الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةفلسطينيات

نزع القداسة عن الخلافة.. الاستيطان الصهيوني لفلسطين في العهد العثماني

هل سمحت فعلا الدولة العثمانية بتسجيل أراض فلسطينية باسماء يهود

قبل بدء الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها بقوة السلاح، كان اليهود قد شكلوا نواتهم الأولى في فلسطين مستغلين الفساد الإداري في أواخر حكم دولة الخلافة العثمانية وبداية تهاويها. وبالعودة للتاريخ كانت عدة مستوطنات يهودية قد شيدت في فلسطين بتواطؤ هذه الخلافة.

كيوبوست: عنان العجاوي- بسط العثمانيون سيطرتهم على فلسطين ضمن إمبراطوريتهم الممتدة بعد هزيمة المماليك عام 1516، وقسموها إلى خمسة سناجق (مقاطعات)، جميعها كانت تابعة لولاية دمشق، وكان الحكم طوال تلك الفترة خارجاً من يد الفلسطينيين.

لكن في بداية القرن الثامن عشر، ثار الفلسطينيون ضد الفساد الإداري والاستغلال ونهب الضرائب والتجنيد الإجباري الذي تفشى في سائر أنحاء سيطرة الخلافة. بدءاً من ثورة ظاهر العمر الزيداني (1695 – 1775) الذي حاول إقامة دولة مستقلة عن الاتراك، مروراً بانتفاضة نقيب الأشراف محمد الوفائي الحسيني 1703-1705.

إلا أن الدولة التركية استطاعت بالقوة إخماد جميع الثورات، حتى دخلت منذ منتصف القرن التاسع عشر في عصر الانقسامات والفساد، فاستطاع رأس المال اليهودي استغلال هذا الفساد، برشوة الموظفين الأتراك بما يعرف حتى يومنا هذا “البقشيش”، لإقامة نواة لأحياء يهودية على أرض فلسطين.

وشهد عام 1855 إقامة أول حي سكني يهودي في القدس (مشكانوت شعنانيم) بأموال الثري اليهودي البريطاني “موشي منتيفيوري”.

وسار فساد وتسلط الدولة العثمانية على نحو خدم المشروع الصهيوني، إذ أجبر صدور قانون تسجيل الأراضي “الطابو” عام 1858 الملاك الفلسطينيين الصغار على تجنب تسجيل الأرض بأسمائهم بسبب ارتفاع الرسوم، والخوف من دفع الضرائب، فتم تسجيل معظم الأراضي رسمياً بأسماء تجار ومرابين وجامعي ضرائب ومتنفذين حكوميين، وهو ما أدى إلى ظهور طبقة الإقطاع.

بعد ذلك التاريخ بعامين (1860) اشترى اليهود أول قطعة أرض قرب بحيرة طبريا، بنوا عليها 20 مسكناً لمهاجرين يهود جدد، لتبدأ بذلك أولى الخطوات العملية للاستيطان اليهودي في فلسطين. وساعد على توغل اليهود في أنحاء فلسطين صدور فرمان تملّك الاجانب 1869 الذي أدى لتسرب يهود من حملة الجنسيات الأجنبية وتمكنهم من شراء المزيد من الأراضي لبناء المستعمرات، وفعليا أقيمت في 1870 مستوطنة “مكفيه إسرائيل”، وفق الحقبة التاريخية الموثقة في الموسوعة الفلسطينية

وشهدت الفترة التالية تزايدًا مضطردا في الاستيطان اليهودي، بدخول جمعية الهيكل الألماني برئاسة “كريستوف هوفمان” 1878 على خط السيطرة على الأراضي، وبناء تجمعات للمستوطنين على الساحل: حيفا ويافا. ثم المستوطنة الأكبر في فلسطين، “بتاح تكفا” (معناها: فاتحة الأمل) قرب يافا، وبنيت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ويبلغ سكان “بتاح تكفا” اليوم 200 ألف مستوطن.

وفي عام 1882 بنيت مستوطنة “ريشون ليتسيون” إذ عرضتها الحكومة العثمانية للبيع في مزاد علني بعد عجز أهلها عن تسديد الضرائب، فاشتراها يهود روس، وفي ذات العام بنيت مستوطنتا “زخرون يعقوب” و”روش ليتاح”. تلاهما في 1883، مستوطنتان أخريتان هما “يسود همعله” و”نيوز يونا”. وقد أقيمت المستوطنات حينها بأساليب التحايل واستغلال ضعف الأنظمة والقوانين، أو برشوة الموظفين الأتراك.

واستمرت وتيرة الاستيطان اليهودي في أواخر العهد العثماني، (كانوا يقيمون من مستوطنة إلى ثلاث مستوطنات سنوياً، وذلك خلال الفترة الواقعة بين عام 1870 إلى 1918م). معظمها كانت للمليونير اليهودي دي روتشيلد الذي أشرف على تشييد وإدارة هذه المستوطنات، وقد تولى إنشاء المستوطنات اليهودية في فلسطين خلال العهد العثماني حتى وصل عددها إلى”39″ مستوطنة يسكنها “12” ألف مستوطن، ثم بلغ عددها حتى عام 1914 “47” مستوطنة.

خلال التمدد الصهيوني في فلسطين، جرت مفاوضات ولقاءات متعددة بين مؤسس الحركة الصهوينية ثيودور هرتزل وقادة أتراك. كان اللقاء الأول بين هرتزل والصدر الأعظم خليل رفعت، في اسطنبول، قبل مؤتمر بازل بعام واحد، ووقتها أهدى الأخير هرتزل الوسام المجيدي العثماني من الدرجة الثالثة.

وفي تلك فترة كانت الدولة العثمانية تتعرض لحملة إعلامية عارمة بسبب ارتكابها لمجاز ضد “الأرمن”، ما دفع بهرتزل لزيارة اسطنبول مرة ثانية عام 1914 ولقاء السلطان عبد الحميد الثاني، الذي طلب مساعدة المؤسسات الإعلامية اليهودية لتحسين صورة الدولة التركية فيما يخص قضية الأرمن، فيما طرح هرتزل قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي نهاية اللقاء أهدى السلطان لهرتزل (الوسام المجيدي من الدرجة الأولى)، ورد الأخير بإهداء آلة كاتبة صنعت خصيصاً لجلالة السلطان.

وأثناء هذه اللقاءات وقبلها، كانت الدولة العثمانية التركية قد أصدرت للرأي العام فرمانات كثيرة تقيّد الهجرة اليهودية، وتنفي بيع فلسطين لليهود. إلّا أنها وفي ذات الوقت، سجلت الأراضي التي اشتراها اليهود بأسمائهم.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة