الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

نزار قباني.. الشاعر الذي فضَّل جنون البحر على شيخوخة المرافئ

حوار قديم امتد إلى ساعة ونصف الساعة.. تحدث فيه الشاعر السوري الراحل نزار قباني عن نفسه خلال مراحله العمرية المختلفة

كيوبوست

لم يكن شاعر المرأة والحب فقط؛ بل كان نزار قباني الشاعر المتمرد على جمود الواقع والشعر، وهذا ما ظهر في حوارٍ له، أجرته مقدمة برنامج “السهرة المفتوحة” الذي كان يُعرض على قناة “إم بي سي”، كوثر البشراوي، عام 1993م، والذي وصف نفسه قائلاً: “أنا شاعر أمضيت خمسين عاماً من عمري بالقتال من أجل الحب والحرية والحق والحقيقة”؛ فوظيفة الشاعر وفقاً لنزار تكمن في تغيير العالم في حدود إمكاناته. وفي ما يتعلق بدوره كشاعر، أعرب عن اعتقاده بأنه استطاع أن يقاتل الخرافة.

البيت الدمشقي

خلال الحوار الذي امتد إلى ساعةٍ ونصف الساعة، تحدث الشاعر السوري نزار قباني (1923م- 1998م) عن نفسه خلال مراحله العمرية المختلفة، والبداية كانت من دمشق وبيت العائلة الدمشقي، فقال: “دمشق هي الرحم الأول الذي تشكلتُ فيه، وبيتنا كان البطل في قصائدي؛ لأنه أعطاني المواد الأولية التي ساعدتني أن أكون شاعراً”، مشبهاً البيوت الدمشقية الواقعة في الأحياء الشعبية بقارورة عطر، أما دمشق فكانت لا تزال تلاحقه حيثما ذهب، ورائحة الياسمين تتكمش في ثيابه وقصائده.

بيت عائلة الشاعر نزار قباني- أرشيف

ثم تطرق نزار إلى الحديث عن أهل البيت؛ فقد شبَّه والدته التي ورث عنها، حسب وصفه، الغريزة النباتية والعشق الأخضر، بوزيرة الزراعة، فقد كان لديها كل أصناف الزهور الجميلة، بينما وصف والده الذي كان طليعياً وتقدمياً بأنه كان “مزيجاً بين الماء والنار”، وأخذ منه هو “الصفة المتطرفة”، فقال: “أنا لا أقبل أن أكون بالمنطقة الوسطى”، هذا ما تعلمه من والده الذي كان يصنع الحلم كمالك لمصنع سكاكر، وثائراً عندما سخَّر بيته مركزاً للتجمعات الشعبية والقومية، ومقاومة الانتداب الفرنسي.

أوّل القول

على ظهر سفينة مبحرة، كتب نزار قباني أول بيت شعر له، معتبراً أن المكان بحد ذاته (سفينة مبحرة) يحمل معنى المغامرة، وأنه بقي مبحراً منذ تلك اللحظة، كما  الهولندي الطائر الذي حُكم عليه أن يبقى مبحراً بحثاً عن مرفأ يقف عليه فلم يجده، مشيراً إلى أنه لم يكن متحمساً للمرافئ التي اعتقد أنها ترمز إلى الشيخوخة، مفضلاً عليها جنون البحر.

نزار قباني طفلاً- أرشيف

وسبق بيت الشعر الأول عدة محاولات فنية بحثاً عن الذات خلال الفترة ما بين 15 و20 عاماً، وذكر أنه كان محتاراً؛ فقد بدأ خطاطاً، ثم رساماً، ثم مغنياً؛ لكنه مرّ بتجربة أدرك من خلالها أنه بنصف موهبة، فأقلع عن الغناء، وبالأخير رسا على الشعر الذي كان حصيلة لكل تلك الأشياء معاً؛ ما أثرى بيوته الشعرية بالصور المرسومة والجمل المغنّاة.

الشعر والشعر الحر

عرَّف نزار الشعر على أنه موقف حضاري، وعند سؤاله عن موقفه من الشعر الحر، أوضح أن مصطلح “الشعر الحر” أسيء فهمه؛ ففي البدايات استخدمه شعراء عراقيون، وكانوا يقصدون من خلاله تغيير “نوتة” الشعر العربي عبر اللعب على التفعيلة لخلق إيقاعات جديدة، والتخفيف من غلو وديكتاتورية الشكل الخارجي للشعر العربي؛ لأن الشعر لا يجوز أن يبقى حجرياً، وفقاً لنزار؛ لكن بعد ذلك استلم قصيدةَ النثر أشخاصٌ غير أكفاء وغير موهوبين، كما استعملت الحرية بشكل خاطئ؛ فلا شعر دون نظام.

الشاعر نزار قباني- أرشيف

وفي سياقٍ متصل، تحدث عن إدخاله كلمات عامية في شعره كمأخذ أُخذ عليه؛ فقال: “القاموس ليس مقبرة وليس ضريحاً؛ ففيه ألف كلمة ميتة لا نستعملها، وأنا لا أتعامل مع الموت بل مع الحياة والأحياء، ومن خلالها يمكن خلق شعر عظيم”، موضحاً أن العرب يعانون ازدواجية لغوية كبيرة؛ فنحن نملك لغتَين، لغة القاموس ولغة الناس، وبينهما لغة سمَّاها “اللغة الثالثة” ما بين بين، وأضاف: “البساطة في الشعر ليست ضده.. والتعقيدات لا تخدم قضية الجمال”.

ولأن فنانين كثراً غنوا شعر نزار، كفيروز وعبدالحليم حافظ وكاظم الساهر وماجدة الرومي، أكد نزار أن الشعر المُغنَّى أوصله إلى العالم العربي أكثر من الكتب؛ لأن أسلاكاً شائكة يعانيها الكتاب العربي، في حين أن الصوت يستطيع أن يخترق كل الآفاق، مشيراً إلى أن الشاعر هو الرابح بصفقة الشعر المغنَّى؛ لأنه يصل إلى الناس بنطاق أوسع بكثير.

اقرأ أيضًا: مرايا الشعر مع سهام الشعشاع.. نزار قباني

مدن ومنفى

تنقل نزار خلال حديثه بين عدة مدن حرضته شعرياً؛ كانت أولاها القاهرة التي تشكَّل في جوِّها الثقافي، فهي كتابٌ ثقافي كبير، تلتها بيروت التي أعطته جرعة من الحرية عجزت أية مدينة أخرى أن تقدمها له، ثم لندن وفيها عشق اللون الرمادي، واستفاد من خلال التردد على المسارح والمهرجانات الموسيقية، وبعدها مدريد التي وصفها بأنها حديث تاريخي جميل ووجع قومي، وعلى أثر تجربته في مدريد كتب ديوان «الرسم بالكلمات».

غلاف ديوان «الرسم بالكلمات»

من خلال تجربته، أكد نزار أن المنفى ليس رديئاً بالحد المتصور؛ لأن أعظم الأعمال الفنية صدرت من قِبل فنانين منفيين، فالوطن برأيه ليس مفهوماً طوباوياً ولا تجريدياً؛ بل هو علاقة إنسانية مع المكان الذي يحترم إنسانية وفكر الإنسان.

وعن المرأة، ولكونه شاعر المرأة، بيَّن أنها والشعر أمران متداخلان تداخلاً مصيرياً، نافياً عن نفسه تشابهه مع شهريار، قائلاً: “أنا لست شهرياراً، فأنا لا أستطيع أن أذبح نملة أو حمامة”، بينما شهريار كان يذبح بالصباح المرأة التي قُدِّمت له ليلاً، لافتاً إلى أن شهريار لم يذبح شهرزاد؛ لأنه وجد فيها المرأة التي يحبها أي رجل؛ تلك التي تدفعه لطرح الأسئلة.

اقرأ أيضًا: الشعر كوسيلة للتواصل وتحسين الحالة النفسية والصحية

وأعلن نزار إيمانه بالأطفال؛ فهم أمل المستقبل، وبحال قطعنا أملنا فيهم، يعني أننا قطعنا أملنا بالحياة، ضارباً “أطفال الحجارة” كمثال على إمكانات الطفل غير المتوقعة؛ فالأطفال هم الذين سيهزمون الهزيمة.

وفي نهاية حديثه، أعرب عن عدم ندمه على أي شيء؛ فالندامة فيها شيء من الضعف والتراجع، مطالباً الناس بأن يبقوا أصدقاء الشعر؛ لأنه أجمل ما في حياتنا، وأن يرتبطوا بالحب الكبير؛ فالشعر والحب هما الركيزتان اللتان تُقام عليهما الحياة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات