الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ندوة عين أوروبية على التطرف: العلاقة بين الإرهاب والمجاعات وهشاشة الدولة

كيوبوست- ترجمات

استضاف “موقع عين أوروبية على التطرف” ندوته الثالثة عشرة عبر الإنترنت، والتي سلّطت الضوء على العوامل التي من شأنها تغذية الإرهاب أو تعزّزه أو تقوم بكليهما.

معلومٌ أن الإرهاب يحتل قمة جدول أعمال الأمن الدولي منذ عقدين من الزمن، وأحد أبرز الموضوعات في العلوم الاجتماعية، منذ ما يزيد على نصف قرن. وقد كرّس الباحثون في مجالات متنوعة، مثل علم النفس وعلم الجريمة، وعلم الاجتماع والدين، حياتهم لهذا الموضوع: أسبابه وأشكاله، وكيفية مكافحته.

وهناك إجماع بين الباحثين على أن الإرهاب ليس أحادي السببية؛ إذ إن هناك العديد من العناصر التي تسمح للتطرف بالازدهار: الفقر والمجاعات والبطالة، وانعدام الفرص الاقتصادية، وهشاشة الدولة والقمع والتوترات العرقية، والتمييز الرسمي، وانتهاكات حقوق الإنسان، وإخفاقات سيادة القانون، وتلاعب الدولة بالجماعات الإرهابية والسجون التي تُدار بشكلٍ سيئ، ما سمح للتطرف بالانتشار.

كل هذه الأسباب تُطرح كعوامل تسهم في نجاح الإرهابيين، وكلها بالتأكيد تلعب دورها. ولكن الوزن النسبي لهذه العوامل، التي تسمح للإرهاب بالازدهار، كان ولا يزال مثار نقاش حاد. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع الذي يثير نقاشاتٍ ساخنة، عقد موقع “عين أوروبية على التطرف” هذه الندوة، التي استغرقت قرابة الساعة، وضمت فريقًا من الخبراء كما يلي:

الدكتور/ ألكسندر لي، أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة روتشستر، مؤلف كتاب سينشر قريبًا بعنوان «نظام كارتل الدول: نظرية اقتصادية للسياسة الدولية».

الدكتور/ باراك مندلسون، أستاذ العلوم السياسية في كلية هافرفورد بالولايات المتحدة الأمريكية، ومؤلف كتاب «وضع الجماعات الجهادية في حجمها الصحيح: حدود الحركة الجهادية العابرة للحدود الوطنية وما تعنيه لمكافحة الإرهاب»، الذي أجرى موقع “عين أوروبية” مقابلةً معه مؤخرًا.

الدكتور/ بكاري سامبي، المدير الإقليمي للمركز الإفريقي لدراسات السلام، التابع لمعهد تمبكتو ومقره في داكار، السنغال.

الدكتورة/ إيزل فان زيل، مديرة برنامج إفريقيا في شبكة المدن القوية، التابع لمعهد الحوار الاستراتيجي. مقر المعهد يوجد في لندن، لكن زيل تعيش في بريتوريا.

اقرأ أيضًا: العلاقة بين الإرهاب والمجاعة وهشاشة الدولة

إشكالية التحديد والتعريف

تبدو قضية التعريف والتحديد من الأمور المهمة التي لا بد من استجلائها، بداية، عند تحليل أي ظاهرة، وفي هذا الصدد، قال ألكسندر لي إن هناك قضايا منفصلة: ما الذي يجلب النشاط الإرهابي إلى دولة ما؟ وكيف يحدث ذلك في الدول التي تعيش في سلام مقابل الدول التي يحدث فيها تمرد أو حرب أهلية؟ وضمن ذلك ما الذي يجذب الأشخاص إلى التجنيد؟

رغم أن هذه الأمور “ذات صلة ببعضها بعضًا، فإن الأدبيات التي تناقشها بصورة مترابطة تبدو نادرة. وتتمثل إحدى المشكلات المهمة في أن المنظمات التي تستخدم الإرهاب تتطلب أعدادًا صغيرة جدًا من الأشخاص لجذب الانتباه إليها، مقارنة بحزبٍ سياسي أو جيشٍ متمرد، ما يعني أن الأدبيات تحاول استخلاص معنى أوسع من حوادث نادرة، ومن ثمَّ، فإن أي عوامل اجتماعية واقتصادية أو غيرها من العوامل التي تلعب دورًا هنا فهي -بحكم تعريفها- شاذة. وتعاني هذه الأدبيات أيضًا من مشكلةٍ عميقة في التعريفات: هناك عددٌ محدود من الحالات التي يمكن فيها الاتفاق على “مستوى الحدث”؛ هل الحادث يُعتبر عملًا إرهابيًا، يمتد هذا الأمر إلى قضايا أكثر إشكالية، ما هي “الجماعة الإرهابية”؟ وكيف نفرق بين الإرهاب والأعمال السياسية العنيفة الأخرى؟ ويقول الدكتور لي إن تعريفه للإرهاب سيركِّز على المواقف التي تكون فيها الدولة قوية، ويكون الإرهابُ عملًا يائسًا.

هناك علاقة بين ظاهرة المجاعات والنزاعات المسلحة

يتفق باراك مندلسون -مع الدكتور لي- على أن تعريف “الإرهاب” صعب للغاية: “لا يوجد اتفاق، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأننا سنتوصل إلى اتفاق”، الأمر الذي يخلق مشكلة فورية في “إنشاء حقائق تجريبية”، التي بدورها تجعل التحليل والاستنتاجات للسياسة صعبةً للغاية ومتباينة. ويتفق مندلسون أيضًا مع لي، ويشير إلى أن تعريف “الجماعة الإرهابية” أصبح أكثر صعوبة مرة أخرى: “هل تحتاج إلى [هجوم إرهابي واحد لتطلق على جماعة ما “جماعة إرهابية”]؟ هل تحتاج إلى خمسة؟ هل تحتاج إلى مائة؟” ومرة أخرى، لا يوجد خط متفق عليه عالميًا بين النشاط الإرهابي ونشاط المتمردين، لأسبابٍ ليس أقلها أن جميع المتمردين تقريبًا سيستخدمون الإرهاب في وقتٍ أو آخر.

من جانبه، أشار بكاري سامبي إلى مشكلات التعريف التي تحدث بين الغرب وغرب إفريقيا، على سبيل المثال، حيث انتشرت القوات الفرنسية للمساعدة في مكافحة الحركات الجهادية، لكنها ركّزت إلى حدٍّ كبير على البُعد الديني لهذه الحركات، في حين أن المشكلة أكثر تعقيدًا بكثير، إذ تشمل من بين أمورٍ أخرى المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والاختلافات في قدرات هذه الجماعات، التي تؤثر في حد ذاتها على قدراتها في تجنيد المتطرفين.

اقرأ أيضًا: الفقر وشبح المجاعات.. هل يعزِّزان الإرهاب؟

الوسائل والدوافع

أوضح مندلسون أن هناك اختلافًا كبيرًا بين خلفيات الأشخاص الذين ينضمون إلى الجماعات التي تستخدم الإرهاب باستمرار مقابل أولئك الذين يستخدمونه بشكلٍ متقطع، وأولئك الذين ينضمون إلى الجماعات التي تسيطر على الأراضي، وتحكمها مقابل تلك التي لا تفعل ذلك. وحتى داخل هذه الجماعات، هناك تباين كبير: فالأوروبيون الذين ذهبوا للانضمام إلى تنظيم داعش يختلفون عن العراقيين والسوريين الذين انضموا أو أجبروا على الانضمام عندما احتل داعش مدنهم. باختصار، التعميم صعب للغاية حتى ولو بصورةٍ مبدئية.

وفي معرض تأكيده على هذه النقطة، أشار مندلسون إلى ميل الأدبيات الأكاديمية إلى النظر في سمات الإرهابيين المدانين، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة. لكن المشكلة تعود إلى ما ذكره الدكتور لي: الإرهاب نادر للغاية، وأي سمة من السمات التي يمكن إطلاقها على شخص باعتبارها سمات الإرهابي يمكن أن توجد في أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لم (ولن ينخرطوا) في الإرهاب. والفقر مثال واضح على ذلك: فهناك أعداد هائلة من الأشخاص على الصعيد العالمي الذين يعيشون تحت خط الفقر، ونسبة مئوية ضئيلة منهم تتورط في الإرهاب.

أما إيزل فان زيل فقد أشارت إلى “مؤشر الإرهاب العالمي” الذي كشف أن هناك زيادة بنسبة 1,000% في الهجمات العنيفة في منطقة الساحل في السنوات الأربع عشرة الماضية (أي منذ عام 2008)، ويشير المؤشر إلى الدوافع الأساسية مثل “عدم الوصول إلى الخدمات الأساسية، والنمو السكاني السريع، وضعف الحوكمة”. وتقول زيل إنه على الرغم من حدوث بعض الانخفاض في نشاط حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة في الصومال، فإن ذلك يعود جزئيًا إلى أنها عزّزت سيطرتها في المناطق الريفية، ولا يزال الحال هو أن 48% من النشاط الإرهابي يحدث في إفريقيا، جنوب الصحراء الكبرى. وعلى الرغم من نشر قوات الأمن الإقليمية والدولية، والعدد الكبير من برامج منع التطرف العنيف، فلا يزال العنف وعدم الاستقرار مستمرين.

عناصر تابعة لحركة الشباب الصومالية الإرهابية – أرشيف

وتضيف زيل أن “هشاشة الدولة وضعف الحكم” هما “قضيتان أساسيتان” وراء هذه المشكلة، ما يخلق فراغات يستغلها المتطرفون العنيفون. وتقع الحوادث المتصلة بالإرهاب بشكلٍ عام على بعد خمسين كيلومترًا من منطقة الصراع، ويحدث ما يقرب من 90% من الهجمات الإرهابية في الدول التي تشهد صراعات أهلية. “البيئات الهشة القائمة والدائمة” و”الحكم الضعيف” تسمح للأطراف الفاعلة العنيفة من غير الدول بالازدهار من خلال تقديم نفسها كمقدمي خدمات للمدن والقرى، حيث لا تستطيع الدول أو لا ترغب في تقديمها. إن عجز الدولة أو عدم رغبتها في إعطاء السكان خيارات أخرى يقودهم إلى أحضان الجماعات المتطرفة. وتعمل الحوافز المالية التي تقدمها الجماعات الإرهابية في الدول التي تعاني من الفقر المدقع كعامل جذبٍ قويٍّ. إن الفقر ونقص الخدمات وارتفاع معدلات البطالة لا تخلق أوضاعًا يمكن فيها للجماعات المتطرفة استخدام الأموال للتجنيد فحسب، بل تعزِّز الاستياء من الدولة التي تصبح بمثابة عامل دفع أيضًا.

إضافة إلى ذلك، فهناك ثمة عامل كبير آخر في انضمام الأشخاص إلى الجماعات المتطرفة المسلحة في إفريقيا هو الافتقار إلى الاستقرار بعد انتهاء الصراع: فالكثير من دول القارة قد عانت أو تعاني حروبًا داخلية، كما أن الافتقار إلى إعادة بناء الهياكل الأساسية والمؤسسات، وإعادة إدماج المقاتلين السابقين، يجعل من الصعب تسريح الجماعات العنيفة. ويتفاقم هذا الوضع بسبب الافتقار إلى أنظمة الدعم لأولئك الذين عانوا صدماتٍ نفسية، وغيرها من الأضرار التي لحقت بالصحة العقلية.

اقرأ أيضًا: الجماعات الإرهابية والأطفال الأفارقة.. “جرائم فظيعة وانتهاكات جسيمة”

الحلول المحتملة

يوصي مندلسون بعكس مسألة العلاقة بين الإرهاب والفقر على وجه التحديد: فبدلًا من التركيز على الإرهاب في حدِّ ذاته، ينبغي النظر إليه على أنه أحد “العلل المجتمعية”، فبعد كل شيء، غالبًا ما تكون ظروف الشخص المتورط في الإرهاب مشابهة جدًا لأولئك الذين ينضمون إلى العصابات الإجرامية، وهذا مرضٌ مجتمعي آخر لدى الدولة مصلحة في مكافحته.

إذا قامت الدول النامية على وجه الخصوص بتوجيه الموارد التي تُنفق حاليًا على مكافحة الإرهاب، إلى الحد من الفقر، وتحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية، ونوعية التعليم، وبشكلٍ عام خلق وضع “يسمح للأفراد بتطوير أنفسهم وتحقيق طموحاتهم”، فإن ذلك “سيقلِّل من السلوك المفترس في المجتمع”، وإذا اتبع هذا النهج “الأكثر شمولًا” لعلاج العلل المجتمعية، سيأتي كبح الإرهاب كفائدة غير مباشرة لهذا النهج.

وبالمثل، يرى سامبي أن التركيز الغربي المفرط -وعملية صنع القرار المتأثر بالغرب في أماكن مثل غرب إفريقيا- يؤدي إلى انخراط الدول في تدابير عسكرية لمكافحة الإرهاب يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الجماعات المتطرفة، ولكنها تترك الظروف والسياق اللذين يسمحان للجماعات بالازدهار في المقام الأول.

عناصر متطرفة- أرشيف

ويضيف سامبي أن الافتقار إلى سياسات منع التطرف العنيف يمثل إغفالًا خطيرًا في منطقة الساحل. يجب زيادة التركيز على تطبيق سياسات مصممة خصيصًا للظروف المحلية -لحلِّ قضايا، مثل الرعي، وتقسيم الأراضي، والنزاعات العرقية القبلية- بدلًا من تطبيق الحلول المستمدة من السياقات الغربية حيث لا توجد هذه المشكلات إلى حد كبير.

وتشير زيل إلى عدم تحمل الحكومات المركزية مسؤولية تنفيذ برامج منع التطرف العنيف، وإعادة الإدماج، وإعادة الإعمار كعامل رئيس في إدامة الظروف التي تسمح ببقاء التطرف العنيف. ورغم أن الكثير من الجهات الفاعلة المحلية في المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية الأجنبية تضطلع بأجزاء من هذا العمل، فإنه لكي يكون فعالًا حقًا يجب تنفيذه على المستوى الوطني. واتفاقًا مع المتحدثين الآخرين، تقول زيل إن الافتقار إلى “نُهج إنمائية واسعة النطاق” تعرقِل الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب: فالنهج الأمني يغفل ما يشير إليه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي -أي “الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي والاقتصادي”- باعتبارها أهم العوامل في انتشار الإرهاب في إفريقيا.

اقرأ أيضًا: لماذا يسعى المتطرفون إلى تجنيد الأطفال في صفوفهم؟

فقرة الأسئلة والأجوبة

ناقش المتحدثون بعض دراسات الحالة التي يأتي فيها الإرهابيون من قطاعاتٍ أكثر حظًا في المجتمع، ودلالات ذلك فيما يتعلق بأسباب التطرف العنيف؛ وحالة الأدبيات الأكاديمية في الوقت الحاضر بالمقارنة مع العقود الماضية؛ والدور الذي تلعبه الصحة النفسية في قضية الإرهاب.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة