الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

نزاع غزة يثير أزمة هوية بين اليهود الأمريكيين الشباب

جيل جديد يواجه صراع المنطقة من منظار مختلف تماماً.. ومع ضغوط مختلفة تماماً عن جيل آبائهم وأجدادهم

كيوبوست- ترجمات

إليزابيث دياز وروث غراهام

تنتاب دان كلاينمان مشاعر متضاربة، فعندما كان طفلاً في بروكلين تعلم أن يقدس إسرائيل باعتبارها حامية اليهود في كل مكان، “سوبرمان اليهودي الذي سيأتي من السماء لينقذنا عندما نقع في مشكلة”، على حد تعبيره.

كانت إسرائيل الملجأ في ذهنه عندما يسمع هتاف العنصريين البيض في شارلوتسفيل- فرجينيا “لن يحل اليهود محلنا”، أو عندما كان الأولاد في المدرسة يمسكون بقميصه مقلدين حلقة مسلسل “ساوث بارك”؛ ليسرقوا “ذهب اليهودي”.

ولكن مشاعره كانت تصبح أكثر تضارباً مع تقدمه في السن؛ خصوصاً الآن وهو يشاهد العنف المندلع في إسرائيل وغزة. بوصلته الأخلاقية تشير له بأن يساعد الفلسطينيين؛ ولكنه لا يستطيع التخلص من جنون الاضطهاد المتأصل كلما سمع أحداً يقول كلاماً معادياً لإسرائيل.

يقول السيد كلاينمان ذو الثلاثة وثلاثين عاماً: “إنها أزمة هوية، إنها مشكلة صغيرة للغاية بالمقارنة مع ما يحصل في غزة والضفة الغربية؛ ولكنها شيء غريب جداً”.

اقرأ أيضاً: أبراهام بورغ: “لماذا قررتُ التنازل عن يهوديتي؟”

مع تصاعد العنف في الشرق الأوسط، تتنامى اضطرابات من نوع آخر على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي. يواجه الكثير من اليهود الأمريكيين الشباب الصراعَ المزمن في المنطقة من منظورٍ مختلف تماماً، مع ضغوط مختلفة تماماً من جيل آبائهم وأجدادهم.

فإسرائيل التي عاصروها هي دولة قوية، ولم تعد تبدو للبعض تحت تهديد وجودي مستمر. جاء العنف بعد عام من الاحتجاجات الكبيرة التي اندلعت في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، والتي غيَّرت رؤية الأمريكيين لقضايا العنصرية والظلم الاجتماعي. أصبح الموقف المؤيد للفلسطينيين أكثر شيوعاً؛ حيث ألقى العديد من الأعضاء التقدميين البارزين في الكونغرس خطاباتٍ حماسية دفاعاً عن فلسطين في قاعة مجلس النواب. بينما تتزايد في الوقت نفسه التقارير حول معاداة السامية في مختلف أنحاء البلاد.

ركام مبنى هدمته غارة جوية إسرائيلية في مدينة غزة- “نيويورك تايمز”

يزداد الشقاق بين بعض اليهود الأمريكيين، وحكومة إسرائيل اليمينية، منذ أكثر من عقد من الزمن؛ ولكن في ظل إدارة ترامب توسعت هذه الهوة كثيراً بعد أن كان كثيرون يأملون في أن تزول. كما أن السياسة في إسرائيل ظلت مشحونة بالتوتر؛ حيث أدت حكومة بنيامين نتنياهو المزمنة الولاء لواشنطن. وقد تعمق الاستقطاب السياسي حول هذا الولاء بين جيل الشباب الذين بلغوا سن الرشد خلال سنوات ترامب.

لا يزال الكثير من اليهود في أمريكا يدعمون إسرائيل وحكومتها بلا تحفظ، ومع ذلك، فإن أحداث الأسابيع الأخيرة تركت بعض العائلات تكافح للمناورة بين الأزمة في إسرائيل ورد الفعل واسع النطاق من اليهود الأمريكيين. وما هو على المحك ليس أمراً جيوسياسياً فحسب؛ بل هو أمر شخصي إلى حد كبير. فالانقسامات تتعمق على خطوط السن والالتزام الديني والانتماء الحزبي.

في ضاحية ليفينغستون- نيوجيرسي كانت ميارا أشتيفكر، ذات الثمانية والثلاثين عاماً، تخشى على والد زوجها في إسرائيل الذي كان يعاني إعاقة جسدية، ولا يستطيع الجري إلى ملجأ يحتمي به عند سماعه صفارات الإنذار. وهي أيضاً تشعر بخوفٍ شديد عندما ترى الناس في دوائرها التقدمية، وقد أصبحوا فجأة معادين لإسرائيل واليهود.

اقرأ أيضاً: حاخامات يدعمون “حماس”

قالت السيدة أشتيفكر، المتزوجة من إسرائيلي، إنها تحب وتدعم إسرائيل على الرغم من أنها لا تتفق دائماً مع حكومتها وأفعالها. “أصبح من الصعب حقاً أن تكون أمريكياً داعماً لإسرائيل الآن. إنه أمر متعب ومخيف”.

وجد بعض الناشطين اليهود الليبراليين قضية مشتركة مع حركة “حياة السود مهمة” التي تدعو صراحة إلى تحرير فلسطين؛ مما أثار قلق آخرين ممن يرون هذا التحالف على أنه معادٍ للسامية.

الاضطرابات الأخيرة هي أول اندلاع لأعمال العنف في إسرائيل تشهده آفيفا ديفيس، التي تخرجت هذا الربيع في جامعة برانديز.

تقول ديفيس: “أنا أبحث عن الحقيقة؛ ولكن ما الحقيقة عندما ينظر كل شخص بطريقة مختلفة إلى الأشياء؟”.

شخص يلوح بعلم إسرائيل من نافذة قرب القنصلية الإسرائيلية في نيويورك- “نيويورك تايمز”

إليسا روبن، 26 عاماً من بوسطن، التي تطوعت مع مجموعة “إذا لم يكن الآن” -وهي شبكة من الناشطين اليهود الذين يعملون على إنهاء دعم اليهود الأمريكيين للاحتلال الإسرائيلي- وجدت في التظاهر من أجل القضية الفلسطينية طريقتها الخاصة في ممارسة التزامها الديني.

وهي ترى أنها تشترك مع جدها ذي التسعة والثمانين عاماً في نفس الحرص على سلامة اليهود. وتقول: “ولكنه يؤمن إيماناً راسخاً برواية أن الأمر الوحيد الذي يوفر لنا الأمان هو أن يكون لنا دولتنا الخاصة”. بينما يرى أبناء جيلها أن “عدم المساواة قد تفاقم بشكل كبير جداً”.

وقالت أيضاً إن حركة الاحتجاجات التي وقعت الصيف الماضي “كانت موجة جديدة من الناس المهيئين حقاً لرؤية الصلة وفهم العنصرية بشكل أكثر وضوحاً؛ لفهم الطرق التي تنتشر بها العنصرية هنا، ثم النظر إلى إسرائيل/ فلسطين وإدراك أن الأمر نفسه ينطبق هناك”.

اقرأ أيضاً: “القِدر والغطاء” في “طبخة” القدس الشرقية

ولكن هذه المقارنة هي بالضبط ما يقلق الكثير من اليهود الأمريكيين الآخرين الذين يقولون إن تاريخ الأمريكيين البيض الذين كانوا يملكون العبيد لا يشكل الإطار الصحيح للنظر إلى الحكومة الإسرائيلية أو إلى تجربة اليهود العالمية مع الاضطهاد.

في معبد كونكورد، وهو معبد يهودي إصلاحي في سيراكوز- نيويورك بدأ المراهقون واحداً تلو الآخر، الأسبوع الماضي، بالاتصال مع الحاخام دانييل فيلمان، متسائلين حول كيفية التعامل مع حقيقة أن ناشطي حركة “حياة السود مهمة” الذين تضامنوا معهم الصيف الماضي، يهاجمون إسرائيل بصفتها “دولة فصل عنصري”.

قال الحاخام فيلمان: “رد الفعل اليوم مختلف تماماً بسبب ما حدث هنا في هذا العام أو هذا العام ونصف العام الماضي. وبصفتنا جالية يهودية نحن ننظر إلى الأمر من زاويةٍ مختلفة”.

بالقرب من مجمع “شعاري توراه الأرثوذوكسي” في سيراكوز، كان المراهقون يفكرون في زياراتهم إلى إسرائيل، وفي أقربائهم في المنطقة. وقال الحاخام إيفان شور: “إنهم يرون أن (حماس) منظمة إرهابية تطلق الصواريخ على المدنيين في إسرائيل، لا يمكنهم فهم سبب دعم العالم للإرهاب على إسرائيل”.

مبنى في أشدود أُصيب بصاروخ أطلق من غزة- “نيويورك تايمز”

في كولورادو، قال طالب في المرحلة الثانوية في مدرسة دنفر اليهودية، إنه يشعر بالإحباط؛ بسبب فقدان التناسق في الخطاب العام، فعندما امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي التي يتابعها بالتعليقات الداعمة للفلسطينيين والشعارات؛ مثل “من النهر إلى البحر”، و”الصهيونية هي دعوة إلى دولة فصل عنصري”، قام هذا الطالب بغلق حساباته على هذه المواقع.

قال جوناس روزنتال، ابن الثمانية عشر عاماً: “الحوار غير مثمر بالمرة، وعدواني للغاية لدرجة أنه يصيبك بالتوتر. وأنا لا أعتقد أن استخدام ذلك النوع من الخطاب يساعد في إقناع الإسرائيليين بالتوقف عن قصف غزة”.

بالمقارنة مع مَن هم أكبر سناً، فإن اليهود الأمريكيين الشباب أكثر حضوراً في أقصى جانبي طيف الالتزام الديني اليهودي، نسبة أعلى من العلمانيين، ونسبة أعلى من المتشددين.

 اقرأ أيضاً: هل تزيح “حماس” منظمة التحرير؟

تقبَّل آري هارت، 39 عاماً، وهو حاخام متشدد من إيلينوي، حقيقة أن دعمه للصهيونية يجعل منه شخصاً غير مرحب به في بعض فعاليات النشطاء التي كان ليشعر بالارتياح لوجوده فيها لولا ذلك. وهو يرى أن الطلاب الجامعيين في جماعته قد بدأوا يشعرون بالتوتر نفسه. ويقول: “تذهب إلى حرم إحدى الجامعات للمشاركة في عمل مناهض للعنصرية، أو مؤيد للعدالة الاجتماعية؛ ولكن إذا كنت تدعم دولة إسرائيل تصبح أنت المشكلة”.

يرى الحاخام هارت شكوكاً متزايدة بين أوساط اليهود الليبراليين حول حق إسرائيل في الوجود. ويقول: “هذا جيل متأثر بشدة ومدفوع بقضايا العدالة الاجتماعية، ويرغب في أن يكون على الجانب الصحيح من العدالة؛ ولكنهم يقعون في سرديات مفرطة في التبسيط، ويتم التسويق لها من قِبل أعداء حقيقيين للشعب اليهودي”.

اقرأ أيضاً: قصة حي الشيخ جراح في القدس.. شرارة الحرب

وبشكل عام، اليهود الأمريكيون الأصغر سناً هم أقل ارتباطاً بإسرائيل ممن ينتمون إلى الأجيال الأكبر. يصف نحو نصف اليهود ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً أنفسهم بأنهم مرتبطون عاطفياً بإسرائيل، بالمقارنة مع ثلثَي من تجاوزوا 64 عاماً، وفقاً لاستطلاع كبير نشره الأسبوع الماضي مركز بيو للأبحاث.

وعلى الرغم من أن 92% من اليهود الأمريكيين هم من البيض، بينما تمثل جميع الأعراق الأخرى 8%، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 15% بين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً.

في لوس أنجلوس، ترى راشيل سوميك، وهي يهودية أمريكية من الجيل الأول، تبلغ تسعة وعشرين عاماً، طبقاتٍ متعددة في قصة عائلتها الفارسية؛ فقد هربت والدتها من إيران على ظهر جمل تحت جنح الليل حتى وصلت إلى باكستان، حيث تم استقبالها كلاجئة، قبل أن تحصل على اللجوء في إسرائيل. وهي تعتقد أن إسرائيل تمتلك الحق في تقرير المصير؛ ولكنها أيضاً ترى أنه من “المرعب” أن تسمع سفيراً إسرائيلياً يقترح على الدول العربية استقبال الفلسطينيين.

يهود يتظاهرون دعماً للفلسطينيين في واشنطن- “نيويورك تايمز”

وتقول: “هذا ما حدث لشعبي، وخلق هذه الصدمة العابرة للأجيال، نتيجة فقداننا وطننا نتيجة الكراهية”.

يبدو الموقف برمته متقلباً وخطيراً بالنسبة إلى كثيرٍ من الناس الذين يرغبون في مناقشته؛ خصوصاً بشكل علني.

العنف ضد اليهود بدأ يلوح في الأفق؛ في العام الماضي تم تسجيل ثالث أكبر عدد من الحوادث المعادية للسامية في الولايات المتحدة، منذ أن بدأت رابطة مكافحة التشهير في تصنيفها الذي بدأته منذ عام 1979، وفقاً لتقرير أصدرته منظمة الحقوق المدنية الشهر الماضي. سجلت رابطة مكافحة التشهير أكثر من 1200 حادثة مضايقات معادية للسامية عام 2020، بزيادة قدرها 10% عن العام الماضي. تحقق الشرطة في لوس أنجلوس في هجومٍ كبير على رواد مطعم سوشي، على أنه جريمة معاداة للسامية.

نشأت جينيفر كابلان، 39 عاماً، في عائلة عصرية متدينة في ضواحي كليفلاند، تعتبر ديمقراطية وسطية وصهيونية، تتذكر دراستها في الخارج في الجامعة العبرية عام 2002، عندما كانت في الكافتيريا قبل دقائق من قصفها. وهي تتساءل الآن: كيف أثرت حقبة ترامب على ميلها لرؤية الإنسانية في الآخرين، وتتمنى لو كان أولادها أكبر قليلاً لتتحدث معهم حول ما يحدث، وتقول: “أريدهم أن يفهموا أن هذا الوضع معقد جداً، وأنه يجب عليهم التفكير في الأمور. أريدهم أن يفهموا أن الأمر ليس مجرد… لا أعرف، على ما أعتقد، مجرد يوتوبيا الدين اليهودي”.

اقرأ أيضاً: اليوم الذي يلي وقف إطلاق النار

قضت إستير كاتز؛ مديرة الفنون في مركز الجالية اليهودية في أوماها، وقتاً طويلاً في إسرائيل، وشاركت في احتجاجات حركة “حياة السود مهمة” في أوماها في الصيف الماضي، وترفع لافتاتٍ تدعم الحركة على نوافذ بيتها، شعرت بنوع من الخيانة عندما نشر بعض حلفائها في الحركة على مواقع التواصل ما يبدو أنه دعم واضح للفلسطينيين. وقالت السيدة كاتز اليهودية المحافظة: “لقد أجريت بعض المكالمات الصعبة حقاً، إنهم لا يرون الحقائق، إنهم يصدقون الدعاية فقط”.

والآن يساور القلق أطفالها الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاماً على بلد هو بالنسبة إلى السيدة كاتز أحد أهم الأماكن في العالم. قالت كاتز: “يقولون إنهم لا يفهمون لماذا يريد أي شخص العيش في إسرائيل، أو حتى زيارتها”. وأضافت “إن ذلك يكسر قلبي”.

♦الكاتبتان:

إليزابيث دياز: صحفية تغطي قضايا الدين والسياسة من واشنطن، لصحيفة “نيويورك تايمز”.

روث غراهام: مراسلة محلية تغطي قضايا الأديان والإيمان والقيم لصحيفة “نيويور تايمز”.

المصدر: ذا نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة