة، ووقف كثير من التيارات التي كانت تقدم نفسها للناس على أنها المتفردة بمخاطبة الفكر دون سواها”.

معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات

وتبعاً لاختيار الدولة المغربية، فإن الإمام الجُنيد، رحمه الله، هو إمام التربية الروحية وقطب وقدوة أهلها، ورمز التصوف السُّني الذي يندمج في التدين اليومي للمغاربة.

وأما مؤسسة أمير المؤمنين، التي توجد في الدستور المغربي منذ أول وثيقة دستورية عام 1962، فهي إحدى كبرى ضمانات “التدين المغربي” القائم على التسامح والتعايش؛ لأن أمير المؤمنين الذي يحكم البلاد هو لقب دستوري وسياسي وديني وروحي يتيح للمغاربة؛ سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم يهوداً، ممارسة حقوقهم الدينية بشكل آمن؛ وهو ما يفكك منظومة التطرف الديني.

حضور العنصر اليهودي

وفي تعليق له على هذا الموضوع، يرى الدكتور إدريس الغزواني، الأستاذ الجامعي والباحث السوسيولوجي، أن التدين، أو فهم الممارسة الدينية باعتبارها ثقافة محلية، يعتبر مدخلاً أساسياً لفهم المجتمع المغربي.

إمارة المؤمنين تضمن التسامح والتعايش

ويضيف الغزواني، في حديث مع “كيوبوست”، أن الاعتبارات الدينية في المجتمع المغربي رغم كثافتها، لا تلعب دور الموجه للسلوك إلا في بعض المجالات المحدودة، فعلى الرغم من كون التعبير الديني يتمظهر من خلال طقوس الكلام وطقوس الفعل في الآن ذاته؛ فإن إدراك دلالات الدين باعتباره ثقافة، أو نشاطاً إنسانياً يمتلك معنى، وذلك بالتركيز على مختلف التمظهرات والتجليات والرؤية الممكنة لبعض مظاهر التدين في المجتمع المغربي وَفق الكيفية التي يتحول بها إلى معيش يومي.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

وتابع المتحدث ذاته بأن “التسامح والتعايش اللذين يطبعان الممارسة الدينية غالباً ما يرتبطان بسياقات ثقافية واجتماعية عرف بها المغرب وما زال يعرفها”.

ويكمل الغزواني بأن “هذا النوع من التسامح والتعايش مرتبط بالتبادل التجاري الذي يحدث خلال المواسم الدينية في مختلف مناطق المغرب”، مورداً أن “فكرة الديني والدنيوي مرتبطة بدرجة الانتعاش التديني والانتقال مما هو مقدس إلى ما هو دنيوي”.

ووَفق السوسيولوجي ذاته، فإن التسامح والتعايش اللذين يطبعان التدين المغربي يرتبطان بحضور العنصر اليهودي في المغرب بشكل كبير؛ حيث يستمدان أسسهما من التلازم الحاصل بين الديني والاقتصادي بالخصوص.

د.إدريس الغزواني

ويشرح الغزواني بالقول: “كلما كانت المواسم احتفالية يهيمن عليها البعد الاقتصادي، ارتفعت درجة التسامح والتعايش فيها، وهذا ما يفسر الحضور الكبير للمتدين اليهودي في المواسم الدينية بالجنوب المغربي مثلاً”.

واسترسل الغزواني: “كون اليهود يشتهرون في تاريخ الجنوب المغربي بالممارسة التجارية بشكل كبير، فإن فرصتهم في حضور المواسم الدينية كانت جد كبيرة؛ بل كانوا يسهمون بشكل كبير في خلق الدينامية الاقتصادية التي تعرفها هذه المواسم الدينية”.

اقرأ أيضًا: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

ثوابت الهوية الدينية المغربية

من جهتها، تؤكد الدكتورة نسيبة الغلبزوري، الأستاذة في كلية أصول الدين بجامعة عبدالمالك السعدي، أن التدين الإسلامي السُّني يحظى بمكانة مهمة في حياة المغاربة؛ خصوصاً الشباب منهم.

وتستطرد الغلبزوري، في حديث مع “كيوبوست”، بأن المغاربة يتبعون منذ قرون خلت المذهب المالكي في الفقه، الذي تميز بسعة أصوله وشمولية قواعده ومرونته؛ مما منحه قدرةً على التكيف مع الزمن واستيعاب المتغيرات وضبط المستجدات، إضافة إلى التزام المغاربة بالعقيدة الأشعرية، وتصوف الجنيد في السلوك والتزكية والتربية القلبية، وإمارة المؤمنين.

نسيبة الغلبزوري

وتكمل نسيبة الغلبزوري بأن “هذه الثوابت تشكل الإطار المرجعي الثابت للهوية الدينية المغربية التي بُنيت على أُسس متينة؛ وهي التي صاغت أيضاً الشخصية المغربية، وكونت البناء الفكري والثقافي والحضاري للمغرب، وكذلك الخصوصية الدينية للمغاربة؛ وهي غير قابلة للتبديل والتغيير والتجاوز والمراجعة، لأنها قناعات واختيارات أجمع عليها علماء البلاد؛ لذلك ظل المغرب بلداً موحداً آمناً مستقراً إلى يومنا هذا”.

ومن ثمار الحفاظ على النموذج المغربي في التدين الذي يتسم بالرصانة والاعتدال والوسطية: الحفاظ على الوحدة المذهبية الدينية والأصالة الحضارية للمغاربة، وتوحيد صفهم وجمع كلمتهم وشملهم وتحقيق استقرارهم، والحفاظ على الأمن الروحي والسلم الاجتماعي، وانخراط المغاربة في منظومة تربوية موحدة ليسيروا على نمط واحد في علاقاتهم، ونبذ العنف والتعصب وقبول الآخر المخالف والانفتاح عليه، ورفض كل أشكال الغلو والتعصب؛ لأن مذهب المغاربة مذهب واسع رصين يتسم بالمرونة والتيسير والوسطية والاعتدال، فضلاً عن تحصين الشباب من السقوط في التطرف، والتصدي العملي للمشروعات الدينية الشاذة والمتشددة المخالفة لنمط التدين المغربي، والتشبث بقيم التسامح والعيش المشترك.

اقرأ أيضاً: “المرشدات الدينيات” في المغرب.. هكذا تُحارب الأفكار المتطرفة

وذهبت الأستاذة الجامعية ذاتها إلى أنه “ينبغي التمكين لنمط التدين المغربي، وفسح المجال له؛ لأن الطلب الخارجي العربي والغربي على نموذج التدين المغربي ارتفع في الآونة الأخيرة”.

وزادت بأن “هذا الاهتمام الخارجي يظهر في رغبة عدد من الدول تكوين أئمتهم في (معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات)؛ خصوصاً مالي وغينيا كوناكري وكوت ديفوار وتونس، وأيضاً (جمعية اتحاد مساجد فرنسا)، الصرح العلمي الذي أسسه الملك محمد السادس (ليكون أداة من أدوات التحصين من نزعات التطرف والحفاظ على الهوية الدينية المغربية المرتكزة على ثوابت المملكة)”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة