الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

“نتفليكس” لا تزال في مرحلة التحدي

تمكنت "نتفليكس" من جمع ما يقارب 200 مليون مشترك حول العالم.. وتركت بصمات واضحة من خلال مسلسلات مثل "هاوس أوف كاردز" و"أورنج إز ذا نيو بلاك".. وأصبحت ميزانية المحتوى السنوية الخاصة بها تمول نصف هوليوود

كيوبوست- ترجمات

أليكس باركر

قرقعة وحشرجة

“إن هذه مشكلة”، يتمتم ضيفي غاضباً.

الملياردير ريد هاستينغز هو مؤسس “نتفليكس”، وهو من حطم شركة “بلوك باستر” المتخصصة في السينما المنزلية، وقلب هوليوود رأساً على عقب باستخدام تقنية البث عبر الإنترنت. ولكن همه الرئيسي الآن هو البيتزا. وها هو ذا جاثياً على ركبتيه أمام فرن روكبوكس الذي يدعوه “لعبتي الجديدة”. يمكنني سماع أزيز قرقعة كشاطة البيتزا؛ وهي أداة معدنية تشبه الخفاش. شاشته تواجه الحديقة خارج وادي السيليكون مباشرة، والأفق المفتوح لا تشوبه إلا بضع شجرات، ويطلُّ في هذا المشهد نعلا حذاء هاستينغز الرياضي الأبيض.

قرقعة وحشرجة

“آه، إنها ملتصقة”، يقول ممتعضاً ولكن دون هلع، وبعد لحظة يلتفت مجدداً بابتسامة عريضة بقميصه الأخضر وشعره المصفف بعناية.

“لا يزال الوقت مبكراً لتناول البيتزا” (نحن في منتصف النهار هنا في لندن) “كيف يمكن لبيضة مقلية رائعة أن تتحول إلى بيضة مخفوقة، ربما لدينا بيتزا مخفوقة هنا”، ثم يطلق ضحكة مجلجلة. ربما هو ليس طاهياً ماهراً، بل ربما يبدو مثيراً للسخرية. هاستينغز بأجوائه المريحة ولحيته التي ترجع إلى ما قبل الإنترنت، هو أحد الذين تمكنوا بشكل غير متوقع من النجاة والاستمرار في وادي السيليكون، وهو الآن اللاعب الرئيسي في إحدى مؤسسات هوليوود.

اقرأ أيضاً: 20 شخصية تقود ثورة التكنولوجيا في الألفية الثانية

خبير في التقنيات الرقمية يعترف بأنه يرى العالم من خلال “الأرقام والخوارزميات”، في عامه التاسع والخمسين، وينحدر من جيل بيل غيتس وجيف بيزوس. في منتصف الثمانينيات كان يقدم القهوة في شركة “سيمبوليكس دوت كوم” -أول شركة دوت كوم في العالم- وحاول أن يسجل براءة اختراع “فأرة قدم” للكمبيوتر، الذي تبين لاحقاً أنها فكرة سخيفة تماماً، وتمكن في الثلاثينيات من عمره من تحقيق ثروة صغيرة من شركة “بيور” المتخصصة في البرمجيات، ثم جاءت “نتفليكس”.

من الصعب جداً المبالغة في تقدير حجم التغيير الذي حملته “نتفليكس” إلى هوليوود والإمبراطوريات الإعلامية التقليدية. انطلقت “نتفليكس” في عام 1997 لتوفر خدمة تأجير أقراص “DVD” عبر البريد، وكانت تهدف إلى إدخال ذكاء الإنترنت إلى عالم تأجير الفيديو المليء بالإحباط والتأخير المستمر. وبفضل المهمة الجديدة التي وضعها لها هاستينغز قبل نحو عقد من الزمن، أصبحت “نتفليكس” تتصدر قيادة ثورة نقل الفيديو عبر الإنترنت التي غيرت وجه هذه الصناعة. وبدأت مصادر جني الأرباح لمشغلي وسائل الإعلام التقليديين من خلال الفواصل الإعلانية وشبابيك التذاكر، وباقات الكيبل بالذوبان في “نتفليكس”.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن لأفلام هوليوود أن تساعد في مكافحة المجموعات الإرهابية؟

لقد كان من الممكن أن تجرفه بسهولة شركة “بلوك باستر” أو أن يضيع في انهيار الشركات الرقمية؛ ولكنه تمكن من الصمود. لاحقاً جاءت خطوته المتعثرة في عام 2011 عندما حاول تجزئة عمله، وأنشأ منصة “كويكستر” التي اضطر إلى التخلي عنها بعد تعثرها بسبب ارتفاع أسعار خدماتها وتغيير علامتها التجارية. ربما كانت شركات الإعلام التقليدية لتتمكن من إعاقة طموح “نتفليكس” لو أنها تمتعت ببعض البصيرة، إلا أنها بدلاً من ذلك رخَّصت بث “نتفليكس” مقابل المال، فوقعت تحت سيطرتها.

تمكنت “نتفليكس” من جمع ما يقارب 200 مليون مشترك حول العالم، وتركت بصماتٍ واضحة من خلال مسلسلات؛ مثل “هاوس أوف كاردز” و”أورنج إز ذا نيو بلاك”، وأصبحت ميزانية المحتوى السنوية الخاصة بها تمول نصف هوليوود الآن بفضل أفلام التشويق؛ مثل “ذي آيرش مان”، و”إكستراكشن” للممثل مارتن سكورسيز، والتي شاهدها 99 مليون شخص في شهرها الأول، بالإضافة إلى ساعات لا تحصى من المحتوى الذي يناسب جميع الأذواق.

وعلى الرغم من أن “نتفليكس” بدأت في الاقتراض أكثر (تبلغ ديونها الطويلة الأجل 15 مليار دولار)، وعلى الرغم من تدني نسبة أرباحها (بلغت أرباحها قبل الضرائب 2,1 مليار دولار في العام الماضي)، وعلى الرغم من أن انتشار وباء “كورونا” قد أضر بالإنتاج؛ فإن كل ذلك لا يسبب قلقاً حيالها في بورصة وول ستريت. يبدو أن الأزمات تزيدها قوة.

يقول هاستينغز: “كان من الممكن أن يكون كوفيد فيروساً رقمياً على الإنترنت ويقضي على جميع مخدمات العالم ويخرجنا من الخدمة، بينما تستمر المطاعم في عملها، ولكن بدلاً من ذلك، جاء الفيروس على شكل مأساة بيولوجية حبست الناس في بيوتها، وحققنا أكبر نسبة نمو على الإطلاق في النصف الأول من هذا العام”. وبفضل حصتها السوقية التي وصلت إلى 230 مليار دولار، أصبحت تنافس والت ديزني منذ شهر مارس الماضي على لقب المجموعة الترفيهية الأكبر قيمة في العالم.

رسم بياني يوضح مكاسب نتفليكس

“هل ترى بوضوح؟”، عاد هاستينغ إلى مطبخه ليعمل على عجينة البيتزا الثانية. الغرفة كبيرة؛ لكنها غير مبهرجة وسقفها بعوارضه الخشبية يشبه سقف الكنيسة في ارتفاعه. “إنها محاولتي الخاصة، عجينة مصنوعة في البيت مغطاة بجبنة الماعز والسبانخ والفلفل الحار المجفف، تبدو لذيذة للغاية.. رائعة”، شعرت بالخجل من تناول طعامي الصحي، فأزحت طبق السلطة التركية مع دبس الرمان بعيداً عن المشهد، وبينما يشرع في توزيع صلصة الطماطم بأصابعه، يسأل هاستينغز “هل قرأت الكتاب؟”.

في كتاب “قواعد اللا قواعد”، يعترف هاستينغز بعدم كفاءته في إدارة الأفراد، وبإخفائه عذريته في الجامعة، وبالبكاء أمام موظفي “نتفليكس”. ولكن هذا الكتاب ليس مجموعة من الاعترافات؛ بل هو في بعض أجزائه مذكرات شخصية ودليل في الأعمال في أجزاء أخرى، تناوب على كتابته هاستينغز مع إيرين ماير البروفيسورة في كلية إنسيد لإدارة الأعمال، والتي أجرت مقابلات مع العشرات من موظفي “نتفليكس”. ويشرح الكتاب ويناقش ثقافة “نتفليكس” القائمة على كسر قواعد المألوف التي يعتبرها هاستينغز عاملاً أساسياً في نجاح الشركة، والتي ربما يراها المراقبون من الخارج على أنها تجسيد للروح التحررية والجوانب المظلمة للواقع المرير الذي يتميز به عصر الإنترنت.

اقرأ أيضاً: أفضل 10 مسلسلات درامية كورية تمكن مشاهدتها علىنتفليكس

كسر القواعد

“نتفليكس” تكره القواعد؛ فلا حدود لإجازات الموظفين؛ ولا هم يحتاجون إلى موافقات مسبقة على النفقات، ويتقاضى الجميع رواتب أعلى بكثير من تلك الرائجة في السوق. ويتم تشجيع المخاطرة ويطبق الانفتاح والشفافية على كل شيء تقريباً، على الأقل داخلياً. وتتم مشاركة بيانات الأرباح الحساسة مع 700 موظف (تتعامل معظم الشركات مع هذه البيانات وكأنها أسرار نووية) كما أن رواتب الموظفين غير سرية. وهذا كله من الناحية النظرية نقيض البيروقراطية التي وصفها عالم الاجتماع ماكس ويبر، بقوله “مجرد تروس صغيرة، رجال صغار يتمسكون بوظائف صغيرة”. في “نتفليكس” الحرية والمسؤولية هما أسس العقيدة السائدة.

ولكن الجزء الصعب يكمن في شعار الشركة “فريق وليس عائلة”؛ لذا فإن الموظفين الجيدين يخضعون لما يسمى “اختبار البقاء”، حيث يمكن للأداء المقبول أن يقابل بـ”حزمة مكافأة نهاية الخدمة السخية”. والانفتاح الشديد يصل إلى حد النقاشات الدائمة حول ما إذا كان الموظفون مناسبين لـ”نتفليكس”، في ما يشبه العلاج الجماعي المستمر مع خطر الفصل في أية لحظة لردع الآخرين. يقول هاستينغز: “إذا اختار موظفوك إساءة استخدام الحرية التي تمنحهم إياها، فعليك أن تطردهم فوراً وبشكل صارخ”.

ربما يثير الكتاب الكثير من النقد؛ فقد كان رد الفعل الأول للمؤلفة المشاركة إيرين ماير على سياسة “نتفليكس”، هو أنها “ذكورية للغاية وعدوانية فجة”. ولكن في جميع كتب السيرة الذاتية يمكن للقراء أن يشعروا بأن هنالك شيئاً ما غير مناسب. فنظام “نتفليكس” يتمتع بخصائص إيجابية لا يمكن تجاهلها، وفيه إجابات عن كل العيوب؛ ولكن أليست كل الأنظمة تعاني بعض نقاط الضعف؟

يقول هاستينغز وهو ينثر الريحان على جبنة الموزاريلا: “حسناً، من الناحية النظرية الكلاسيكية لا يمكن اعتباره نظاماً جيداً إلا بعد العمل به لعقد أو عقدين من الزمن من بعدي”. يبد أنه علينا أن ننتظر طويلاً. وفي يوليو عيَّن هاستينغز نائبه تيد ساراندوس في منصب “الرئيس التنفيذي المشارك” إلى جانبه؛ ولكنه تعهد بالبقاء في “نتفليكس” حتى عام 2030 على الأقل.

اقرأ أيضاً: هل انتهى عصر يوتيوب“؟

ومن شرفة منزله يوضح هاستينغز أن نهج “نتفليكس” يناسب الأماكن التي يتفوق فيها الابتكار على الاستقرار والأمان. “في (نتفليكس) كان الأمر يدور حول التسامح مع مستوى معين من الفوضى والأخطاء في سبيل تحفيز المزيج من الابتكار.. ولكن يبقى السؤال عندما ازداد عدد موظفينا من 200 إلى 500 إلى 1000 إلى 5000، كيف يمكن ألا تغمرنا الفوضى؟

إن شبكة الأمان بالنسبة إلى “نتفليكس” هي شيء غير محدد تماماً. إنه الحكم. فلا بأس بالرهانات الخاطئة طالما كانت تجري بطريقة “نتفليكس”. ولكن هذا الأمر يبقى ذاتياً تماماً؛ حيث يمكن للأشخاص الأقوياء في الشركة فقط تحديد مفهوم النجاح الذي يناسبهم، أليس كذلك؟

يجيب هاستينغز: “إذا اكتفيت بمقولة لا قواعد؛ فهذا نوع من الفوضى، والسؤال هو: هل يمكنك أن تدير عملك من خلال القيم والسياق العام؛ بحيث يقوم الجميع بالشيء الصحيح دون تنسيق مركزي؟”.

طائفة دينية

مضيت في إثارة مسائل أخرى مطروحة، تذكرت ما سمعته من العديد من موظفي “نتفليكس” الذين ترك بعضهم الشركة مصدومين بثقافتها الصارخة: ألا تبدو الشركة وكأنها طائفة دينية؟

يقول هاستينغز وهو يهز رأسه: “يكمن الخطر في الأديان في تصنيف نفسك ضمن الكل الأكبر، كذلك الحال في قواعد اللينينية أو ما شابه ذلك؛ ولكننا ملتزمون بشدة بالفرد، ونوفر لكل فرد الصلاحية والقوة. لذلك ربما يشكل ذلك نوعاً من الإعجاب، وهذا أمر جيد أكثر وليس نوعاً من الطائفة الدينية؛ حيث لا يمكن للفرد أن يفكر بشكل مستقل”.

عندما خرجت بيتزا هاستينغز من الفرن بعد بضع دقائق بدت عجينتها لذيذة وشهية. ويتابع قوله: “إنه تأقلم كوفيد مع غداء الفاينانشيال تايمز، عادة ما تكون أنيقة ومرتبة؛ لكنني لم أحسن العمل اليوم”.

ينحدر هاستينغز من عائلة من أصحاب الإنجازات؛ فقد جمع جده الأكبر متعدد المواهب ثروة كبيرة في فترة انهيار وول ستريت، ثم اخترع نظاماً ملاحياً يعتبر سلفاً لنظام تحديد المواقع (GPS). ويصف هاستينغز نفسه بأنه “طفل عادي إلى حد كبير لا يمتلك موهبة محددة”. نشأ هاستينغز في ضواحي بوسطن، والتحق بتدريبات مشاة البحرية، إلا أنه انسحب منها لاحقاً وسافر إلى سويسرا مع قوات حفظ السلام. وبعد أن رفضته جامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجد فرصته في برامج الدراسات العليا لعلوم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد.

المدير التنفيذي لشركة “نتفليكس” ريد هاستينغز.. “بزنس إنسايدر”

في عمله، وقع هاستينغز ضحية كونه قائداً للناس دون أن يمتلك الكثير من المهارات القيادية. وفي كتابه حول بدايات “نتفليكس”، وصفه مارك راندولف بالشريك المؤسس في الشركة، قارنه مع شخصية “سبوك” في مسلسل “ستار تريك” الشهير، ووصف اجتماعهما الذي لا ينسى؛ حيث قام هاستينغز باستعراض نقاط ضعف راندولف من خلال عرض شرائح “باور بوينت”، ثم تمت إقالته من منصب الرئيس التنفيذي.

ويعترف هاستينغز: “ربما لن أستخدم برنامج (باور بوينت) الآن؛ ولكنه من الصعب التخلص من شريكك المؤسس وإخراجه من الشركة. لقد أردت أن يكون لديَّ سبب منطقي وواضح يشرح أهمية هذه الخطوة بالنسبة إلى الشركة. وفي ذلك الوقت فكرت في استخدام برنامج باور بوينت”.

ينظر هاستينغز إلى “نتفليكس” على أنها الجزء الأقل حظاً في حياته المهنية. فهو يعتمد بشكل كبير على ساراندوس باعتباره علامة في عالم الترفيه، إلى درجة أنه لم يقم باستشارته عندما دفع مبلغ 100 مليون دولار ثمناً لمسلسل “هاوس أوف كاردز”. ويفخر بأنه لا يتخذ إلا القليل جداً من القرارات.

وهنا يأتي السؤال: لماذا تستمر في العمل؟ لماذا لا تصبح رئيس مجلس الإدارة بدلاً من الرئيس التنفيذي المشارك؟ والجواب البسيط هو الافتقار إلى النجاح على الصعيد الدولي. ويصرح هاستينغز بأنه يرى أن “نتفليكس” خارج الولايات المتحدة على أنها شجرة صغيرة، معظم نموها يتم خارج أمريكا ويعتمد بقاؤها على استمرار هذا النمو. ويضيف: “إننا لا نزال في مرحلة التحدي والمنافسة”.

تعمل “نتفليكس” على زيادة الإنتاج المحلي (بدءاً من الفيلم الإسباني الشهير (كاسا دي بابيل)”، وصولاً إلى الأفلام الهندية المهمة؛ مثل “ساكريد غايمز”؛ وهي تعمل بشكل متزايد أيضاً على إعادة خلق رسوم التليفزيون التقليدي؛ ولكن بشكل مختلف.

إن ثورة “نتفليكس” ربما تكون أشبه بتحفة لامبيدوزا “ذي ليوبارد”؛ حيث يجب أن يتغير كل شيء كي تبقى الأشياء كما هي.

يجيب هاستينغز: “يمكنني أن أجادل في ذلك؛ ولكني أعرف ماذا تقصد، إنها ليست (تيك توك)، ونحن لا نخلق شكلاً جديداً تماماً من أشكال الترفيه.. لا نزال نقدم مسلسل (ذي كراون). هذا تقليدي للغاية من عدة نواحٍ”.

اقرأ أيضاً: هذا ما اختارتهغوغلوأبللقائمة أفضل تطبيقات عام 2018

ومع ذلك فإن طريقة عمل “نتفليكس” تعاكس تماماً طريقة عمالقة وسائل الإعلام المتعطشة إلى السلطة المنتشرة عبر القارات؛ فليس فيها إعلانات، ولا أحداث رياضية مباشرة ولا أخبار بالتأكيد، فليس من الحكمة الانشغال بها. “نتفليكس” لديها ما يكفي من المشكلات مع عدد من الحكومات المستبدة، وقد اضطرت إلى فرض رقابة على بعض العروض، وألغت إنتاجاً تركياً؛ لأن السلطات فيها اعترضت على شخصية مثلية الجنس.

بالنظر إلى الأثير الاجتماعي للدراما، لماذا قلتَ ذات يوم إن “نتفليكس” ليس من عملها نقل الحقيقة؟ صمت هاستينغز للحظة ثم قال: “ربما لم تكن هذه أفضل عبارة استخدمتها على الإطلاق، ما قصدته هو أننا لا نعمل في مجال الأخبار.. نحن في الترفيه؛ ولكنك محق في أن هناك الكثير من الحقيقة في الأعمال الترفيهية”.

بكين وواشنطن

ننتقل إلى العواصف الأكبر التي تضرب وادي السيليكون، في البداية أثر موضوع التوتر بين الصين والولايات المتحدة ومسألة بلقنة الإنترنت. أجاب هاستينغز: “نحن مع العولمة بشدة، ولسنا نادمين”؛ ولكنه تردد عندما ذكرت تحرك ترامب لحظر “تيك توك”، وقال: “الحقيقة أنني لم أتابع هذه القضية عن قرب”.

في أواخر التسعينيات، عندما كانت “غوغل” شركة صغيرة ناشئة، مرت مسيرة هاستينغز بمنعطف رئيسي من خلال عمله بالضغط لصالح وادي السيليكون كرئيس لشركة “تيك نيت”.

 هل أصبحت الشركات التكنولوجية الكبيرة تشكل تأثيراً سلبياً على المجتمع؟ يجيب هاستينغ: “لا أدري؛ فأنا لا أرى أن الكِبَر هو القضية الأساسية هنا”.

وعندما ذكرت أن “نتفليكس” خرجت من تطبيق “آب ستور” العائد لشركة “أبل” في عام 2018 كي تتجنب مشاركتها في جزءٍ من عائدات الاشتراكات، قاطعني هاستينغز قائلاً: “ولكننا واصلنا النمو”، فقلت حسناً، ربما حصل ذلك لأن “نتفليكس” كانت كبيرة بما فيه الكفاية للقيام به؛ ولكن معظم الآخرين ليسوا كذلك، فوافقني جزئياً بقوله: “مع نمو التكنولوجيا سوف يكون هنالك معارك وجدل، وربما إساءة تصرف أيضاً”.

اقرأ أيضاً: مايكروسوفت تستسلم في سوق الهواتف المحمولة أمام أبل وجوجل

كان هاستينغز قد انتهى من طعامه ولم يتناول مشروباً، وكان وقتنا قد شارف على الانتهاء. وسأختتم بالحديث عن صيف الولايات المتحدة الحافل بالاحتجاجات، وعن حديث هاستينغز عن الظلم الاجتماعي وتحركاته السياسية في مجالات مجموعات الضغط التكنولوجية إلى إنفاق الملايين على الترويج للمدارس المستقلة في كاليفورنيا، وسألته هل تفكر في دخول عالم السياسة؟

لقد أدركت أنني أحب قول الحقيقة كما هي، وأنا بذلك أشبه المفكر الطموح، وهذا عكس ما يحتاج إليه السياسي، أليس كذلك؟ إن القادة الذين يتم انتخابهم هم القادة السطحيون أو الكاذبون.

فأجبته: “لقد آن الأوان لظهور قوى ثورية”، فضحك قائلاً: “هل تذكر تلك الرسوم المتحركة القديمة من نيويورك التي ظهرت فيها دار سينما يقف أمامها طابور طويل لحضور فيلم عنوانه (الكذب المريح)، بينما في دار أخرى مجاورة يقف شخصان فقط أمام عنوان (الحقيقة المزعجة)؟”.

وبعد أن ودَّعني بابتسامة لطيفة ورحل، عُدت إلى طبق السلطة الذي أخفيته، وبحثت عن الرسوم المتحركة، واتضح لي أن ذاكرة هاستينغز قد خانته بعض الشيء، فقد كانت هذه الرسوم قد نشرت في جريدة “كريستيان ساينس مونيتور”، ولم يكن هنالك أحد ينتظر لحضور عرض “الحقيقة المزعجة”.

المصدر: فاينانشال تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة