الواجهة الرئيسيةترجمات

نشأة الفساد الاستراتيجي

بالنسبة إلى الولايات المتحدة وشركائها، يشكل الفساد الاستراتيجي ثلاثة مخاطر؛ أولها التهديد المباشر والواضح لنتائج السياسات الفاسدة، وثانيها الخطر العام المتمثل في تبني الدول المنافسة للفساد كأسلوبٍ لتوسيع نفوذها على مستوى العالم، كما فعلت الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، والخطر الثالث المتمثل في دول مثل روسيا والصين التي تسعى لاختراق المؤسسات والحكومات الغربية بشكلٍ مباشر من خلال مؤسساتها المصرفية وشركاتها العقارية الكبرى

كيوبوست- ترجمات

فيليب زيليكو، إيريك إيدلمان، كريستوفر هاريسون، سيليست وارد فينتر

كيف جعلت الدول من الفساد سلاحاً؟

الفساد ليس بالشيء الجديد، فلطالما استخدم ذوو النفوذ مواقعهم للحصول على مكاسب وامتيازات من خلال ممارسات انتهكت سيادة القانون، ووقفت في طريق الحقوق المدنية والاقتصادية الأساسية. ولكن الجديد هو أن بعض الدول (الصين وروسيا على وجه التحديد) قد حولت هذا الفساد إلى سلاحٍ على المستوى الدولي على نطاق غير مسبوق.

وكان لهذا السلاح أثر بالغ في السياسات الدولية؛ إذ تحولتِ الرشاوى من مجرد تكتيك إلى استراتيجية في الصراع بين الدول لتحقيق مصالحها. وهنا وقعت الدول الديمقراطية في مقدمة ضحايا هذا السلاح؛ بسبب الانفتاح النسبي والحرية التي تتمتع بها، حيث استغل أعداؤها غير الديمقراطيين هذا الأمر. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن مكافحة الفساد كانت تعدّ ضرورة لإنفاذ القانون والحفاظ على نزاهة الحكومات، ولم تأخذ الحيز الكافي من الاهتمام باعتبارها استراتيجية وطنية وحرباً سياسية يفترض أن تخوضها الحكومات المعرضة لها وغير المحصنة منها؛ بما فيها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ما قصة الفساد؟ من أسلافنا إلى القادة المعاصرين

ثوران الفساد

يختلف الفساد الاستراتيجي عن الأشكال التقليدية للفساد؛ مثل الفساد البيروقراطي والفساد الكبير. فالفساد البيروقراطي هو الحاجة إلى دفع رشاوى للحصول على الخدمات الإدارية العامة، بينما الفساد الكبير هو سيطرة كبار رجال الأعمال الفاسدين على القطاعات الاقتصادية الكبرى (الاتصالات، والمصارف، والنفط، والغاز… إلخ)، من خلال رشوة كبار المسؤولين الحكوميين. وهذان الشكلان من الفساد التقليدي يؤديان إلى تآكل الدول الضعيفة وانهيارها، وربما نشوب صراعات أهلية، وهذا ما تعانيه العديد من الدول؛ مثل الجزائر وبوليفيا وإيران والعراق ولبنان وفنزويلا.

وفي كلا الفسادين: البيروقراطي والكبير، يكون الدافع عند الراشي والمرتشي هو الطمع في الحصولِ على المال. وعلى النقيض من ذلك، فإن عامل الجشع في حالة الفساد الاستراتيجي يكون موجوداً لدى أحد الطرفين فقط، وهو المرتشي؛ حيث تقدم جهات أجنبية الرشاوى في إطار الاستراتيجية الوطنية لبلدانها تجاه الدول المستهدفة. وهذه الممارسات قد تكون قانونية أحياناً من الناحية التقنية، ولكنها تشكل مساً بالنزاهة في أداء الواجبات العامة؛ ما يجعلها تخضع لحكم المواطنين إذا ما كُشِفَت.

اقرأ أيضاً: قطر تستضيف بطولة العالم لألعاب القوى وسط شبهات قوية بالفساد

وقد سجلت الولايات المتحدة أول جهد حقيقي لمواجهة الفساد الاستراتيجي من خلال تشريع قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) في عام 1938؛ لمراقبة الدعاية الشيوعية والنازية، والذي تم تعديله في الستينيات ليركز بشكل أكبر على الرعاية الأجنبية لمجموعات الضغط السياسي بدلاً من الدعاية.

ولكن الأمور بدأت تتغير بسرعة في التسعينيات مع انهيار الشيوعية، حيث أصبح هنالك أكثر من عشرين حكومة جديدة تسعى لتكوين صداقات، وللتأثير على صانعي القرار في واشنطن لجذب الاستثمارات الأمريكية والعالمية إليها، من خلال شبكة من المستشارين والمحامين الذين تقاضوا مبالغ طائلة مقابل خدماتهم. وازدادت الحاجة إلى خدمات هؤلاء مع توجه الولايات المتحدة وغيرها من الدول إلى استعمال العقوبات الاقتصادية أداة سياسية.

وقد ساعد تحرير النظام المالي العالمي، في السبعينيات والثمانينيات، على تدفق المليارات من الأموال المشبوهة إلى الدول المنفتحة والمزدهرة؛ مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، حيث يتم غسل هذه الأموال. وفي عام 2001 وصفت “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” الشركات المجهولة المرجعية بأنها وسيلة أساسية لإخفاء التعاملات غير المشروعة في جميع أنحاء العالم. وقد ساعد افتقار الولايات المتحدة إلى التشريعات الوطنية التي تفرض الشفافية حول المالك المستفيد النهائي للمؤسسات على أن تصبح ملاذاً مفضلاً لغاسلي الأموال والمهربين وممولي الإرهاب والفاسدين، ما جعلها فريسة للفساد الاستراتيجي إلى جانب الفساد التقليدي.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال في تركيا وتهديد الأمن الدولي

ونتيجةً لذلك، أصبح جزء كبير جداً من حجم الأعمال الأمريكية معرضاً لتأثير مجموعات المصالح الأجنبية، ونشأت سوق واسعة لخدمات المستشارين السياسيين والمسؤولين الأمريكيين السابقين، التي كانت تعرض خدماتها وتقدمها ضمن ضوابط أخلاقية ووطنية حيناً وتخرج عن هذه الضوابط أحياناً أخرى.

مغـامرة رودي وديميترو

ربما يكون المثال الأبرز على الفساد الاستراتيجي هو الحالة الأوكرانية التي أودَت بالرئيس ترامب إلى المساءلة؛ حيث كانت القصة قد بدأت قبل وقت طويل من قيام ترامب بأي من الأفعال التي أدت إلى مساءلته، ولم يكن أبطال هذه القصة من الأمريكيين. لذلك لفهم فضيحة المساءلة لا بد من دراسة جذورها الأجنبية.

اقرأ أيضاً: 4 أسباب ستؤدي إلى فشل مساعي عزل ترامب

في عام 2018 بدأت مجموعة من المتآمرين في العمل على تشويه صورة السفيرة الأمريكية في أوكرانيا؛ بهدف إزاحتها، وكان من بين أعضاء هذه المجموعة رودي جولياني، أحد محامي ترامب الشخصيين. حيث قاموا بتسريب اتهامات ثبت بطلانها في ما بعد حول السفيرة يوفانوفيتش وجو بايدن، ثم قام جولياني بتشجيع وسائل الإعلام على نشر هذه الادعاءات التي زاد ترامب ونجله دونالد جونيور من تضخيمها.

رودي جولياني مع دونالد ترامب- “رويترز”

لكن خلف هذه المجموعة، كان هنالك لاعبون أكبر يوجهونها؛ فقد أفادت وكالة “أسوشييتد برس” أنه في عام 2019 كان اثنان من رجال الأعمال الأمريكيين من أصل أوكراني، ممن تبرعوا بمئات آلاف الدولارات للجان العمل السياسي الأمريكية من خلال شركات وهمية، قد اقترحا صفقة على أندرو فافروف، أحد المديرين التنفيذيين لشركة الغاز الأوكرانية المملوكة للدولة، لشراء الغاز الأمريكي المسال، على أن يتم تعيينه مكان المدير العام الناجح للشركة. وأخبراه بأن السفيرة الأمريكية يوفانوفيتش ستعارض الصفقة، ولكنها سوف تعزل من منصبها قريباً.

السفيرة الأمريكية السابقة في أوكرانيا ماري يوفانوفيتش- “رويترز”

وقد تبين أن هذين الرجلين كانا يعملان لحساب قطب الأعمال الأوكراني ديميترو فيرتاش، الذي وضع يده على تجارة الغاز بين تركمانستان وأوكرانيا وروسيا بدعمٍ من الكرملين؛ الأمر الذي ارتقى بهذه القضية من مستوى الفساد التقليدي إلى الفساد الاستراتيجي. فديميترو فيرتاش هو رجل شركة الغاز الروسية “غاز بروم” في أوكرانيا، و”غاز بروم” هي الأداة الجيوسياسية الأولى لروسيا في أوروبا الشرقية، حيث تشكل السيطرة على تجارة الغاز في أوكرانيا وعبرها هدفاً وطنياً رئيسياً لروسيا.

اقرأ أيضاً: الصدام البحري الروسي الأوكراني: ما احتمالات التطور إلى حرب شاملة؟

وعندما اعتقل فيرتاش في فيينا عام 2014 بتهمة محاولة رشوة مسؤولين رسميين في الهند، قام بتوكيل محاميين أمريكيين مقربين من رودي جولياني؛ لتمثيله أمام المحكمة للحيلولة دون تسليمه، حيث حصل المحاميان، بالإضافة إلى أتعابهما البالغة أكثر من مليون دولار، على وثائق تظهر مخالفات ارتكبها جو بايدن، وقاما بدورهما بتسليمها إلى جولياني.

يتضح مما سبق أن إنفاق ديميترو فيرتاش ملايين الدولارات والتبرع بمعلومات تساعد ترامب، كان الغرض منه وقف تسليمه للسلطات ووضع قطاع الطاقة الأوكراني في أيدٍ أكثر مرونة والتخلص من المسؤولين الأمريكيين الذين يعارضون هذا التوجه، بالإضافة إلى نشر نظرية المؤامرة التي تعد عنصراً أساسياً في الدعاية الروسية.

بالتأكيد ليس من قبيل المصادفة أن تتطابق هذه الأهداف تماماً مع أهداف الكرملين. إنها أجندة ضخمة نشأ معظم فصولها خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

فساد بمواصفات صينية

لم يكن نظام بوتين الوحيد الذي استخدم الفساد سلاحاً استراتيجياً لتعزيز مصالحه الوطنية؛ فقد دخلت بكين اللعبة أيضاً. وخير مثالٍ على ذلك هو شركة الطاقة الصينية الكبرى “CEFC China Energy” المتماهية مع الحكومة الصينية، والتي يلف الغموض طبيعةَ عملياتها ومديرها التنفيذي يي جيانمينغ، الذي أنشأ شبكة علاقات رسمية حول العالم؛ بما في ذلك جمهورية التشيك.

اقرأ أيضاً: ماذا علينا أن نفعل حيال الصين؟

وقد ازداد الغموض عام 2017 عندما اعتقلتِ الولايات المتحدة أحدَ كبار المديرين في الشركة، ويُدعى باتريك هو، بتهم الرشوة وغسيل الأموال. كان باتريك؛ وهو وزيرٌ سابق في حكومة هونغ كونغ، اشتهر بحماسه لمشروع “مبادرة الحزام والطريق” الصينية الطموحة التي تهدف إلى ربط الصين بإفريقيا وأوروبا من خلال شبكات الطرق والسكك الحديدية والنقل البحري، والتي اشتملت على قدر كبير من الفساد والرشوة، وبعد بضعة أشهر من اعتقال هو، اختفى الرئيس التنفيذي لشركة “CEFC China Energy”، ويُعتقد أنه قيد الاعتقال في الصين، كما قامت إحدى الشركات الحكومية الصينية بالاستيلاء على الشركة رسمياً.

اقرأ أيضاً: طريق الحرير الجديدة وثورة الصين الحديثة

وبغضّ النظر عن اختلاف الخبراء حول ما إذا كانت مبادرة الحزام والطريق تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة، فإنه لا يمكن تجاهل واقع أن الفساد هو أمر أساسي في هذه المبادرة التي تضع المسؤولين في مختلف أنحاء العالم تحت سيطرة الحزب الشيوعي الصيني، وتربط البنية التحتية في ثلاث قارات بحكومة استبدادية في بكين.

مؤتمر مبادرة الحزام والطريق- “رويترز”

وربما يكون هذا هو الدافع وراء اتخاذ الصين مقاربة منهجية تجاه الفساد الاستراتيجي في أستراليا خلال السنوات الماضية؛ حيث تم الكشف عن المحاولات الصينية للتأثير على البيئة السياسية فيها من خلال تمويل المنظمات السياسية والحملات الانتخابية عبر مانحين أثرياء تربطهم علاقات وثيقة بها. وقد دفعت هذه المخاوف أستراليا في عام 2018 إلى سن قانون شفافية التأثيرات الأجنبية الذي يستند إلى قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ثورة تجارية بين 68 دولة.. كل ما تريد معرفته عن طريق الحرير الجديدة

تضارب بسيط في المصالح

لم يكن خصوم الولايات المتحدة هم وحدهم مَن استخدموا سلاح الفساد الاستراتيجي؛ فالحليف التركي على سبيل المثال فعل ذلك في العام الماضي. فعندما اتهم المدعون الفيدراليون ثاني أكبر المصارف الحكومية التركية بنك خلق، Halkbank، بالتحايل على العقوبات على إيران من خلال شحن الذهب إليها مقابل النفط والغاز، وعند اعتقال رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب، المتورط في هذه المؤامرة، كانت هنالك فرصة كبيرة لأن يعترف بتورط كبار المسؤولين الأتراك في هذه القضية، إلا أن جولياني وصديقه القديم مايكل موكاسي، الذي شغل منصب المدعي العام في إدارة جورج دبليو بوش، وافقا على تمثيله، وحاولا إطلاق سراحه قبل أن يتكلم.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال في تركيا وتهديد الأمن الدولي

وبعد لقاء المحاميَين مع أردوغان، قاما بلقاء الرئيس الأمريكي ترامب وعرضا إطلاق سراح ضراب بمقابل إطلاق سراح القس الأمريكي أندرو برونسون المعتقل في تركيا. وقد كان ترامب ميالاً إلى عقد الصفقة، إلا أن وزير خارجيته ريكس تيلرسون وعدداً من كبار المسؤولين في إدارته عارضوا الصفقة باعتبارها تدخلاً في تحقيقٍ جنائي. وهكذا فشلت عملية التبادل واعترف ضراب بجريمته وأدلى بمعلومات حيوية أدت إلى اتهام المصرف التركي.

بنك خلق ينتهك العقوبات على إيران- “رويترز”

ومنذ ذلك الحين، بدأ بنك خلق والمسؤولون الأتراك في العمل مع ترامب لتجنب غرامة مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، وقد أصبحت مهمتهم أقل تعقيداً بعد رحيل تيلرسون والمعترضين الآخرين وانضمام صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، إلى جولياني، ليكون وسيطاً رئيسياً لأقارب القادة الأتراك بمَن في ذلك أحد أصهار أردوغان.

اقرأ أيضاً: ابن أردوغان.. إرث الفساد

وفي العام الماضي، تمكن متصل مزيف ادعى أنه وزير الدفاع التركي، من خداع السناتور الأمريكي ليندسي غراهام، وسجل مكالمته الهاتفية معه، حيث أكد غراهام أن ترامب كان حساساً جداً تجاه المخاوف التركية حول قضية بنك خلق، ويريد تقديم المساعدة.

اقرأ أيضاً: هل تدفع حكومة أنقرة ثمن سياستها الخارجية.. داخل الشارع التركي؟

لا يمكن الجزم بما عرضته تركيا على ترامب؛ ولكن مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، تحدث في نوفمبر 2019 عن وجود علاقات شخصية أو تجارية تحدد موقف ترامب من تركيا، كما أن ابنته إيفانكا أشادت، في تغريدة لها، بحضور الرئيس التركي أردوغان، حفل افتتاح أبراج ترامب في إسطنبول. وذكرت صحيفة “واشنطن إكزامينر” أن ترامب نفسه أشار ذات مرة إلى هذا الأمر، عندما قال “لديّ القليل من تضارب المصالح؛ لأنني أمتلك مبنًى كبيراً جداً في إسطنبول”.

من المثير للدهشة أن مصرفاً مملوكاً لدولةٍ حليفة للولايات المتحدة قد تحدى واشنطن من خلال مساعدة إيران على تجاوز العقوبات الأمريكية؛ لكن ما يثير القلق هو أن هذا المصرف قد تمكن من العثور على وكلاء أمريكيين دافعوا عنه وعملوا على منع الحكومة الأمريكية من معاقبته على سلوكه. وهذا أمر يتجاوز فساد الدفع مقابل الخدمات، ويصل إلى مستوى الدفع مقابل السياسات. إنه الفساد الاستراتيجي بعينه.

جرس الإنذار من لندن

بالنسبةِ إلى الولايات المتحدة وشركائها، يشكل الفساد الاستراتيجي ثلاثة مخاطر؛ أولها التهديد المباشر والواضح لنتائج السياسات الفاسدة، وثانيها الخطر العام المتمثل في تبني الدول المنافسة للفساد كأسلوب لتوسيع نفوذها على مستوى العالم كما فعلت الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، والخطر الثالث المتمثل في دول مثل روسيا والصين، التي تسعى لاختراق المؤسسات والحكومات الغربية بشكل مباشر من خلال مؤسساتها المصرفية وشركاتها العقارية الكبرى ومجموعات الضغط السياسي فيها، والإيحاء لشعوب هذه الدول بأن حكوماتها فاسدة وسياساتها الخارجية معروضة للبيع لمن يدفع أكثر من منافسيها الخارجيين.

وللحصول على فكرة شاملة عما يمكن أن تصل إليه الأمور عندما يستشري الفساد الاستراتيجي دون رادع، يكفي النظر إلى ما حصل في المملكة المتحدة؛ حيث يعتقد بوتين أنه تمكن من تحييد الشريك الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة إلى درجةِ أنه بات يشعر بالاطمئنان إِن استخدمَ أسلحةً غير مألوفة في عمليات الاغتيالات السياسية هناك.

اقرأ أيضاً: قصة الجاسوس سكريبال الذي فجر أزمة بين بريطانيا وروسيا

وقد حصل بوتين على هامش الحرية الكبير هذا باستغلال بعض نقاط الضعف في النظام البريطاني، والتي مكنت الأوليغارشية الروسية من إغراق لندن وقطاعها المالي بالأموال المشبوهة التي استغلوها في ما بعد؛ لفرض رقابة على محاولات فضح مخططاتهم، كما حصل عندما تراجعت مطبعة جامعة كامبريدج عن نشر كتاب إخصائية العلوم السياسية الأمريكية؛ كارين دويشا، “كليبتوقراطية بوتين”؛ خوفاً من أن يُغرقها الروس المذكور أسماؤهم في الكتاب في سيلٍ من دعاوى التشهير بمساعدة محامين بريطانيين رفيعي المستوى بالطبع.

اقرأ أيضاً: شراء صمت مختبرات التفكير الدولية والاستثمارات الخارجية.. هكذا تغسل قطر سُمعتها

تنظيف البيت الداخلي

تعاظم خطر الفساد الاستراتيجي إلى درجةٍ لم يعد يكفي معها الاعتماد على المدعين العامين الفيدراليين لمكافحته؛ بل أصبح الأمر بحاجةٍ إلى أن يكون في مركز السياسة الأمنية الخارجية والوطنية، وذلك يحتاج إلى حملات عامة لترصد الفساد وتعديل التشريعات وتشديدها، ووضع حد لاعتماد واشنطن على العقوبات الاقتصادية التي ستتناقص فعاليتها مع تمكن الخصوم من إيجاد آليات بديلة.

ولتجنب مصير لندن، يجب على واشنطن اتخاذ إجراءات جوهرية وعميقة لتعزيز الشفافية، وتتمثل الخطة الأولى في تشديد الرقابة على الشركات محدودة المسؤولية؛ حيث أقر مجلس النواب في العام الماضي قانون شفافية الشركات. كما تحتاج إلى تشريعاتٍ تصعِّب إجراءات دعاوى التشهير التي لا أساس لها، التي تهدف إلى مضايقة منتقدي الفساد.

اقرأ أيضاً: بدء تنفيذ العقوبات الأمريكية على إيران: ما السيناريوهات المرتقبة؟

ربما تؤدي عملية مكافحة الفساد الاستراتيجي أحياناً إلى تشويش الحدود التقليدية بين مكافحة التجسس وتطبيق القانون والدبلوماسية. وهذا أمر قد يثير المشكلات للحكومة الفيدرالية، وربما يسقطها في فخ التسييس، ولكن لا يمكن ترك الحرب على الفساد الاستراتيجي لمكتب المدعي العام أو وزارة الخزانة، كما أن قضية محاربة الفساد الاستراتيجي ينبغي ألا تكون قضية حزبية؛ بل يجب أن توحد جميع دعاة الشفافية، ومن يريدون محاربة سلطة المحسوبية.

اقرأ أيضاً: السياسيون الصادقون لن يصلحوا الفساد

وعلى الرغمِ من انحسار وتراجع إجراءات مساءلة وعزل الرئيس ترامب؛ فإن فضيحة أوكرانيا الكارثية التي عجَّلت بهذه الإجراءات لا تزال تمثل فرصة سانحة. فبدلاً من مجرد المساهمة في الاستقطاب والخلل الوظيفي المتفشي في واشنطن، يمكن لهذه الفضيحة وغيرها أن تساعد في إعادة ضبط أجندة عمل السياسات. فضيحة أوكرانيا ليست مجرد إنذار بشأن الرئيس الحالي؛ بل هي إنذار وطني يلقي الضوءَ على حقيقة أن الحكومات الضعيفة أصبحت معرضة لشكل جديد من الحرب السياسية في استراتيجية تستغل الحريات لتشويه سمعتها.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة