الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

كيوبوست – ترجمات

أليساندرو أردوينو

كما كانت الحال في التسعينيات، يبدو أن المناوشات الحدودية في ناغورنو كاراباخ، بين أرمينيا وأذربيجان، تتصاعد لتتحول إلى صراع واسع النطاق. فالجيب الجبلي هو جزء من أذربيجان؛ لكن تتم إدارته من قِبل السكان ذوي الأصل الأرميني الذين يمثلون غالبيته، وهو غير مُعترف به دولياً ككيان مستقل. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، أدت الحرب في ناغورنو كاراباخ إلى مقتل 30 ألف شخص.

وفي عام 2020 هناك فارق مهم؛ وهو أن النزاع الذي اندلع خلال الأسبوع الماضي ينطوي على استخدام طائرات مسلحة أجنبية دون طيار، ويُزعم أنه يتم تشغيلها من قِبل مرتزقة. وهذا يزيد من احتمال تحول الصراع إلى معركة طاحنة؛ حيث يخفِّض إمدادات الرجال والعتاد من المرتزقة والأسلحة من الدول الأخرى التكلفة على المقاتلين الأساسيين.

اقرأ أيضاً: باحث جورجي لـ”كيوبوست”: تركيا تدعم أذربيجان ولا ترغب في التورط مع روسيا

وقد أعلنت تركيا بالفعل دعمها الكامل لأذربيجان، في حين أن أرمينيا جزء من منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا. وهذا يعني أن القتال في ناغورنو كاراباخ يمثِّل جبهة ثالثة غير مباشرة محتملة، تضم وكلاء روسيين وأتراكاً بعد سوريا وليبيا. 

وزعمت وزارة الدفاع الأرمينية أن الجيش الأذربيجاني يقوم بتصعيد عملياته؛ بما في ذلك نشر الدعم الجوي القتالي التركي والمرتزقة السوريين. بينما أشارت موسكو إلى أنها تفضِّل التوسط في النزاع بدلاً من الانضمام إليه؛ لكن أي تصعيد يخاطر باستدراج المزيد من القوى الإقليمية، مثل إيران.

آثار القصف على مدينة كنجة في أذربيجان- “رويترز”

ومع اشتعال اشتباكات قوية بين أرمينيا وأذربيجان من جديد، تبادلت الحكومتان الأرمينية والأذربيجانية وابلاً من التغريدات على “تويتر” تنافس مبارزاتهما المدفعية، وتضيف مزيداً من الوقود إلى النار. وتسلط هذه التغريدات، التي زادت من حدتها النزعة القومية والتصيد الذي ترعاه دول أجنبية، الضوء على الدور البارز الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في الحرب الحديثة.

وقد اتهمت أذربيجان الجيش الأرميني بالاستخفاف التام بالخسائر في صفوف المدنيين من خلال استخدام وابل من المدفعية بعيدة المدى. كما جاءت الاتهامات الأرمينية بالحدة نفسها، بينما أنكر الجانبان هذه الادعاءات.

اقرأ أيضاً: أردوغان يلوح مجدداً بورقة “المرتزقة السوريين” في صراع أذربيجان- أرمينيا

وفي الماضي، كانت الحرب النفسية مجالاً لمكبرات الصوت والمنشورات التي تُلقى من الجو. أما الآن فقد انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني؛ حتى إن هناك مقطع فيديو أذربيجاني على “يوتيوب” يُعرض مع مقطوعات من موسيقى الميتال. وربما كان هذا الفيديو ملائماً لهذا النوع من الموسيقى؛ فهو يُظهِر عازفي موسيقى الروك يعزفون على خلفية من طائرات الهليكوبتر والدبابات وقاذفات الصواريخ المتحركة التي تنفجر كما هو متوقع مع اقتراب الموسيقى من ذروتها.

لكن أكثر ما يثير القلق هو ما يتردد عن وجود مرتزقة سوريين تعاقدت معهم تركيا؛ لدعم أذربيجان. ويبدو أن استخدام المرتزقة آخذ في التوسع من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى منطقة القوقاز. ولعل عامل الخوف المرتبط بوجود مقاتلين أجانب لا يعرفون الرحمة ليس بجديد؛ حيث نجد استخدام المرتزقة المعروفين بمهاراتهم القتالية وعدم احترامهم الصارخ لقواعد الحرب متغلغلاً في التاريخ.

المرتزقة السوريون الذين أرسلتهم تركيا لدعم الجبهة الآذرية حسب ما أعلنته وكالة “رويترز”

وعلى سبيلِ المثال، شمل الجيش البيزنطي من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الحرس الفارانجي، الذي كان يتكون من الشماليين القادمين من الدول الإسكندنافية والروس القادمين من كييف الذين كانوا يقاتلون بالفؤوس وينشرون الرعب في معسكر العدو بمجرد وجودهم. وقد ظهرت بالفعل على الإنترنت أنباء عن قيام الآلاف من المرتزقة السوريين بفرض الشريعة، مع التأثير نفسه الذي تخلفه لافتات الغربان الفارانجية في ساحة المعركة.

اقرأ أيضاً: تركيا والإسلام وآسيا الوسطى.. الأنشطة والنتائج

ومن جانبها، أدانت موسكو بشدة الاستخدام المزعوم للمرتزقة والإرهابيين الأجانب في ناغورنو كاراباخ، واعتبرت وجودهم تهديداً للمنطقة بأسرها؛ لكن المفارقة أن روسيا هي من ابتكرت هذا النموذج، حيث طورت تركيا نسختها الخاصة من الحرب الهجينة التي اختبرتها روسيا في أوكرانيا وليبيا.

 فقد حاكى عدنان تانريفردي؛ مؤسس شركة “صادات للاستشارات الدفاعية الدولية” والمتخصص في فنون الحرب المظلمة؛ يفغيني بريجوزين، الذي يُعتبر العقل المدبر وراء خصخصة الرئيس فلاديمير بوتين للحرب عبر مجموعة فاجنر؛ حيث يقود تانريفردي، وهو عميد سابق في القوات المسلحة التركية، طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان، في إنشاء جيش تركي خاص. ومع ذلك، لطالما أنكر تانريفردي علناً أية مشاركة نشطة من قِبل الشركة في الصراعات الجارية.

الرئيس التركي أردوغان يتحدث عن النزاع في ناغورنو كاراباخ أمام البرلمان في أنقرة- أكتوبر 2020- “أسوشييتد برس”

وتعكس أحداث ناغورنو كاراباخ التحولات الأساسية التي سوف تتسم بها الحرب في المستقبل القريب؛ فنحن في مرحلة تحول، والصراعات المختلطة في أوكرانيا وليبيا واليمن وموزمبيق هي مؤشرات واضحة على ما هو آت؛ حيث أدى زوال النظام العالمي ثنائي القطب إلى دفع صعود الشركات الخاصة التي تقدم خدمات على الطراز العسكري كجزء من نموذج أعمالها الأساسي. وهو ما يبشر بحلول عصر الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعمل بعيداً عن الأنظار، وتشن الحروب نيابة عن أو على أصول الحكومات المركزية.

ورغم اختلاف خدماتهم من حيث الأسعار والقدرات؛ فإن المرتزقة جميعاً يقدمون نتيجة قيمة واحدة هي القدرة على الإنكار العلني. كما أن استخدام المرتزقة هو أيضاً وسيلة فعالة للحفاظ على أرواح الجنود الوطنيين في القوات المسلحة الصغيرة والمدربة تدريباً جيداً. وإذا لم تنجح الضغوط الحميدة التي تمارسها القوى الخارجية على أرمينيا وأذربيجان في تخفيف حدة القتال في القريب العاجل، فإن أي مفاوضات من أجل تحقيق سلام سريع سوف تخرج عن مسارها. 

اقرأ أيضاً: التحديات التركية للأمن الدولي

وربما يواجه العديد من الأشخاص صعوبة كبيرة في العثور على ناغورنو كاراباخ على الخريطة، ناهيك بالاهتمام بما يحدث هناك؛ ولكن يجدر بنا الانتباه إلى هذا النزاع لتبيُّن عدة اتجاهات مهمة يمكن أن تصبح واسعة الانتشار، مثل الاستعانة بمتعاقدين عسكريين خاصين للقتال نيابة عن الدولة، والاستخدام المتطور لوسائل التواصل الاجتماعي لإثارة المشاعر القومية، وتكثيف المنافسات الجيوسياسية، والزعماء الأقوياء -في هذه الحالة، أردوغان– الذين ينظرون إلى العضلات العسكرية باعتبارها تذكرة لمقعد على الطاولة الكبرى.  

♦باحث رئيس وزميل في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية، ومتخصص في الأدوار التي يؤديها المقاولون العسكريون الخاصون وتكنولوجيا الحرب الحديثة.

المصدر: ساوث تشينا مورنينج بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة