الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

نحن والآخرون..كيف سمحت الولايات المتحدة لأعدائها باختطاف سياساتها الخارجية؟

تلخيص: كيوبوست

بن رودس♦

بعد مرورِ عشرين عاماً على أحداث سبتمبر، لا يزال المحللون والكتاب يناقشون تأثيراتها داخل الولايات المتحدة وخارجها. وفي هذا المقال، يشرح بن رودس كيف بدَّدَ الهجوم على برجَي التجارة العالميَّين، والذي يعد من أبرز أحداث القرن الحادي والعشرين تأثيراً على موقع الولايات المتحدة الأمريكية ودورها في العالم، وهمَ الولايات المتحدة بأن التاريخ انتهى بانتصار العولمة التي تقودها.

 ويرى بن رودس أن أحداث سبتمبر أنهت حالة الرضا التي كانت تعيشها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة التي استمرت عقداً من الزمن. إن حجم رد فعل الولايات المتحدة على هذه الهجمات أسهم في إعادة تشكيل حكومتها وسياستها الخارجية ومجتمعها بطرقٍ سمحت باستمرار ردود الفعل التي مكَّنت الأمريكيين من فهم ما آلت إليه بلادهم، وإلى أين يجب أن تتجه.

اقرأ أيضاً: تقرير “فرانك تايلور” الغامض كان وراء انطلاق عمليات “الحرب على الإرهاب”

من الصعب معرفة تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدقة؛ فالحرب على الإرهاب أصبحت أكبر مشروع أمريكي في فترة الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة. على مدار عشرين عاماً، أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية في سياسة الأمن القومي الأمريكي، وأُعيد تشكيل الحكومة الأمريكية بمفاصلها الرئيسية، وفرضت إجراءات أمنية مشددة شملت جوانب الحياة اليومية؛ كالسفر، والخدمات المصرفية، وإصدار البطاقات الشخصية. استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية في بلدان عدة؛ مثل أفغانستان والعراق وليبيا وباكستان والفليبين، وأصبح الإرهاب المحور الأبرز في علاقات الولايات المتحدة الثنائية، ومتعددة الأطراف.

ويشير كاتب المقال إلى أن الحرب على الإرهاب أعادت تشكيل الهوية القومية الأمريكية، بعد أن كانت أمريكا تفتقد وحدة الهدف في فترة انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الصراع الأيديولوجي بين الديمقراطية الرأسمالية، والاستبداد الشيوعي، وبين العالم الحر، والمجتمعات المغلقة. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تطلع الرئيس جورج بوش، إلى توحيد الهوية القومية الأمريكية، وتوجيهها نحو صراع جديد للأجيال القادمة؛ وهو الحرب على الإرهاب التي ستكون بالتوازي مع النضالات ضد الفاشية والشيوعية.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش يعلن الحرب على الإرهاب في 20 سبتمبر 2001- وكالات

إن تأطير بوش للحرب على الإرهاب كحربٍ عالمية تستمر لأجيال، وإن دلَّ على قيادة فعالة بعد مأساة وطنية غير مسبوقة، أدى إلى تجاوزات وعواقب لم تكن بالحسبان؛ فالحرب في أفغانستان والعراق تجاوزت كونها حرباً ضد “القاعدة”، وارتبطت الديمقراطية الأمريكية بالنظام العسكري؛ مما قوض حيويتها في الداخل وشرعيتها في الخارج.

عندما لم تتحقق الانتصارات التي وعد بها بوش وروجت لها وسائل الإعلام المحافظة، تزعزعت ثقة الأمريكيين بحكومتهم، وبدأوا في البحث عن كبش فداء في الداخل، وتحولت مشاعر القومية الشوفينية التي تَلَت الحرب الباردة إلى خليطٍ من مشاعر الخوف وكراهية الأجانب؛ ما أوصل الرئيس دونالد ترامب إلى الرئاسة، فكان الرئيس الذي تشدق بخطاب إنهاء الحروب الخارجية، وحوَّل الحرب ضد الإرهاب إلى مواجهة خصومه في الداخل.

ويرى بن رودس أن الرئيس جو بايدن أكثر التزاماً بإنهاء حروب البلاد الأزلية، ويتضح تصميمه هذا في قراره سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وفي الأجندة العالمية لإدارته. بعد عشرين عاماً، اتخذ بايدن خطوات جدية للانتقال بالولايات المتحدة إلى فترة جديدة هي فترة ما بعد بعد الحادي عشر من سبتمبر.

اقرأ أيضاً: أربعون عاماً حزينة تتوج “طالبان” حاكماً على أفغانستان عشية الـ11 من سبتمبر

ومع ذلك، فلا تزال البنية التحتية الواسعة للحرب ضد الإرهاب قائمة، ولا يزال تأثيرها قائماً على هيكلية حكومة الولايات المتحدة، وانتشار قواتها العسكرية، وعمليات الاستخباراتية. وكما كانت الحال خلال فترة إدارة أوباما، فإن هذه الحقائق تقيد قدرة الولايات المتحدة على الانتقال إلى حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وقيادة إحياء الديمقراطية العالمية، ودعم نظام عالمي يرتكز على القانون.

يتطلب المحور الجديد خطواتٍ دراماتيكية؛ كإعادة تفكيك وتشكيل المشروعات الأمريكية، لفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وتغيير العقلية الأمنية التي شجعت السلطوية والاستبداد في الداخل والخارج، ولن يكون بمقدور الولايات المتحدة إنهاء حروبٍ لا تنتهي إذا كانت مصممة على خوضها، ولن تتمكن من إحياء الديمقراطية إذا استمرت في الالتفاف عليها بحجة ضرورات الأمن القومي.

ويشير المقال إلى أن ما تمثله الولايات المتحدة، وما يعنيه أن تكون أمريكياً، أصبحا اليوم أكثر إثارة للجدل من الفترة التي تكاتفت فيها الأمة كرد فعل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأصبح الجدل على الهوية الأمريكية اليوم حاداً لدرجة أصبحت فيها البلاد أكثر عرضة لأنواع التطرف العنيف الذي كانت فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر تهدف إلى القضاء عليه. وقد كان الاعتداء الدامي على مبنى الكابيتول بمثابة دعوة إلى العمل ضد العنف؛ ولكنه ترجم بمنظور السياسة القبلية التي تتميز بالإنكار والانحراف اليميني. حتى الحزب الجمهوري الذي أنفق مليارات الدولارات لإنشاء دولة أمنية بعد الحادي عشر من سبتمبر، لا يريد الآن فتح تحقيق في أحداث 6 يناير. 

أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب من اليمينيين المتطرفين يقتحمون مبنى الكونغرس- أرشيف

ويرى كاتب المقال أن التركيز على المنافسة مع الحزب الشيوعي الصيني هو إحدى الطرق لإعادة تحديد هدف الولايات المتحدة في العالم، وإعادة تشكيل الهوية الأمريكية في الداخل، وهذا التنافس هو الشاغل الأبرز للسياسة الأمريكية الذي يجمع بين الحزبَين. إن القلق من الحزب الشيوعي الصيني له ما يبرره؛ فهو، خلافاً للقاعدة، يمتلك وجهة نظر بديلة للحكومة والمجتمع، ولديه القدرة على إعادة تشكيل العالم بما يتناسب مع تحقيق غاياته.

ومن المفارقات، أن نجد صعود الصين إلى النفوذ العالمي قد تسارع بعد أحداث سبتمبر. فمن وجهة النظر الجيوسياسية كان الحزب الشيوعي الصيني من أكثر المستفيدين من الحرب على الإرهاب. إن القلق من الشكل الذي يمكن أن تأخذه المواجهة بين الولايات المتحدة والصين له ما يبرره؛ إذ إن تحديد هدف الولايات المتحدة في العالم والهوية الأمريكية بمبدأ “نحن بمواجهة الآخرين” قد يؤدي إلى تكرار أسوأ أخطاء الحرب ضد الإرهاب.

اقرأ أيضاً: كيف يستخدم اليمين المتطرف روايات المظلومية لتبرير العنف

اعتاد أوباما أن يشبه الحكومة الأمريكية بسفينةٍ عملاقة يصعب تغيير مسارها بعد أن تحدد اتجاهها. وبعد 11 سبتمبر، وجهت إدارة بوش السفينة في اتجاه جديد، وأعطتها مقداراً هائلاً من الزخم. وبعد الإطاحة بنظام “طالبان” عام 2001 بدَت الولايات المتحدة في أحسن أحوالها، وانعكس ذلك في انتخابات الكونغرس النصفية عام 2002، حيث اكتسح الحزب الجمهوري الكونغرس. ومنذ ذلك الوقت والولايات المتحدة غارقة في تنظيف الحطام الذي خلفته تلك السفينة العملاقة.

واليوم، لا تزال الدول التي كانت مسرحاً للحرب على الإرهاب غارقة في الحروب والفوضى العارمة. فأفغانستان عادت إلى سيطرة “طالبان”، والعراق يعاني التمزق والصراعات الطائفية، وتفتقر كل من ليبيا والصومال واليمن إلى سلطة حاكمة، وتجري على أراضيها حروب بالوكالة. لا شك في أن التدخل العسكري الأمريكي كان له ما يبرره بعد 11 سبتمبر، ولا شك أن بعض التهديدات تستلزم رداً عسكرياً؛ ولكن ما آلت إليه هذه الدول يثير أسئلة كثيرة ومقلقة حول ما إذا كانت شعوب هذه الدول ستكون أفضل حالاً لولا هذا التدخل.

ويسلِّط المقال الضوءَ على تكاليف حروب ما بعد 11 سبتمبر الهائلة؛ فقد قتل أكثر من 7000 جندي أمريكي في أفغانستان والعراق، وجرح أكثر من 50,000، وانتحر أكثر من 30,000 جندي سابق ممن شاركوا في هذه الحروب. أيضاً قتل مئات الآلاف من الأفغان والعراقيين، وتم تشريد أكثر من 37 مليون شخص بسبب العمليات العسكرية الأمريكية بعد هجمات سبتمبر، ووصلت فاتورة الحرب -ودعم من خاضوها- إلى 7 تريليونات دولار. ناهيك بأن هذه الحروب قد استهلكت قدراً هائلاً من طاقات الحكومة الأمريكية التي كان يمكنها أن تسخرها في قضايا أخرى؛ مثل التغيرات المناخية ومكافحة الأوبئة وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقلص نفوذ الولايات المتحدة الدولي؛ خصوصاً في مواجهة الصين.

كلفت الحرب في أفغانستان والعراق حياة أكثر من 7000 جندي أمريكي- “فورين أفيرز”

لا شك في أن تنظيم القاعدة هو مَن حرَّض على الحرب على الإرهاب، ولا شك أن في الولايات المتحدة وغيرها من الدول كانت تواجه خطر وقوع المزيد من الهجمات الإرهابية، وكان من الضروري فعل شيء. ويحسب للقوات الأمريكية قضاؤها على “القاعدة” ودحر “داعش”؛ ولكن كل هذه الحقائق لا تغير حقيقة التجاوزات الهائلة والحسابات الخاطئة التي رافقت حروب ما بعد 11 سبتمبر. فالهجمات التي أنفقت البلاد تريليونات على منعها كانت ستتسبب في جزءٍ بسيط جداً من عدد الوفيات التي كان من الممكن منعها من خلال استجابة أفضل لجائحة “كوفيد-19” أو للتغيرات المناخية المميتة، والتي تم تجاهلها بسبب انشغال واشنطن بالحرب على الإرهاب. إن حجم تكاليف حروب ما بعد 11 سبتمبر يشير إلى أن البلاد بحاجة إلى تغيير بنيوي، وليس مجرد تغيير في المسار.

ويرى بن رودس أن جميع موظفي إدارة بايدن الكبار، بمَن فيهم الرئيس نفسه، لعبوا دوراً في جهود إدارة أوباما لإخراج البلاد من حروب ما بعد 11 سبتمبر. وتراجع عدد الجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان من 180,000 في عام 2009 إلى نحو 15,000 في عام 2017. وبدَت معالم سياسة الولايات المتحدة، أثناء فترة أوباما الثانية، شبيهة بتلك التي وصفها بايدن في خطابه أمام مجموعة الدول السبع الكبرى، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا المناخ، وتعزيز النظام الصحي العالمي، والتركيز على آسيا، ومحاولة احتواء روسيا الصاعدة.

ولكن بعد تولي ترامب منصبه نشرت إدارته عشرات الآلاف من الجنود في الشرق الأوسط؛ لمواجهة إيران، وخففت من القيود التي تهدف إلى الحدِّ من السائر في صفوف المدنيين، وتخلت عن المخاوف بشأن حقوق الإنسان، واحتضنت شركاء استبداديين، وأهملت أولويات المناخ والصحة العالمية. والدرس الواضح هنا هو أنه لن يكفي لإعادة توجيه مسار السفينة العملاقة فقط، بل يجب على بايدن والكونغرس إعادة تصميمها بالكامل.

اقرأ أيضاً: 20 عاماً من الحرب الأمريكية انتهت كما بدأت

واليوم، يحظى فريق بايدن بأدلةٍ متراكمة على مدى عشرين عاماً تثبت أن التركيز على مكافحة الإرهاب قد شوَّه الأولويات الوطنية؛ مثل تصاعد المخاوف بشأن الأوبئة، والاحتباس الحراري، والتحديات القادمة من الصين وروسيا. ولإعطاء هذه الأولويات حقها من الاهتمام يجب على بايدن، وحلفائه الديمقراطيين في الكونغرس، العمل على تفكيك أجزاء من مشروع ما بعد 11 سبتمبر. يجب إلغاء تفويض الكونغرس الرئيسَ باستخدام القوة العسكرية، والتوقف عن استخدام الطائرات المسيرة إلا في الحالات الاستثنائية المبررة، وخفض الوجود العسكري في الشرق الأوسط والخليج الذي تصاعد في فترة ترامب.

ولضمان التركيز الدائم على قضايا مثل المناخ والصحة العالمية، يجب على إدارة بايدن زيادة الاستثمارات الفيدرالية في مجال الطاقة النظيفة والاستعداد للأوبئة، كما يجب عليها القيام بإصلاحاتٍ رئيسية، كأن تقوم مؤسسات مثل وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بتعزيز خبراتها في مجال المناخ، كما يجب على مؤسسات الاستخبارات والجيش تخصيص المزيد من الموارد لفهم المخاطر الوجودية التي تهدد الشعب الأمريكي والاستجابة لها.

مقتل العشرات في أفغانستان بصاروخٍ أطلقته طائرة مسيرة أمريكية أصاب حفل زفاف- “دويتشه فيله”

ويؤكد المقال أن فريق بايدن سيواجه مقاومة لهذه الخطوات، تماماً كما حدث مع إدارة أوباما عندما كانت تحاول السباحة ضد تيار السياسة الأمريكية في قضايا مثل إغلاق معتقل غوانتانامو والاتفاق النووي مع إيران الذي حظي بدعم أقل في الكونغرس من التفويض بحرب مفتوحة في العراق. ولكن وجود بايدن اليوم في مرحلة ما بعد ترامب وما بعد الجائحة وما بعد تبني الحزب الجمهوري للترامبية التي عرَّضت حياة الأمريكيين إلى الخطر وشوهت القيم الأمريكية الديمقراطية، يتيح له فرصة فريدة ليثبت للأمريكيين أنه أكثر جدارة بالثقة وأكثر كفاءة وقدرة على تأمين البلاد وتعزيز ديمقراطيتها.

إن تعزيز الديمقراطية العالمية لا يتوافق مع حرب عالمية دائمة على الإرهاب. يجب أن يتغير ميزان المصالح، ويجب أن تكون المساعدات العسكرية الأمريكية مشروطة باحترام حقوق الإنسان. وينبغي لواشنطن أن تتخلص من النفاق الذي ألقى بثقله على السياسة الخارجية الأمريكية لفترة طويلة.

ويرى كاتب المقال أن الحرب على الإرهاب أدت إلى تعزيز العقلية الاستبدادية في الداخل الأمريكي؛ فقد دمجت الشوفينية بعد هجمات سبتمبر، بين الأمن القومي وسياسات الهوية، ودمرت معنى أن تكون أمريكياً، وطمست الفوارق بين المنتقد والعدو.

اقرأ أيضاً: إدارة بايدن.. هل تعيد النظر في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب؟

وبعد 11 سبتمبر أثارت الماكينة السياسية والإعلامية اليمينية فكرة “نحن في مواجهة الآخر”، كما أثارت مشاعر الغضب ضد الأمريكيين الذين لم يكونوا ملتزمين بشكل كافٍ بالحرب على الإرهاب، وبالغوا في تصوير خطورة الهجوم الإسلامي “الآخرين”. ولكن مع انحسار هجمات سبتمبر من الذاكرة، تغيرت طبيعة “الآخرين”، وتحول الخوف من الإرهاب وزحف الشريعة إلى الخوف من المهاجرين على الحدود الجنوبية، والغضب من الرياضيين الذين جثوا على ركبهم أثناء عزف النشيد الوطني احتجاجاً على عنف الشرطة، والخوف من نظريات المؤامرة حول كل شيء، من بنغازي إلى تزوير الانتخابات. وغالباً ما استهدفت هذه الديناميكيات الأقليات. ومن المفارقات أن إعادة توجيه التيارات المعادية للأجانب لسياسات الدولة، بعد 11 سبتمبر، أدت إلى تأجيج الإرهاب بدلاً من مكافحته. وعندما يتم تصوير المواطنين على أنهم أعداء للدولة يمكن أن يصبح التمرد العنيف أمراً واقعاً في البلاد.

ويرى الكاتب أنه عندما تحتضن دولة عظمى سلالةً عدوانية من القومية، فإن هذه السلالة ستنتشر في مختلف أنحاء العالم، فقد استخدمت السلطات الاستبدادية في دولٍ أخرى تجاوزات الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر كتبرير لاستهداف هذه الدول لمعارضيها السياسيين، وإغلاق المجتمع المدني، وفرض سيطرتها على أجهزة الإعلام، وتوسيع سلطة الدولة تحت ستار مكافحة الإرهاب. صحيح أن الولايات المتحدة ليست هي من يفعل ذلك؛ ولكنَّ دولاً مثل روسيا والصين تستخدم النموذج الأمريكي في الحرب على الإرهاب، لتبرير سياساتها القمعية تجاه شعوبها.

مظاهرة مناهضة للمهاجرين في العاصمة واشنطن- أرشيف

يفاخر الأمريكيون بتقاليد بلادهم في قيادة العالم، وبطموحها بأن تكون منارة وقدوة العالم؛ ولكن لماذا يعتقدون أن الآخرين سيحذون حذوهم فقط عندما يتعلق الأمر بالقيم والصفات الإيجابية؟ عندما يغزو الأمريكيون بلداً آخر من دون سببٍ وجيه، وعندما يدعمون الاستبداد حين يكون ذلك مناسباً لهم، وينحازون ضد الأقليات في بلادهم، ينبغي لهم ألا يتفاجأوا عندما تحاكي الدول الأخرى تلك الأفعال السيئة أو تستخدمها لتبرير استبدادها.

يجب على الأمريكيين مواجهة هذا الواقع المزعج؛ ليس لأن الولايات المتحدة يجب أن تتخلى عن دورها في العالم، بل لأنها لا تستطيع أن تخلي الساحة لقادة مثل بوتين وشي. يجب على الولايات المتحدة أن ترتقي إلى مستوى الصورة التي ترسمها لنفسها كقائد للعالم الحر.

وفي نهاية المطاف، هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يجب أن يتعلمه الأمريكيون من فترة ما بعد 11 سبتمبر. إن استعادة قيادة الولايات المتحدة للعالم تتطلب إعادة بناء نموذج الديمقراطية الأمريكية كأساسٍ لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، وسياسة الأمن القومي فيها.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

ويدعو بن رودس، في مقاله، إلى تطبيق كل هذه الدروس على المنافسة المحتدمة مع الصين. والرئيس بايدن يبرر الإنفاق الهائل على البنية التحتية من خلال الإشارة إلى ضرورة إثبات أن الديمقراطيات يمكنها التفوق على رأسمالية الحزب الشيوعي الصيني التي تسيطر عليها الدولية.

والكونغرس يستثمر موارد كبيرة في العلوم والتكنولوجيا لمواكبة الابتكارات الصينية، والبيت الأبيض يقترح سياسات اقتصادية تفضيلية تجاه بعض الصناعات الأمريكية، ووزارة الخارجية أعطت أولوية لتعزيز التحالفات الأمريكية في آسيا. وفي ما يتعلق بالتجارة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان، تعمل الولايات المتحدة مع شركائها، ومن خلال المنظمات متعددة الأطراف، مثل مجموعة الدول السبع، وحلف شمال الأطلسي، لتشكيل أقوى جبهة موحدة في وجه الصين. لقد أصبح من الممكن أن يشعر المرء بأن السفينة العملاقة قد بدأت بتغيير مسارها.

وعلى الرغم من ذلك، فسيكون من الخطأ التركيز ببساطة على “الآخرين” الجدد؛ الأمر الذي من شأنه أن يمهد لموجة جديدة من الاستبداد القومي؛ مثل تلك التي سممت الولايات المتحدة على مدى عشرين عاماً مضت. ومن الأفضل التركيز على “نحن” ديمقراطية مرنة بما يكفي لتحمل منافسة طويلة الأجل مع نموذج سياسي منافس، وبناء إجماع بين ديمقراطيات العالم، وتقديم مثال أفضل للعالم بأسره.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: العالم مكان صعب، وأحياناً خطير. وينبغي للولايات المتحدة أن تقف للدفاع عن مصالحها؛ ولكن يجب تحديد فترة ما بعد 11 سبتمبر من خلال تعزيز الديمقراطية وتحفيزها، وليس من خلال المواجهة مع العدو التالي.

ومن أجل أن يُستبدل بالحرب على الإرهاب مشروعٌ أفضل للأجيال القادمة، يجب على الأمريكيين أن يكونوا مدفوعين بما يرغبون به، وليس بما هم ضده.

♦نائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس أوباما، ومؤلف كتاب «ما بعد الخريف».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة