الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“نحو فكر عربي”…الأبعاد والتحديات

على الرغم من أن بعض المفكرين الأوروبيين ناهضوا الفكر الاستعماري الغربي، مؤكدين أن العقلانية الأوروبية ليست هي الطريق الوحيد للتقدم؛ فإن التوجه الغالب على الفكر الليبرالي الغربي هو تبرير نزعته الاستعمارية.

كيوبوست

د.إياد مدني

في هذه الورقة للدكتور إياد أمين مدني الأمين العام السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي يقدم رؤيته عن دور النخب في تأسيس فكر عربي جديد، وإيجاد الحاضنة المجتمعية التي تقبله، ثم قدَّمت الورقة عرضًا تاريخيًّا لدور النخب الثقافية العربية في محاولة تأسيس فكر حداثي من خلال الاستفادة من القيم الليبرالية الغربية، وما لاقته في مسعاها هذا من إحباطات؛ بسبب ازدواجية السياسات الغربية، ثم محاولات تلمُّس بديل اشتراكي.

وأخيرًا، سعي التيارات الإسلامية لبلورة توجه إسلامي خاص بها، وهو ما لم ينجح كذلك. ولذا تدعو الورقة إلى تأسيس تيار فكري جديد، يستند إلى الفكر العروبي والليبرالي الأوروبي والإسلامي.

دور النخب في التأسيس لفكر عربي جديد:

إن السير نحو فكر عربي جديد يتطلب وجود نخب تتفهم القناعات السائدة في المجتمعات العربية، والسياق التاريخي الذي أسهم في تكوينه؛ بأبعاده السياسية والدينية والأمنية، فضلًا عن قدرة النخب على التواصل مع الشرائح المجتمعية الراغبة في التطوير والمتفهمة لمساره. ومن غير توفُّر هذين الشرطَين، فإن النخب ستكون معزولةً عن واقعها الاجتماعي، وتفتقد القدرة على التأثير عليه ودفعه إلى تبنِّي التغيير المنشود.

اقرأ أيضًا: بدايات القومية العربية في الإمارات

وتمتلك النخب العربية هذين الشرطَين؛ سواء تمثل ذلك في الرؤية والوعي والقدرة على التطوير، أو في قدرتها على فهم المنظومة الفكرية السائدة في المجتمعات العربية، والسياق التاريخي الذي أسهم في تكوينها. ومن خلال تحليل توجهات النخب الثقافية في المنطقة العربية خلال القرن العشرين يكشف عن وجود قناعتَين شكلتا حراكه السياسي؛ وهما: أن الفكر الليبرالي الديمقراطي، النابع من الغرب، هو النموذج، وأن الإسلام هو الحل.

ازدواجية الفكر الليبرالي الغربي:

شهد الفكر السياسي الليبرالي الديمقراطي على مدى عقود تطورات عدة، أعادت تقييم أُسسه التي قام عليها، كما قام بمراجعة منظومة القيم التي استند إليها، وأدخل مفاهيم جديدة، ارتباطًا بالتفاعل ما بين الرؤى النظرية والواقع المعيش في هذه المجتمعات، ولذلك ظل في حراك دائم، ولا يمكن النظر إليه ككم ثابت يمكن استيراده وتطبيقه في الدول العربية.

الفكر الليبرالي

وأسهم في ذلك أن الليبرالية الديمقراطية ظلت تميِّز بين ما تقره كأنظمة ودول داخل حدودها، وما تمارسه من سياسات تجاه الآخر المختلف في ثقافته وقيمه؛ بل وترى أن من حقِّها تغيير ذلك الآخر، أو الهيمنة عليه؛ حتى لا يشكل تحديًا أو بديلًا لها.

ووضح ذلك في الاحتلال الذي قامت به الدول الغربية الليبرالية الديمقراطية للعالم العربي؛ فهي لم تهدف من هذا الاحتلال إلى نشر القيم الديمقراطية الغربية، كما ظنت طبقة من المثقفين العرب، الذين تأثروا بالثقافة الغربية، بل جاءت لاستعمار العالم العربي وتفتيته، وتقاسم خيراته، والإبقاء على تخلفه الحضاري، ومحاولة تبرير هذه النزعة الاستعمارية بشعار تمدين الشعوب المتخلفة.   

ولذلك فإن ابتعاد الممارسة الأوروبية في العالم العربي عن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي أسَّست لها الثورة الفرنسية، وعن “حق الجميع في التعبير عن آرائهم”، وَفقًا لإعلان الاستقلال الأمريكي، تسبب في اهتزاز المثقفين العرب، ودفعهم إلى إعادة النظر في الأفكار الديمقراطية الليبرالية.

اقرأ أيضًا: ميشيل فوكو في لقاء تليفزيوني كان مفقودًا

وعلى الرغم من أن بعض المفكرين الأوروبيين ناهضوا الفكر الاستعماري الغربي، ومسوغاته، مؤكدين أن العقلانية الأوروبية ليست هي الطريق الوحيد للتقدم؛ فإن التوجه الغالب على الفكر الليبرالي الغربي هو تبرير نزعته الاستعمارية، كما دعا إلى استخدام كل وسائل القمع والعنف للحفاظ على المستعمرات. ومن جهة أخرى، تم تحويل السيطرة على المستعمرات إلى أداة لخلق وحدة وطنية داخلية، وتجنب إثارة القضايا الخلافية؛ مثل الخلافات الطبقية.

ووجد العرب أن الدول الغربية تمارس قيمها داخل حدودها، وتستبدل بها قيمًا أخرى حين التعامل مع الآخر، كما تصر على الممارسة الشكلية الإجرائية لمبادئ الديمقراطية الليبرالية لا على مأسستها. وتأثرت الدول العربية بهذه المبادئ الشكلية، وهو ما انعكس في تأريخ فكر النهضة في العالم العربي بغزو نابليون لمصر في عام 1789، وهزيمة الجيش المغربي على يد الحملة الفرنسية في عام 1844، كما ترددت مقولات ترسِّخ لهذا التوجه؛ مثل “رأيت إسلامًا ولم أرَ مسلمين”.

نابليون بونابرت

هيمنة الليبرالية الغربية

مع انهيار الاتحاد السوفييتي، اعتبر الغرب أن العالم دخل عصرًا جديدًا هو عصر النظام الليبرالي الجديد، كما تم إرساء ترتيبات مؤسسية تعمل على تعميق الفكر الليبرالي الديمقراطي باعتباره النموذج الذي يجب أن يسود العالم. وأسهمت منظمات مثل منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إرساء قواعد النظام العالمي الجديد؛ خصوصًا العولمة الاقتصادية، كما ظهرت اتفاقيات حقوق الإنسان، والتي توسَّعت لتضم مضامين تتجاوز تلك التي ورد النص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

واستند النظام العالمي الجديد إلى مفهومَين أساسيَّين؛ هما: الدولة القومية، ذات الحدود المعترف بها من جانب، ومفاهيم الأسواق المفتوحة والمنظمات العالمية، ومعاهدات الأمن المشتركة، من جانب آخر. 

اقرأ أيضًا: كيف تشكل الإسلاموية تحديًا خطيرًا للمجتمعات الديمقراطية؟

وتوجَّه كثيرٌ من التيارات السياسية في دول العالم الثالث إلى البحث عن بديل للديمقراطية الليبرالية، واستقر على الفكر الاشتراكي، وتبنِّي فكر الطليعة الثورية، التي ستقود وتقدم فكرًا جديدًا تُقيم به مؤسسات سياسية قوية، غير أن كل هذه المحاولات أخفقت؛ خصوصًا مع انهيار الاتحاد السوفييتي، لتستمر بذلك هيمنة الفكر الليبرالي الغربي. وعادت دول العالم الثالث إلى تبنِّي صورة باهتة من الديمقراطية الليبرالية التي تركز على شكلها الإجرائي، وليس المؤسسي.

التيار الإسلامي:

في المقابل، انطلق التيار الإسلامي من العداء الأوروبي المتجذر للإسلام دينًا ورسولًا ومجتمعًا، ولذلك ظهر تيار إسلامي يسعى إلى إثبات أن كثيرًا من قيم النهضة الأوروبية تجد جذورها وإرهاصاتها في الحضارة الإسلامية، وأفكار ابن رشد وابن خلدون، اللذين لولا أفكارهما لما ظهر عصر التنوير في أوروبا.

اقرأ أيضًا: الجذور الليبرالية للنشاط اليميني المتطرف: الحركة المعادية للإسلام في القرن الحادي والعشرين

وبرز تياران أساسيان؛ أحدهما يرى أن هذه القيم موجودة في تاريخنا، الأمر الذي يبرر البحث عنها والأخذ بها، حتى لو تحلَّت بحلل أوروبية. بينما يرى الثاني، أنه يجب أخذ هذه القيم من النموذج الإسلامي في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة.

وانطلق الفكر الإسلامي من عدة منطلقات فكرية؛ وهي أن الأخلاق ليست نسبية، وأن الإرادة العامة هي محل نظر “أهل الحل والعقد”، مع القبول بتعريف متغير لهؤلاء الأشخاص مع اختلاف الزمن والمجتمعات. أما اقتصاديًّا، فقد آمن هذا التيار بحق التملُّك، وتكوين الثروة، وحرية الأسواق، مع الأخذ في الاعتبار الزكاة للحفاظ على التضامن المجتمعي. كما يؤمن هذا التيار بحرية الدين إعمالًا لمبدأ “لا إكراه في الدين”، وتجاوز منظري التيارات الإسلامية والفكر القومي؛ لانتساب المسلمين إلى قوميات مختلفة.

اقرأ أيضًا: ما هي النسبية الأخلاقية؟ وكيف تظهر لنا تناقضاتنا الكثيرة؟

ويلاحظ أن التيار الإسلامي لم يتمكن من بلورة هذه الأفكار في فكر سياسي متماسك، كما أن الأحزاب السياسية التي رفعت شعارات إسلامية لم يُكتب لها النجاح، أو همشت نفسها، أو أساءت إلى الفكر الإسلامي من خلال تقديم أطروحات وصلت إلى حد تكفير المجتمع. غير أنه لا يزال الطريق مفتوحًا أمام حراك يقوم ببلورة فكر سياسي يمكن أن يوازي هيمنة المركزية الأوروبية.

ما الطريق لتكوين فكر عربي جديد؟

يمتلك العرب ثقافة مشتركة ولغة واحدة، غير أنها لا تحمل مضمونًا فلسفيًّا، كما أن العروبة باتت عروبة قُطرية، ترتهن بسيادة كل دولة عربية، وما تراه في مصلحتها. ولكن في المقابل، لا يجب إغفال أن المصلحة العربية الواحدة تمثل أساسًا من أُسس مصلحة كل دولة عربية، ولذلك فإن تمتين العلاقات الثقافية العربية ومأسستها هما حاجة ملحة.

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

ونظرًا لوجود دول مجاورة للدول العربية من الأتراك والفرس والدول الإفريقية، فإنه يجب أن تتم بلورة فكر عربي يقوم بخلق توافق إقليمي بين العرب وجيرانهم، ويستند في ذلك إلى “الإسلام”، والذي يمثل قاسمًا مشتركًا معهم.

ويجب على هذا الفكر أن يستفيد من القيم الديمقراطية الليبرالية، مع التخلي عن ممارساتها التاريخية الاستعمارية، وما يقدمه من ديمقراطية إجرائية، فضلًا عن الاستفادة من القيم الإسلامية والثقافة العربية، وأن يرتكز هذا الفكر على قاعدة اجتماعية في الدول العربية، ممثلة في المجتمع المدني ومؤسساته، حتى لا يذوب الوجود العربي في سياق آخر.

لقراءة الورقة كاملة: اضغط هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة