الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

مَن هو راعي حقوق الإنسان في العالم؟

لا يمكن حصر حقوق الإنسان بمجموعة جغرافية واحدة أو نظام سياسي أو دين محدد.. ولهذا السبب تُدعى عالمية

كيوببوست- خاص

د.دينيس ساموت♦

لفت انتباهي خبر بريء من العاصمة السعودية الرياض، الأسبوع الماضي، حول اجتماع بين رئيس هيئة حقوق الإنسان السعودية الدكتور عواد العواد، مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الدكتور نايف الحجرف، ناقشا فيه سبل زيادة التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي في مجال حقوق الإنسان.

وما لفت انتباهي هو أن النقاش حول قضايا حقوق الإنسان يبدو وكأنه نوع من المونولوج؛ حيث يقوم متحدثون غربيون بإلقاء العظات والاتهامات، وحتى التهديدات، في وجه نظرائهم من مختلف أنحاء العالم. فالغرب بشكل عام قد نصَّب نفسه وصياً على حقوق الإنسان في العالم أجمع، ووضع هذا الأمر في مقدمة ومركز تعاطيه مع بقية أنحاء العالم. وقد أكدت إدارة الرئيس بايدن، مؤخراً، هذا النهج.

فما السبب وراء هذا الأمر؟ وما العواقب المترتبة عليه؟ وما أهمية اللقاء بين العواد والحجرف؟

تبنت الأمم المتحدة في عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أصبح منذ ذلك الحين الوثيقة الرئيسية والنقطة المرجعية لجميع النقاشات المتعلقة بحقوق الإنسان في مختلف أرجاء العالم. ويقر السطر الأول من هذا الإعلان بـ”الكرامة المتأصلة والحقوق المتساوية والثابتة لجميع أعضاء الأسرة البشرية”.

إليانور روزفلت تحمل النسخة الإنجليزية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- أرشيف

كان إصدار مثل هذا الإعلان من قِبل دول العالم في عام 1948 أمراً غير مسبوق. كان الأوروبيون قد قتلوا في العقد الماضي ستة ملايين يهودي ممن يعيشون بينهم، وكثيرين غيرهم؛ مثل الغجر والمثليين. لا تزال دول أوروبية تسيطر على أجزاء كبيرة من العالم بروابط استعمارية، ولم يتم القضاء على العبودية بشكل كامل، ولطخت الفظائع والمذابح الجماعية صفحات التاريخ الحديث للعديد من البلدان. وقد كانت الصدمة وهول هذه الجرائم هي ما دفع بأجندة حقوق الإنسان إلى الواجهة. وأقسم البشر المحترمون في العديد من الدول على أن هذا “لن يحدث مرة أخرى”. وقامت أوروبا، التي شهدت أسوأ انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وكرامة البشرية، بالتكفير عن أفعالها وإعادة تشكيل نفسها.

اقرأ أيضاً: أوروبا ترفع البطاقة الحمراء في وجه تركيا بسبب حقوق الإنسان

ومع ذلك تم استيعاب البحث في حقوق الإنسان بعد عام 1948 بسرعة في خطاب حقبة الحرب الباردة، وتم في عام 1975 التوافق على وثيقة أساسية أخرى، وهي وثيقة هلسنكي النهائية، التي وقعت عليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وكل دول أوروبا وأمريكا الشمالية الكبيرة والصغيرة.

وقد أصبحت هذه الوثيقة بمنزلة العمود الفقري للمدافعين عن حقوق الإنسان في العالم؛ ليس فقط لأنها اعترفت بحقوق الإنسان، بل لأن جميع الدول اتفقت على أن حقوق الإنسان ليست فقط من اختصاص حكومة الدولة المعنية؛ بل هي مسألة تخص الجميع.

وافقت القيادة السوفييتية على إدراج ما يُسمى “البعد الإنساني” لوثيقة هلسنكي النهائية، بمقابل الاعتراف بأمور أخرى؛ مثل الاعتراف بالحدود، ولكنها لم تستوعب أن هذا الأمر سوف يكلفها حياتها، وسيسمح للغرب بتحدي أُسس النظام السوفييتي برمته. بينما في المقابل اعتبر الغرب وثيقة هلسنكي النهائية بمثابة فرصة لاحتلال موقع الصدارة الأخلاقية. وكل ما يلي ذلك هو تاريخ.

الأمين العام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي يوقع على وثيقة هلسنكي وإلى جواره رئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل- منظمة الأمن والتعاون الأوروبي

لا شك في أن معظم مخاوف الغرب بشأن حقوق الإنسان في الدول الأخرى لها ما يبررها، وفي أن النيَّات من وراء الانتقادات هي نيَّات حسنة، ولا شك أيضاً في أن الكثير من الأمور الجيدة حدثت والكثير من الأمور السيئة قد تم منع وقوعها نتيجة اهتمام الغرب وحرصه.

غالباً ما لا تكون أفعال الغرب مدفوعة من حكوماته؛ بل من مجموعات المجتمع المدني التي تقوم بحملاتٍ دؤوب لإدراج حقوق الإنسان ضمن السياسات الخارجية للدول، تؤدي إلى استجابة الحكومات لهذه المجموعات. المنظمات غير الحكومية الغربية لا تخجل من انتقاد حكوماتها أيضاً.

في عام 1994 كنت حاضراً في اجتماعٍ للحكومات الموقعة على وثيقة هلسنكي النهائية في بودابست؛ حيث كانت هذه الحكومات تستعرض التقدم الحاصل في تطبيق ما نصت عليه الوثيقة. كان هنالك اقتراح بالسماح لمنظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات غير الحكومية بمخاطبة الاجتماع، وعلى مدى ثلاثة أيام حاول المندوب التركي عرقلة الاقتراح؛ لخشيته من الانتقادات نتيجة انتهاكات حقوق الإنسان في بلاده، بينما دعم مندوبو الولايات المتحدة ودول أوروبا المقترح. وعندما استسلم المندوب التركي وأخذت منظمة العفو الدولية الكلمة، لم تكن تركيا هي موضوع الانتقادات؛ بل الولايات المتحدة وسياساتها في المحافظة على عقوبة الإعدام وتنفيذها.

اقرأ أيضاً: تقرير جديد: إيران تجرم المدافعين عن حقوق الإنسان وتخضعهم لمحاكمات جائرة

أصبحت حقوق الإنسان اليوم جزءاً من العلاقات الدولية. وهذا أمر واقع لن يتغير؛ خصوصاً أن وسائل الإعلام الرئيسية العالمية ووسائل التواصل الفورية تعني أن أي حدث يقع في أي جزء من العالم سيتم نقله فوراً إلى الملايين في مختلف أنحاء العالم. ولا عذر لأحد في أن يقول “لم أكن أعلم”. لقد اكتشف الناس قوة اجتماعهم في العالم الافتراضي في حركاتٍ عالمية للتأثير على هذه السياسة أو تلك، وفي دعم هذه الحركة أو تلك.

الأمر الواضح هو أنه لا يمكن ولا ينبغي لمجموعةٍ واحدة من الدول أو لنظام سياسي أو دين بعينه أن تحتكر أجندة حقوق الإنسان. تتحمل أوروبا والغرب بشكل عام مسؤولية كبيرة تجاه حماية حقوق الإنسان في العالم؛ لأسبابٍ ليس أقلها تجاربها السابقة، الإيجابية منها والسلبية، ولكن يجب أن تكون مقاربتها لهذا الأمر أكثر دقة وتواضعاً. يجب الاستماع إلى الآخرين ويجب تقدير آرائهم. والحوار حول حقوق الإنسان يجب أن يكون حواراً بكل ما تعنيه الكلمة.

لا وجود لحقوق الإنسان دون ممارسة حق المعرفة- “أوراسيا نيوز”

حقوق الإنسان وكرامته مسألة غير قابلة للتصرف. ويجب الدفاع عنها عندما تنتهك، ويجب معاقبة مَن ينتهكونها؛ ولكن الإجراءات المتبعة لتحقيق ذلك يجب أن تبدأ من القاعدة إلى القمة، ولا ينبغي أن تكون مدفوعة من الغرب فقط؛ بل من العالم أجمع.

يشير البعض إلى تجربة مجلس حقوق الإنسان، حيث دائماً ما تستخدم بعض الدول تكتيكات المماطلة لعرقلة التدقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ويعتبرون ذلك مثالاً على خلل هذه المقاربة. صحيح أن اتباع مقاربة أكثر شمولية قد يستغرق وقتاً أطول في إحداث التغيير حيث تستمر معاناة البعض؛ ولكن في المقابل فإن التغيير المفروض من الخارج غالباً ما سيكون سطحياً أو قصير الأجل، وربما يعطي نتائج عكسية.

اقرأ أيضاً: سبعون عاماً على حقوق الإنسان.. انتصارات مهمة وإخفاقات كبرى

يجب أن تجري دول الخليج حوارها الخاص حول حقوق الإنسان الذي تطرح فيه آراء مختلفة من داخل مجتمعات هذه الدول. إن مَن يقولون إن حقوق الإنسان تقوم على استيراد القيم من الخارج إنما يرتكبون خطأً كبيراً؛ لأنها تقوم على الاعتراف بالقيم العالمية “الكرامة المتأصلة والحقوق المتساوية والثابتة لجميع أعضاء الأسرة البشرية”.

مدير ورئيس تحرير موقعلينكس يوروبwww.commonspace.ey ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي: Human Rights are universal

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة