الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون دوليةشؤون عربية

ناصر بوشيبة: تنويع الشراكات مع الصين ميزة تنافسية

الخبير في معهد السياسة والإدارة العمومية في جامعة "صن يات صن" الصينية لـ"كيوبوست": مبادرة "الحزام والطريق" تمنح اقتصاداتنا العربية فرصاً جديدة

المغرب- حسن الأشرف

أكد الدكتور ناصر بوشيبة، خبير في معهد السياسة والإدارة العمومية في جامعة “صن يات صن” الصينية، ورئيس جمعية التعاون الإفريقي الصيني للتنمية في المغرب، أن تنويع الرباط للشراكات السياسية والاقتصادية يعد ميزة تنافسية لبناء دولة حديثة واقتصاد قوي ومستدام.

وأبرز بوشيبة، ضمن حوار خاص مع “كيوبوست”، أن الصين تتفهم دفاع المغاربة عن الصحراء ضد جبهة البوليساريو المطالبة بالانفصال؛ لكون الصينيين يعانون نفس الأخطار الانفصالية.

ولفت الخبير المغربي في الشأن الصيني إلى أن استعماله اللغة الصينية لم يقتصر فقط على الدفاع عن مغربية الصحراء، بل يشمل أيضاً عدداً من القضايا التي تهم العرب.

اقرأ أيضاً: دخول التنين… نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وهذا نص الحوار:

أستاذ ناصر بوشيبة أحد القلائل الذين هاجروا من المغرب مبكراً إلى الصين، وحققوا هناك نجاحات لافتة..كيف يمكنك إجمالاً اختصار ما عشته في بلاد التنين؟ كيف يمكنك وصف تجربتك في الحياة هناك؟

أولًا، أود أن أتقدم بجزيل الشكر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، على دعمها الدائم واللا مشروط للقضايا المصيرية للدول العربية؛ وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

جواباً عن سؤالكم؛ بعد مرحلة الطفولة التي اتسمت بالكثير من الإعجاب بالثقافة الشرق آسيوية بصفة عامة، وفنون الحرب بصفة خاصة؛ حيث سبق أن حصلت على بطولة المغرب لرياضة التايكوندو، وطأت قدماي الصين لأول مرة عام 1995، وأنا تواق لاكتشاف خبايا هذا البلد الذي يكاد يختلف عن وطني الأم في كل شيء.

ووضعت حينها صوب عيني تعلم اللغة الصينية كهدف أساسي.

 ولا أخفيكم أن تعلم هذه اللغة يحتاج إلى وقت طويل ومجهودات جبارة، فضلاً عن انغماس كامل في المجتمع الصيني، فكانت رحلة مليئة بالمغامرات والنجاحات وكذلك الإخفاقات، توجت ولله الحمد بمسار مهني متميز تمكنت خلاله من التدريس في أعرق الجامعات الصينية وتكوين دفعات كثيرة من الطلبة الصينيين في مجالات التدبير الاستراتيجي والمقاولة.

بوشيبة يُدرس لطلبة الصين

في السياق نفسه، كان لديَّ حلم عند حلولي بالديار الصينية؛ وهو تأليف كتاب باللغة الصينية، وهو ما حققته العام الماضي بإصدار كتاب “تاريخ العلاقات المغربية- الصينية 1958- 2018″، والذي حقق نجاحاً كبيراً في كل من المغرب والصين.

صرت أحد أبرز الوجوه التي تجسد الجسور الحضارية القائمة بين المغرب والصين.. كيف تقيِّم إجمالاً الجسور الحضارية بين المغرب والصين بين الماضي والحاضر؟

لا يخفى على أحد أن جدنا الرحالة ابن بطوطة كان أول جسر في تاريخ العلاقات الثنائية بين المغرب والصين.

وكان هناك رحالة مغاربيون وأندلسيون آخرون توجهوا شرقاً؛ مثل الشيخ “أبو البركات يوسف الأمازيغي” الذي أدخل الإسلام إلى جزر المالديف؛ لكن لم يحظوا بنفس الشهرة لعدم توثيق أسفارهم.

الإرث الثقافي الذي تركه لنا ابن بطوطة بات تراثاً عربياً إفريقياً وإسلامياً وإنسانياً. لذلك نحن بصدد التحضير لتصوير فيلم من سيناريو مستوحى من مسار هذا الرحالة في الصين، ونتمنى أن لا يقتصر التصوير على المغرب والصين فقط؛ بل يشمل جميع الدول التي مر منها ابن بطوطة خلال رحلاته في ليبيا ومصر، وبالخصوص دول الخليج العربي.

اقرأ أيضاً: رحلة إلى مكة.. على خطى ابن بطوطة  

أما في الوقت الحاضر، بعد حصول المغرب على استقلاله عام 1956، رحب السلطان الراحل محمد الخامس، بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع الصين، كما وطَّدَ الملك الراحل الحسن الثاني، العلاقات السياسية مع بكين على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي الكبير بين النظامَين.

وفي عام 2018، خلال الزيارة الملكية التاريخية للصين، رفع الملك محمد السادس من مستوى العلاقات الثنائية، لتصبح شراكة استراتيجية بين البلدَين.

بمعية باحثين وطلبة من المغرب وإفريقيا

يبدو أن الدبلوماسية المغربية قررت عدم الاحتفاظ بجميع البيض في سلة واحدة، سلة الحلفاء التقليديين (فرنسا والولايات المتحدة..) واتجهت نحو تعزيز العلاقات مع آسيا وخصوصاً الصين..كيف ترى توجه المغرب نحو تنويع علاقاته السياسية والاقتصادية لتشمل بكين؟

خلال فترة الحرب الباردة، حافظ المغرب على علاقات قوية مع دول المعسكرَين الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي، في تجسيد ذكي لسياسة عدم الانحياز؛ فلم يُسجل قط أن تدخَّلَ المغرب في الشؤون الداخلية لجيرانه أو سعَى إلى تقسيمها ونشر التفرقة فيها، بل كان دائماً من دعاة الوحدة؛ سواء على المستوى العربي أو الإفريقي.

يجب أن نعترف أن تنويع الشركاء الدوليين ليس بالأمر الهين؛ حيث يتطلب استقلاليةً في القرار وقوةَ شخصية للقيادة السياسية وإجماعاً شعبياً على شرعيتها، وهي الظروف التي كانت دائماً تتوفر في المغرب، والذي جعل من تنويع الشراكات ميزة تنافسية لبناء دولة حديثة واقتصاد قوي ومستدام..

حاولت التعريف بقضية الصحراء المغربية باللغة الصينية؛ هل ترى مثل هذه “الدبلوماسية اللغوية والحضارية” إن صح التعبير، ذات جدوى؟

بعد مقام دام أكثر من 20 سنة في الصين، طورت شخصياً علاقات متينة مع العديد من الصحفيين والكتاب الصينيين، كما تلقَى المقالات التي أنشرها باللغة الصينية ترحيباً كبيراً منهم.

وكجزء من عملي كباحث، أواظب بشكل دائم على نشر مقالات حول تاريخ وجغرافية وثقافة المغرب، لكي يرسم القارئ الصيني صورة موضوعية عن بلدي، وأسهم في تقريب وجهات النظر بين الشعبَين.

اقرأ أيضاً: كيف ستؤثر قوة الصين المتزايدة على العلاقات الخليجية- الصينية؟

مثلاً يتفهم الصينيون استماتتنا والتفافنا حول الملك محمد السادس في الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد؛ لأنهم يعانون نفس الأخطار الانفصالية.

كما أنهم يولون أهمية كبيرة للشرعية التاريخية التي هي في صف المغرب مهما اختلفت المراجع التاريخية؛ خصوصاً تلك التي دوَّنها المستعمر خلال نهبه أراضينا وخيراتنا طيلة قرن ونصف القرن من الزمن.

ستساعد الصين المغرب في تصنيع اللقاح ضد فيروس كورونا خلال الأسابيع القليلة المقبلة؛ لبلوغ الاكتفاء الذاتي.. لماذا برأيك لجأ المغرب إلى الصين لإنجاز هذا المشروع الكبير، ولم يلجأ إلى بلدان أخرى؟

للأسف، النموذج الغربي في التعامل مع الدول السائرة في طريق النمو يتميز بالواقعية الفجة؛ فهو يتعامل مع هذه البلدان كمجرد أسواق لبيع منتجات الدول المتطورة، لذلك لا توجد الكثير من تجارب نقل الخبرات إلى دولنا العربية من شركائنا التقليديين في الغرب.

في لقاء مع العاهل المغربي الملك محمد السادس

في المقابل، تعتبر الصين نقل الخبرات أولوية في سياستها الخارجية، وهو ما يمكنها من كسب ود شركائها، وفي الوقت نفسه الحصول على امتيازات في ظل تنافس شرس مع الغرب واليابان حول الموارد الطبيعية.

أرى أن اختيار المغرب كان مبنياً على العلاقات المتميزة والإعجاب المتبادل الذي يجمع بين الملك محمد السادس، والرئيس الصيني شي جين بينغ.

وكذلك اعتمدت الصين تقنية تقليدية في صناعة اللقاح تعتبر آمنة نسبياً مقارنةً مع تقنيات جديدة ما زالت تحتاج إلى المزيد من التجارب السريرية ومراقبة الأعراض الجانبية على الأمد المتوسط والطويل.

اقرأ أيضاً: هل تسعى الصين لبناء تحالف منافس؟

ما الذي يمكن أن تربحه الدول العربية عموماً في علاقاتها مع الصين؟ وما الذي يمكن أن تربحه الصين من علاقاتها مع الدول العربية والإفريقية؟

خلال لقاء مع مسؤول صيني رفيع المستوى، كنت سألته لماذا لم يتم إدراج تدريب مهندسين محليين في مشروع للبنية التحتية بالمغرب، فكان جوابه كالتالي: “بكل بساطة لم يُطلب منا ذلك”.

يتضح من خلال جواب المسؤول الصيني الكبير لي، أنه يجب علينا تطوير رؤيتنا الخاصة للشراكة مع الصين، من خلال اعتماد تناقل الخبرات كهدف أساسي يمكننا من خلق تطور مستدام نعتمد فيه تدريجياً على طاقاتنا الشابة؛ خصوصاً أن مبادرة “الحزام والطريق” تمنح لنا فرصاً جديدة للحصول على استثمارات مهمة لتحديث بنياتنا التحتية والنهوض باقتصاداتنا العربية والإفريقية، في سياق شراكات “رابح رابح”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة