الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

نظرية المؤامرة في حادثة حريق كاتدرائية نوتردام

فيلم وثائقي روسي يحاول اللعب على النزعة الطائفية داخل المجتمع الفرنسي بالاعتماد على الكراهية كسبب للواقعة

كيوبوست 

بعد سنة ونصف السنة على احتراق كاتدرائية نوتردام، التي بُنيت في القرنَين الثاني عشر والثالث عشر، لم يحسم المحققون بعد سبب الحريق على وجه التحديد؛ لكنهم توقعوا أن يكون السبب طارئاً، إلا أن فيلم “المعركة من أجل نوتردام” الذي عرضته قناة “روسيا اليوم”، بعد الحادثة التي وقعت بتاريخ 15 أبريل 2019، يطرح وجهة نظر مغلَّفة بنظرية المؤامرة؛ كتفسير لسبب نشوب الحريق.

نظرية المؤامرة

مكتب المدعي العام الفرنسي، قال في بيانٍ له إن حريق الكاتدرائية عرضي؛ وإن المحققين اعتقدوا أنه ناتج عن سيجارة لم تنطفئ أو تماس كهربائي، إلا أن الفيلم ينقض وجهة نظرهم من خلال التنويه بأنه لم يتم العثور لا على أعقاب سجائر ولا جهاز كهربائي أدى إلى تماس كهربائي، علماً بأن شركة المقاولات، التي كانت مسؤولة عن عملية ترميم الكاتدرائية قبل اندلاع الحريق، اعترفت أن عمالها كانوا يخالفون القواعد ويدخنون على السقالات خارج المبنى!

اقرأ أيضاً: تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد.. سابقة تاريخية تنتهك التراث الإنساني

ويسلِّط الفيلم الضوء على نظرية المؤامرة كتفسير لحدوث الواقعة، من خلال عدة مقابلات شملت النائب في البرلمان الفرنسي وزعيم حزب “انهضي فرنسا”، نيقولاي ديوبن، الذي عبَّر عن دهشته من خبر حول المدعي العام، الذي ذكر أن الحريق “مجرد حادث طارئ”؛ ما أثار حيرة ديوبن، فطرح تساؤلاً حول طبيعة الحريق وسببه، وإن كان مجرد حادث طارئ أم تصرف إجرامي أم عمل إرهابي؛ الأمر الذي عدَّته السلطات السياسية “فضيحة” حسب قول ديوبن، على اعتبار أنه يروج لنظرية المؤامرة.

يعتبر الفيلم أن غياب الوقائع الحقيقية أصبح يثير الشكوك والشائعات، كما لو أن السلطات تتكتم على شيء ما؛ الأمر الذي يغذِّي فكرة أن أحداً يقف وراء الحدث كرجل أعمال حاذق يرى بالمكان الذي تقع فيه الكاتدرائية في جزيرة سيتي على نهر السين في باريس؛ حيث حشود السياح، “القاع الذهبي”.

سقوط برج الكاتدرائية نتيجة الحريق- AFP

وانطلاقاً من هذه النقطة، يروِّج الفيلم لوجود خطة منذ 2016، لإعادة إعمار الجزيرة، والعقبة الوحيدة هي أن نوتردام تقع فيها، وكلتاهما (الكاتدرائية والجزيرة) بحماية اليونسكو، تبدو الفكرة غير منسجمة، فإن أرادت السلطات إعادة إعمار الجزيرة، لماذا ستنظر إلى نوتردام كعقبة بما أنها مصدر جذب للسياح؟ فحسب قول أندريه فينو، وهو سكرتير صحفي للكاتدرائية، فإن مشكلة الجزيرة تكمن في أن الحياة لا تضج فيها، باستثناء عامل واحد، وهو تدفق السياح عليها؛ بسبب وجود الكاتدرائية جوهرة العمارة القوطية في القرون الوسطى، والتي أدى احتراقها إلى توقف الحياة الاقتصادية في الجزيرة.

ويعود الفيلم ليطرح نقطة أخرى معاكسة، فيقول إنه لا دليل على ارتباط الحريق بخطط إعادة إعمار الجزيرة، إلا أن مؤيدي نظرية المؤامرة يستندون إلى سماح الحكومة بإعادة بناء الكاتدرائية دون الالتفات إلى معايير الجزيرة، كدليل على اعتقادهم.

نزعة طائفية

يحاول الفيلم اللعب على النزعة الطائفية داخل المجتمع الفرنسي، بالاعتماد على الكراهية كسببٍ للواقعة، من قِبل أشخاص تمت مقابلتهم، ولا يحاولون التوصل إلى سبب الحريق، بقدر ما يعبرون عن اعتراضهم على طريقة تعامل الجهات المعنية مع الإساءة إلى الديانة المسيحية، بعدما أشار الفيلم إلى معلومات مزيفة انتشرت على مواقع التواصل بعد الحريق، تفيد أن إرهابيين كانوا وراء الحادثة، على الرغم من عدم وجود دليل على ذلك.

اقرأ أيضاً: مقبرة “أُمنا حواء” بين التراث والعلم.. حقيقة أم وهم؟

وفي هذا السياق، ذكر ديوبن أنه عبر وسائل الإعلام في فرنسا لا يحق لأحد الحديث عن تدنيس الكنائس، وفي المقابل لو جرت عملية تدنيس مسجد أو كنيس لتحدث الجميع عنها. كما عبر الأب جوزيف، وهو راهب كابوشي، عن ألمه نتيجة بث القنوات والإذاعات أغنية ساخرة من الحريق، وقال: “إن حاول أحد السخرية من الإسلام أو اليهودية فسيرفع الترس في وجهه على الفور… ولكن عندما يدور الحديث عن المسيحية، فعندها كل شيء مسموح به”.

يزور نوتردام نحو 13 مليون شخص سنوياً- EPA

من جانبه، يرى نادر علامي، المختص بتاريخ الأديان، أن فكرة لصق الحادث بالمسلمين يتبناها يمينيون متطرفون في فرنسا، يرفضون فكرة التعايش ويستغلون كل حدث من هذا النوع لإحداث شقاق، مشيراً إلى أن الإرهابيين الذين يقومون بأعمال باسم الإسلام، لا يخفونها.

بينما جاء رد أندريه فينو (السكرتير الصحفي للكاتدرائية)، مناسباً لمروجي نظرية المؤامرة، فقال: “أنا أعرف جيداً هذا المبنى، وأستطيع القول إنه بحالة يرثى لها؛ لهذا إن أراد أحد أن يختفي المبنى من المنظر، فكان عليه أن ينتظر لعدة سنوات فقط، وكان يمكن أن يختفي بصورة طبيعية”، منوهاً بالإهمال الذي عاشته الكاتدرائية.

تعد كاتدرائية نوتردام علامة بارزة، ليس فقط في باريس؛ حيث تجلس بقلبها، إنما في كل أنحاء العالم، ويزورها نحو 13 مليون شخص سنوياً. وعلى مدى قرون تزوج ملوك وملكات فرنسا فيها، وتوج نابليون إمبراطوراً في نوتردام عام 1804، كما أُقيم فيها احتفال بعيد الشكر بعد تحرير باريس من النازيين عام 1944، بقيادة الجنرال شارل ديغول.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة