الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

نقطة ضعف شي جين بينغ… كيف تهدد البارانويا مستقبل الصين؟!

للمرة الأولى في تاريخ الحزب الشيوعي يتعين على جميع أعضاء المكتب السياسي تقديم تقاريرهم إلى رئيس الحزب مباشرة والذي يراجع أداءَهم بصفةٍ شخصية

كيوبوست- ترجمات

تساي شيا♦

في مقالةٍ نشرتها مجلة “فورين أفيرز” الدولية، قالت تساي شيا السياسية والأستاذة السابقة في مدرسة النخبة المركزية التابعة للحزب الشيوعي الصيني، إنه منذ وقتٍ ليس ببعيد، كان نجاح الرئيس الصيني شي جين بينغ بارزاً للغاية. فقد عزَّز سلطته داخل الحزب، وارتقى بنفسه إلى المكانة الرسمية ذاتها، التي كان يتمتع بها الزعيمُ الأيقوني ماو تسي تونغ.

اقرأ أيضاً: رؤية الصين: حملة عنيفة لخلق عالم من تصورها الخاص

فعلى الصعيدِ الداخلي، كان بينغ يتباهى بأنه قطع خطواتٍ كبيرة في الحدِّ من الفقر. وفي الخارج، ادَّعى أنه يرفع مكانة بلاده الدولية إلى آفاقٍ جديدة. بينما في نظر العديد من الصينيين، كانت أساليب بينغ، كزعيمٍ مستبد، هي الثمن المقبول للنهضة الوطنية، وفقاً للمقالة.

وقد تطرقت شيا إلى تاريخها الشخصي قائلة: “لقد حظيتُ منذ فترة طويلة بمقعدٍ في الصف الأمامي لمكائد الحزب الشيوعي الصيني. فقد كنت لمدة 15 عاماً أستاذة في مدرسة اللجنة المركزية للحزب، حيث ساعدتُ في تدريب الآلاف من كبار كوادر الحزب الذين يخدمون البيروقراطية في الصين”.

ترى الأجيال القديمة أن بينغ هو امتدادٌ للحلم المؤجل بالتضامن الحقيقي والذي وعد به ماو منذ 70 عاما- نيويوركر

وأضافت أنه خلال فترة عملها في مدرسة النخبة، قدمت المشورة للقيادة العليا في كيفية بناء الحزب، وواصلت القيام بذلك بعد تقاعدها عام 2012. وفي عام 2020، تم طردها من الحزب بعد أن انتقدت الرئيس، وجُرِّدَت من استحقاقات التقاعد، كما حُذِّرَت من أن سلامتها الشخصية في خطر.

والآن، تعيش شيا في المنفى بالولايات المتحدة، لكنها لا تزال على اتصالٍ مع العديد من معارفها في الصين. وهي متابع جيد للمشهد السياسي الصيني. حيث تتوقع أن الرئيس بينغ سوف يعتبر المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي هذا الخريف، فرصة لتجديد الثقة في فترة ولاية ثالثة مدتها 5 سنوات.

اقرأ أيضاً: صورة الصين السيئة تقوض أهدافها الاستراتيجية

تقول شيا: “حتى لو كان الغضب المتزايد بين بعض النخب الحزبية يعني أن محاولته لن تمر على الإطلاق دون منازع، فإنه سوف ينجح على الأرجح. ولكن هذا النجاح من شأنه أن يجلب الاضطرابات في المستقبل”. مشيرة إلى أنه مع ازدياد تطرف حكم بينغ، فإن الاقتتال الداخلي والاستياء اللذين أثارهما سوف يزدادان قوة. وستصبح المنافسة بين مختلف الفصائل داخل الحزب أكثر حدةً وتعقيداً.

المافيا الصينية

وترى شيا أنه من نواحٍ عديدة، لم يتغير الحزب الشيوعي الصيني كثيراً منذ أن تولى السلطة عام 1949. والآن، يمارس الحزب سيطرةً مطلقة على الصين، حيث يحكم جيشها وإدارتها، وهيئتها التشريعية ذات السلطة الشكلية.

المندوبون الصينيون يصلون لحضور جلسة المؤتمر الوطني لنواب الشعب في قاعة الشعب الكبرى، بكين، 2018- فرانس برس

حيث يخضع التسلسل الهرمي للحزب للجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهي أعلى هيئة لصنع القرار، ويترأسها الأمين العام، القائد الأعلى للصين. ومنذ عام 2012، كان شي بينغ هو هذا الرجل.

كما ظلَّت سمة أخرى للنظام الحزبي ثابتة، وهي أهمية العلاقات الشخصية، فعندما يتعلق الأمر بالارتقاء داخل التسلسل الهرمي للحزب، فإن العلاقات الفردية، بما في ذلك سمعة المرء العائلية، وأصله الشيوعي، مهمة بقدر أهمية الكفاءة والأيديولوجية.

اقرأ أيضاً: حرب شي جين بينغ الثقافية تدخل حرم الجامعات الصينية

ووفقاً للبروفيسورة الصينية، كان هذا هو الحال مع مسيرة شي بينغ. وخلافاً للدعاية الصينية، وتقييم العديد من المحللين الغربيين، بأنه ترقَّى من خلال موهبته، فإن العكس هو الصحيح. حيث استفاد بينغ بشكلٍ كبير من علاقات والده، شي تشونغ شون، الذي يتمتع بمؤهلاتٍ ثورية لا تشوبها شائبة، والذي شغل لفترة وجيزة منصب وزير الدعاية في عهد ماو.

بينغ يتوسط كبار رجال الدولة في افتتاح المؤتمر الوطني التاسع عشر لنواب الشعب الصيني،2017- رويترز

وعلى الرغم من أن قوة العلاقات الشخصية ومرونة القواعد الرسمية ظلَّت ثابتة منذ تأسيس الصين الشيوعية، فإن شيئاً واحداً قد تغير مع الوقت، وهو الدرجة التي تتركز بها السلطة في يد رجلٍ واحد. فمنذ منتصف الستينيات فصاعداً، كان ماو يتمتع بالسيطرة المطلقة والكلمة الأخيرة في الأمور كافة، وكان رسمياً فقط متساوياً في المكانة مع باقي أعضاء اللجنة الدائمة للحزب.

اقرأ أيضاً: 5 أشياء يجب معرفتها عن أزمة عملاق التطوير العقاري الصيني “إيفرغراند”

غير أن مسيرة بينغ وشبكة العلاقات المرتبطة به تثير الكثير من علامات الاستفهام، على حدِّ قول شيا، التي استشهدت بالبيانات الرسمية التي تشير إلى أنه في الفترة من ديسمبر 2012 إلى يونيو 2021، أجرى الحزب تحقيقاتٍ مع 393 من الكوادر القيادية والمسؤولين الذين يتم إعدادهم لشغل المناصب العليا.

بالإضافة إلى 631,000 من الكوادر على مستوى القطاعات، والأعضاء العاملين الذين ينفِّذون سياسات الحزب على المستوى الشعبي.

شي بينغ، على اليمين، يرافق والده في زيارة إلى مقاطعة هاينان في يناير 1979- تويتر

وأكدت شيا أن أقوى المسؤولين الذين اعتبرهم بينغ يُشكِّلون تهديداً، قد وقعوا في فخ عملية التطهير، بما في ذلك تشو يونغ كانغ، العضو السابق في اللجنة الدائمة ورئيس جهاز الأمن، وسون زينجكاي، عضو المكتب السياسي الذي اعتبره الكثيرون منافساً وخليفة مُحتملاً لبينغ.

اقرأ أيضاً: المؤسسات الصينية الخاصة ولعبة الترهيب

تقول شيا: “كما علمت من أحد المطلعين في الحزب، والذي لا يمكنني تسميته خوفاً من إيقاعه في ورطة، أنه في حوالي عام 2014، ذهب رجال بينغ إلى مسؤولٍ رفيع المستوى انتقده علانية وهددوه بإجراء تحقيق في الفساد إذا لم يتوقف. (وقد صمت). وفي سعيهم لتحقيق أهدافهم، غالباً ما يضغط مرؤوسو شي على أفراد عائلات المسؤولين ومساعديهم”.

تقول شيا إن الرئيس الصيني استفاد على نحوٍ كبير من تاريخ والده السياسي، وفي الصورة يظهر بينغ مع والده وزوجته وابنته

من جانبٍ آخر، ألغى بينغ إصلاحاً محورياً آخر وهو “الفصل بين الحزب والدولة”، في محاولةٍ للحد من الدرجة التي تتدخل بها كوادر الحزب ذات الدوافع الأيديولوجية في القرارات الفنية والإدارية في الهيئات الحكومية. كما غير الديناميكية التي تعمل داخل اللجنة الدائمة.

اقرا أيضاً: غياب المساواة سيقود الصين إلى خيار صارخ

وللمرة الأولى في تاريخ الحزب الشيوعي، يتعين على جميع أعضاء المكتب السياسي، وحتى أعضاء اللجنة الدائمة، أن يقدِّموا تقاريرهم إلى رئيس الحزب مباشرة، الذي يراجع أداءهم بصفةٍ شخصية. بل إن التغيير الأكثر خطورة وفقاً لشيا، يتمثل في إزالة بينغ لحدود فترة الولاية الرئاسية. وككل زعيم من جيانغ، يشغل بينغ 3 مناصب في الوقت نفسه: رئيس الصين، وزعيم الحزب، وقائد الجيش.

قرارات كارثية

وحول خطورة تركز السلطة في أيدي الرئيس الصيني وحده، أشارت تساي شيا إلى أنه لا تزال ثقافة “عبادة الفرد” قائمة في الصين، ومتضمنة في دستور الحزب. حيث طالب بينغ ونوابه بدرجةٍ من الولاء والإعجاب بالزعيم لم يسبق لها مثيل منذ عهد ماو.

 

الرئيس الصيني وهو يلقي خطابًا خلال الاحتفال بالذكرى المئوية للحزب الشيوعي الصيني في ميدان تيانانمين في بكين

وعلى غرار الأخير، فإن صور بينغ الشخصية معلَّقة في كل مكان، من المكاتب الحكومية والمدارس والمواقع الدينية وحتى المنازل. ووفقاً لإذاعة فرنسا الدولية، اقترح رجاله تسمية جامعة تسينغهوا، وهي جامعته الأم، بجامعة شي بينغ. حتى أنهم طالبوا بتعليق صورته إلى جانب صورة ماو في ميدان تيانانمن.

وتؤكد شيا أن السلطة المطلقة في أي نظام سياسي تشكِّل خطراً داهماً. فبسبب انفصاله عن الواقع، يمكن للقائد أن يتصرف بتهور، وينفذ سياساتٍ غير حكيمة أو تفتقر إلى الشعبية، أو كليهما.

اقرأ أيضاً: كيفية بناء نظام عالمي أفضل

وليس من المستغرب أن يؤدِّي “أسلوب الحكم القائم على أن بينغ يعرف كل شيء إلى عددٍ من القرارات الكارثية، يكون القاسم المشترك بينها هو عدم قدرته على إدراك التأثير الفعلي لتوجيهاته”.

حيث ترى شيا أنه على صعيد السياسة الخارجية، وخلافاً لمقولة دينغ بأن الصين “تخفي قوتها، وتترقب الوقت”، قرر بينغ تحدي الولايات المتحدة وسعى إلى إقامة نظام عالمي يتمحور حول الصين. ولهذا السبب “انخرط في سلوكيات محفوفة بالمخاطر، فعمل على عسكرة بحر الصين الجنوبي، وتهديد تايوان”.

في ألاسكا عام 2021 وأمام الكاميرات، ألقى يانغ تشي محاضرة لوزير الخارجية الأمريكي بلينكين حول إخفاقات السياسة الأمريكية انطلاقاً من منهج دبلوماسية “الذئاب المتحاربة”- رويترز

كما شجع دبلوماسييه على الانخراط في أسلوبٍ فظ يُعرف باسم دبلوماسية “الذئاب المتحاربة”. وشكَّل تحالفاً بحكم الأمر الواقع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأمر الذي زاد من عزلة الصين عن المجتمع الدولي.

اقرأ أيضاً: على طريقة الذئب المحارب.. الدبلوماسيون الصينيون مستعدون لقتال الخصوم

وفيما يخص الأوضاع الداخلية، انتقدت شيا السياسات الاقتصادية للرئيس الصيني، خصوصاً ما يتعلق بإدارة الديون وتشجيع رواد الأعمال الصينيين، الذين أصبحوا يعانون أكثر من ذي قبل حتى أن بعض الشركات الأكثر ديناميكية في الصين، بما في ذلك مجموعة “أنبانغ” للتأمين، ومجموعة “إتش إن إيه جروب”، قد اضطروا إلى تسليم السيطرة على أعمالهم إلى الدولة.

كما أدى ميل شي بينغ إلى التدخل في التفاصيل الإدارية إلى إعاقة استجابته لجائحة كورونا. وبدلاً من ترك التفاصيل المتعلقة بالسياسات للفريق الصحي الحكومي، على حدِّ قول شيا، أصر الرئيس الصيني على أن ينسق بنفسه جهود الصين لمواجهة الوباء.

أفراد الطاقم الطبي يجوبون شوارع شنغهاي خلال تطبيق إستراتيجية “زيرو كوفيد” التي فرضها الرئيس الصيني

وفي وقتٍ لاحق، كان بينغ يتباهى بأنه “قاد وخطَّط للاستجابة شخصياً، وأشرف على الوضع العام، وتصرف بشكلٍ حاسم، وأشار إلى طريق المضي قدماً”. وبسبب رفضه الاستماع إلى الخبراء، وإصراره على فرض سياسة “صفر كوفيد”، منع بينغ الملايين من سكان شنغهاي من الخروج، حتى لشراء البقالة أو تلقي الرعاية الصحية المنقذة للحياة.

اقرأ أيضاً: “كورونا”.. تكاليف اقتصادية وسياسية ترهق الصين

حيث توفي بعضهم على أبواب المستشفيات، فيما قفز آخرون إلى حتفهم من المباني السكنية، وفقاً لشيا التي قالت: “بهذه البساطة، تحولت مدينة حديثة ومزدهرة إلى موقع لكارثة إنسانية، حيث يتضور الناس جوعاً، ويفصل الأطفال عن والديهم”.

ماذا بعد؟

وتتوقع السياسية الصينية تساي شيا أن بينغ، وللإبقاء على قبضته على السلطة، سوف يواصل القضاء بشكلٍ استباقي على أيّة منافسين محتملين، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الصين تبدو على نحو متزايد مثل كوريا الشمالية، على حد وصفها.

الرئيس الصيني يتفقد قوات جيش التحرير الشعبي خلال عرض عسكري- وكالة شينخوا

تقول شيا: “الواقع أن شي الذي يكتسب المزيد من الجرأة قد يعمل على التعجيل بعسكرة المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، ومحاولة الاستيلاء على تايوان بالقوة. وبينما يواصل سعيه إلى فرض هيمنة الصين، فإنه سيزيد من عزلتها عن بقية العالم”.

وتضيف أن التحركات التي من المرجح أن يقوم بها في فترة ولاية ثالثة من شأنها أن تزيد من احتمالات الحرب، والاضطرابات الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، الأمر الذي سيؤدي إلى تفاقم المظالم القائمة.

اقرأ أيضاً: المناورات العسكرية الصينية في مضيق تايوان ما هي إلا بروفة لـ”قطع الرأس”!

غير أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد القوة والترهيب للبقاء في السلطة؛ فالأداء لا يزال مهماً حتى في الصين. فقد اكتسب ماو ودينغ سلطتهما من خلال إنجازاتهما، ماو بتحرير الصين من القوميين، ودينغ بانفتاح الصين وإطلاق العنان للطفرة الاقتصادية. لكن بينغ لا يستطيع أن يشير إلى مثل هذه الانتصارات الملموسة، على حد قولها.

تعيش تساي شيا، السياسية والأستاذة السابقة في مدرسة النخبة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في منفاها بالولايات المتحدة

إذ تعتقد شيا أن الطريقة الوحيدة القابلة للتطبيق لتغيير هذا المسار، هي أيضاً الطريقة الأكثر ترويعاً ودموية، أي الهزيمة المخزية في الحرب. فإذا هاجم بينغ تايوان، وهذا هو هدفه على الأرجح على حدِّ قولها، فهناك احتمال كبير ألا تمضي الحرب كما هو مخطط لها، وسوف تتمكن تايوان، بمساعدة الولايات المتحدة، من مقاومة الغزو وإلحاق أضرار جسيمة بالبر للصين كله.

اقرأ أيضاً: ماذا ينتظر العالم القديم والمملكة الوسطى في المستقبل؟

وفي هذه الحالة، تتوقع البروفيسورة الصينية أن تتخلى النخب والجماهير عن شي بينغ، مما يمهِّد الطريق ليس فقط لسقوطه الشخصي، بل وربما حتى لانهيار الحزب الشيوعي الصيني كما نعرفه الآن.

وكما حدث في السابق “سيتعين على المرء العودة إلى القرن الثامن عشر، عندما فشل الإمبراطور تشيان لونغ في سعيه إلى توسيع مملكة الصين إلى آسيا الوسطى، وبورما، وفيتنام”.

وتضيف شيا: “لقد عانت الصين من خسارة فادحة في الحرب الصينية اليابانية الأولى، ما مهَّد الطريق لسقوط أسرة تشينغ الحاكمة، وبداية فترة طويلة من الاضطرابات السياسية.. فالأباطرة لا يسودون إلى الأبد”.

♦سياسية وأستاذة سابقة في مدرسة النخبة المركزية التابعة للحزب الشيوعي الصيني من 1998 إلى 2012

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة