الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

نكسة “حماس” بعد مصادرة السلطات السودانية جميع أصولها المالية

ضربة قاصمة للحركة الإخوانية التي كانت تعوِّل على السودان كقاعدة استراتيجية لضرب إسرائيل

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

بعد سنواتٍ طويلة من العلاقات الحميمة بين السودان وحركة حماس في ظلِّ حكم عمر البشير، انقلبتِ الأمور رأساً على عقب خلال فترة الحكم الانتقالي في الخرطوم؛ لتضع السلطات السودانية يدها على عددٍ من الكيانات التي وفرت الدعم والغطاء لحركة حماس على مدار سنوات، وقد ظلَّ السودان حليفاً لـ”حماس” لفترة طويلة في عهد الرئيس السابق عمر البشير؛ لكن بعد الإطاحة به في عام 2019، سيطرت السلطات السودانية على استثمارات وشركات تقول إنها كانت تحوِّل أموالاً إلى الحركة لسنواتٍ.

ساعد هذا الإجراء في السيطرة على ما لا يقل عن 12 شركة، يقول مسؤولون إن لها صلة بـ”حماس”، في التعجيل بتصويب أوضاع وضع السودان مع الغرب، منذ الإطاحة بالبشير في 2019.

اقرأ أيضاً: أنفاق “حماس” تثير قلق المنظمات الدولية في غزة

وخلال العام الأخير نجح السودان بإخراج نفسه من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، واقترب من الحصول على تخفيف أعباء ديون تتجاوز 50 مليار دولار.

ما مستقبل “حماس” بعد هذه الإجراءات الأخيرة؟ وهل ستؤدي إلى إضعاف الحركة بعد أن فقدت أهم ملاذ آمن لها دام عدة سنوات؟ وهل ستكون الحركة قادرة على التكيف مع هذا التغير في الموقف السوداني تجاه الحركة، وإيجاد بيئاتٍ جديدة آمنة لها بعد فقدانها العديد من الحواضن السياسية؛ تمثلت في السعودية وسوريا واليمن سابقاً، وأخيراً وليس آخِراً السودان الذي يعتبر أكثر الحواضن المهمة لها؟

البشير والترابي وقياديين في الجماعة في اجتماع سابق- صورة ارشيفية

إجراء مهم

زيد الأيوبي

في هذا السياق، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المستشار زيد الأيوبي، أن مصادرة السلطات السودانية استثمارات قيادات “حماس” كانت إجراء مهماً وعظيماً؛ وهو خطوة رائعة في الاتجاه الصحيح، على حد وصفه، نحو تجفيف منابع دعم “حماس”، وأدوات إيران والإخوان.

ومن هنا يرى الأيوبي، خلال تصريحاتٍ أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن “حماس” تعرَّضت من خلال هذه الإجراءات السودانية إلى ضربة قوية وقاصمة؛ لاسيَّما أنها كانت تعتبر السودان في زمن الرئيس المخلوع عمر البشير، منصة آمنة لنشاط شبكاتها المالية والعسكرية، مشيراً إلى أن تلك المنصة أسهمت في تحويل الأموال والسلاح إلى جيوب قادة “حماس” في غزة؛ من أجل استعمالهما لتكريس سيطرتها على غزة وإخضاع الشعب الفلسطيني في غزة لها بقوة هذا السلاح الأسود.

اقرأ أيضاً: استناداً إلى وثائق.. صحيفة ألمانية تفضح إمبراطورية “حماس” السرية

يعتبر الأيوبي أن تجفيف منابع دعم “حماس” في السودان، أدى إلى توجيه ضربةٍ أخرى إلى التنظيم الحاضن لـ”حماس”، والمتمثل في تنظيم الإخوان الذي تعرَّض في السنوات الأخيرة إلى عشرات الضربات القاضية بشكل مباشر، والآن جاء الدور على أدواته التي يتغذَّى عليها التنظيم الإخواني؛ باعتباره مظلة لعدة حركات وجماعات “إسلاموية” منتشرة في الوطن العربي.

ويوضح الأيوبي في السياق نفسه، أن “حماس” بدأت تفقد المنصات التي تنطلق منها لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتسهم من خلالها في تقويض الأمن القومي العربي، مشدداً على أن الضربة التي مُنيت بها في السودان ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛ خصوصاً أن الكثير من الدول العربية تضع “حماس” كأداة من أدوات إيران والإخوان تحت المجهر.

يبقى السؤال مطروحاً على مصراعيه: ما مستقبل “حماس” بعد فقدانها أهم الحواضن السياسية والاقتصادية لها؟

ويتوقع الأيوبي أن تكون هناك إجراءات أخرى مستقبلية ضد “حماس” في دولٍ عربية وإسلامية؛ خصوصاً بعد أن أثبتت “حماس” أنها لم تعُد تعبِّر عن الهم الفلسطيني، ولا يهمها، حسب الأيوبي، قضية شعبها بقدر ما يهمها تنفيذ أجندات الملالي والإخوان في المنطقة؛ باعتبارها منصهرة انصهاراً تاماً في هذه الأجندات، وَفق ما يعلن قادتها أنفسهم.

غياب البديل

وفي السياق نفسه، تذهب الصحفية المتخصصة في المجال الفلسطيني دانا بن شمعون، إلى رؤيةٍ مقاربة لرؤية الأيوبي حيال الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات السودانية تجاه “حماس”، واصفةً، في حديثٍ أدلت به إلى “كيوبوست”، أنها ضربة قاسية لها، على اعتبار أنها خسرت أحد أهم مراكز القوى والسيطرة لها خارج قطاع غزة، مشيرةً إلى أن “حماس” ستتأثر بقرار السلطات السودانية بمصادرة أموالها وممتلكاتها في البلاد، وأول هذه التأثيرات يتمثل على المستوى المعنوي، بعد أن كان نشطاء الحركة بالخارج يتوجهون إلى السودان للجوء السياسي.

اقرأ أيضاً: أحكام قضائية سعودية ضد حمساويين جمعوا أموالاً للحوثي و”حماس”

أما المؤثر الثاني فإنه يتمثل، حسب رؤية بن شمعون، في الإضرار بنشاطاتها العسكرية والاقتصادية؛ فالسودان على مدى سنواتٍ طويلة احتضن “حماس”، واستضاف أعضاء الحركة على أراضيه، وهذا ساعدها كثيراً على تطوير البنية التحية لها كمنظمة؛ من حيث الإجراءات اللوجستية وتحويل الأموال، مؤكدةً أن “حماس” بفعل هذا القرار الجديد لن تكون قادرة على القيام بنشاطاتٍ اقتصادية، ونقل أسلحة من إيران إلى قطاع غزة.

دانا بن شمعون

وترى “بن شمعون” أن “حماس” اعتبرت السودان قاعدة استراتيجية مهمة لها في محاولاتها استهداف إسرائيل؛ ولكن بعد هذا القرار الجديد فلن تستطيع استخدام السودان لمواجهة إسرائيل.

وحول مدى قدرة الحركة على التكيف مع هذا التغيير الجديد في الموقف السوداني، وإيجاد بيئاتٍ جديدة آمنة لها بعد فقدانها العديد من الحواضن، تؤكد “بن شمعون” أنه سيكون من الصعب على “حماس” إيجاد بديل عن السودان على المدى القصير؛ خصوصاً أن حركات الإسلام السياسي في العالم كله بدأت تضعف.

وتضيف “بن شمعون”، في سياق حديثها، بالقول: “أتوقع أن تحاول (حماس) إيجاد دول أخرى تقدم لها المساعدة والبيئة لتتحرك فيها؛ ولكن هذا لن يكون بسهولة، والأمر يتعلق بموقف هذه الدول؛ يعني هل ستسمح هذه الدول لـ(حماس) بالعمل من أراضيها، الأمر ليس ببساطة؛ لأن (حماس) باتت محصورة، والعديد من الجهات الأجنبية غير معنية بأية علاقة مع (حماس) خشية تخريب العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهكذا الأمر مع دول الخليج والسعودية والدول الأخرى”.

اقرأ أيضاً: لماذا تتغاضى السلطة الفلسطينية عن نشاطات “حماس” المهددة لها في الضفة؟

أما إيران و”حزب الله”، اللذان يعتبران الحليف الأهم والمتنفس الوحيد لـ”حماس”؛ حيث تحصل من خلالهما على مساعدات اقتصادية ولوجستية ومعنوية، فإن “بن شمعون” تشير إلى أن إيران و”حزب الله” يواجهان حالياً مشكلات داخلية، وإيران منشغلة بالملف النووي؛ وهذا لن يكون لمصلحة “حماس”.

وفي ظلِّ كل هذه التطورات، فإن الكثير من الأطراف والدول، حسب رؤية “بن شمعون”، ستضع “حماس” في حالةٍ من الضغط؛ لكن “حماس” ستحاول في ظلِّ هذه الضغوط جلب إنجاز ما للجمهور الفلسطيني؛ لكي تظهر لهم أنها لم تُهزم، والأمر قد يتمثل في أعمال التصعيد في وجه إسرائيل وأعمال تبادر لها الحركة؛ وعلى رأسها إتمام صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل، والتي تشمل إطلاق سراح المزيد من الأسرى الفلسطينيين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة