الواجهة الرئيسيةترجمات

مَن بنى أهرامات مصر؟

ليس المخلوقات الفضائية ولا سكان مدينة أتلانتس المفقودة

كيوبوست- ترجمات

أوين جاروس

أهرامات مصر أعجوبة أثرية ترتفع عالياً فوق رمال الصحراء، ويمكن رؤيتها من مسافة أميال. لا شك في أن بناء هذه الأهرامات كان مهمة ضخمة؛ فمَن نفَّذ هذه المهمة؟ هنالك العديد من النظريات حول مَن بنى الأهرامات المصرية؛ منها أن أعداداً كبيرة من العبيد المستعبدين هم مَن فعل ذلك، وغيرها من الأفكار العجيبة؛ مثل سكان مدينة أتلانتس المفقودة أو حتى مخلوقات فضائية. ولكن لا تمتلك أيُّ من هذه النظريات أي أدلة تدعمها.

من غير الممكن أن يكون اليهود هم مَن بنى الأهرامات؛ فقد كشف علماء الآثار أنه لم يتم العثور على أية بقايا أثرية يمكن ربطها بالشعب اليهودي في مصر، ترجع إلى 4500 عام مضت عندما بُنيت الأهرامات. بالإضافة إلى ذلك، فإن القصة الواردة في التوراة العبرية عن استعباد اليهود في مصر تشير إلى مدينة تُسمى “رمسيس”. وقد نشأت مدينة “بي رمسيس” أثناء حكم الأسرة التاسعة عشرة (بين 1279 و1213 قبل الميلاد) وسُميت المدينة تيمناً بالفرعون رمسيس الثاني الذي حكم بين عامَي 1279 و1213 قبل الميلاد؛ أي أن بناء هذه المدينة قد تم بعد حقبة بناء الأهرامات في مصر.

الهرم المدرج للملك زوسر- أرشيف

كتب عالما الآثار إسرائيل فينكلشتاين، ونيل آشر سيلبرمان، في كتابهما «اكتشاف الكتاب المقدس.. رؤية جديدة لعلم الآثار حول إسرائيل القديمة وأصل نصوصها المقدسة»: “ليس لدينا أي دليل، ليس حتى كلمة واحدة عن الإسرائيليين الأوائل في مصر، لا في النقوش الضخمة على جدران المعابد، ولا في نقوش القبور، ولا في أوراق البردي”.

علاوة على ذلك، فلم يتم العثور على أي دليل أثري لمدينة أتلانتس في أية حقبة زمنية، ويعتقد العديد من الدارسين أنها قصة خيالية. أما بالنسبة إلى المخلوقات الفضائية، فهي فكرة من خارج هذا العالم.

اقرأ أيضاً: مذكرات “نيوتن” تكشف سر اهتمامه بالأهرامات

في الحقيقة، يقول علماء الآثار المصرية إن كل الأدلة تشير إلى أن المصريين القدماء هم مَن بنى الأهرامات؛ لكن كيف عاش بناة الأهرامات؟ وكيف تقاضوا أجورهم؟ وكيف كانت تتم معاملتهم؟ كل هذا لا يزال لغزاً يحاول الباحثون حله.

يوجد في مصر أكثر من مئة هرم قديم؛ ولكن من أشهرها الهرم المتدرج الأول الذي بُني في عهد الفرعون زوسر (2630- 2611 قبل الميلاد)، والهرم الحقيقي الأول (ذو الجوانب الملساء) الذي تم بناؤه في عهد الفرعون سنفرو (2575- 2551 قبل الميلاد).

اقرأ أيضاً: لحظة فتح قبر “توت عنخ آمون”.. كيف بدأت لعنة الفراعنة؟

كتب مارك لينر، في كتابه «الأهرامات الكاملة.. حل الألغاز القديمة» أنه تم بناء الهرم الأكبر في الجيزة في عهد الفرعون خوفو (2551- 2528 قبل الميلاد)، كما قام خليفته خفرع (2520- 2494 قبل الميلاد)، ومنقرع (2490- 2472 قبل الميلاد)، ببناء أهرامات في الجيزة أيضاً.

وأشار لينر، في كتابه، إلى أن الفراعنة توقفوا تدريجياً عن بناء الأهرامات خلال عصر المملكة الحديثة (1550- 1070 قبل الميلاد)، واختاروا بدلاً من ذلك أن يتم دفنهم في وادي الملوك الذي يقع على بُعد نحو 483 كيلومتراً جنوبي الجيزة. وخلال العقود القليلة الماضية عثر علماء الآثار على أدلة جديدة تدل على الذين بنوا الأهرامات، وكيف كانت حياتهم.

الهرم الأكبر- أرشيف

تشير السجلات؛ بما فيها البرديات المكتشفة عام 2013 في مصر، في وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر، إلى مجموعات كبيرة من العمال -تترجم أحياناً بكلمة “عصابات”- قد ساعدت على إحضار المواد إلى الجيزة. تتحدث برديات وادي الجرف عن مجموعة من 200 رجل يقودها رجل يُدعى ميرير. نقلت هذه المجموعة الأحجار الكلسية بالقوارب في مجرى النيل لمسافة تقارب 18 كيلومتراً من منطقة طرة إلى الهرم الأكبر؛ حيث استعملت الحجارة لبناء القشرة الخارجية للهرم.

في الماضي افترض علماء المصريات أن بناة الأهرام كانوا يتألفون بشكلٍ رئيسي من عمال زراعيين موسميين عملوا في البناء في الفترة من العام التي لم يكن لديهم ما يفعلونه في الزراعة خلالها. ولكن لا يزال يتعين علينا أن نتأكد إذا كان ذلك صحيحاً أم لا. البرديات التي تتحدث بالتفصيل عن تاريخ الأهرامات لا تزال قيد الدراسة لفك شيفرتها وتحليلها؛ ولكن النتائج تشير إلى أن عصابة ميرير فعلت أكثر بكثير من مجرد المساعدة في بناء الهرم.

اقرأ أيضاً: توت عنخ آمون.. أكثر معرض جذباً للزوار في تاريخ فرنسا

يبدو أن هؤلاء العمال قد جابوا معظم أنحاء مصر، وربما وصلوا إلى صحراء سيناء، ونفذوا العديد من مشروعات البناء والمهام التي أوكلت إليهم. وهذا يثير التساؤل حول كونهم جزءاً من قوة محترفة دائمة بدلاً من مجموعة من العمال الزراعيين الموسميين الذين سيعودون إلى حقولهم.

يقول بيير تاليت؛ أستاذ المصريات في جامعة السوربون بباريس، الذي يقوم بفك شيفرات البرديات، ويشارك في قيادة الفريق الذي اكتشفها: “وفقاً للبرديات، تم إعطاء العمال نظاماً غذائياً يضم التمر والخضار والدجاج واللحم”، وأضاف تاليت: “بالإضافة إلى النظام الغذائي الصحي، تصف البرديات أعضاء في فريق العمل، وهم يحصلون بشكل منتظم على المنسوجات التي ربما كانت تعتبر نوعاً من المال في ذلك الوقت”.

أحد الممرات داخل هرم خوفو في الجيزة- أرشيف

بالإضافة إلى ذلك، قال مارك لينر، مدير مؤسسة أبحاث مصر القديمة في ماساتشوستس: “إن المسؤولين في المناصب العالية الذين أسهموا في بناء الأهرامات ربما يكونون قد تلقوا قطعاً من الأراضي على سبيل المنح؛ حيث تظهر السجلات التاريخية أنه في فتراتٍ من تاريخ مصر، جرى تقديم منح من الأراضي إلى المسؤولين في مصر؛ ولكنه من غير المؤكد إذا ما كانت الأراضي قد أُعطيت للمسؤولين الذين شاركوا في بناء الأهرامات”.

عمل فريق لينر بالتنقيب في قرية في الجيزة كان يعيش فيها ويتردد عليها بعض العمال الذين كانوا يبنون هرم منقرع. وحتى الآن، وجد علماء الآثار أدلة على أن سكان هذه المدينة كانوا يخبزون كميات كبيرة من الخبز، ويذبحون آلاف رؤوس الماشية، ويصنعون كميات كبيرة من البيرة. وبناء على عظام الحيوانات التي وجدت في الموقع، وبالنظر إلى الاحتياجات الغذائية للعمال، قدَّر علماء الآثار كميات الماشية التي ذُبحت كل يوم بنحو 1800 كيلوغرام من الأغنام والماعز؛ لإطعام العمال.

اقرأ أيضاً: المتحف البريطاني.. أكبر مقتنٍ للقطع الأثرية المسروقة في العالم

تُظهر رفات العمال المدفونين في قبورٍ قرب الأهرام، أن عظام هؤلاء العمال قد تعافت بشكل جيد بعد أن عولجت كسورها بشكلٍ صحيح، مما يشير إلى أنهم حصلوا على الرعاية الصحية التي كانت متوفرة في ذلك الوقت. وقد أدى النظام الغذائي الغني والرعاية الصحية والمنسوجات التي كان العمال يتلقونها كشكلٍ من أشكال الرواتب، إلى أن يتفق علماء الآثار على أن العمال لم يكونوا من العبيد.

ولكن هذا لا يعني أن كل العمال حصلوا على مساكن متماثلة؛ فقد أظهرت الحفريات في المنطقة أن بعض كبار المسؤولين كانوا يعيشون في منازل كبيرة، وكانوا يحصلون على أفضل قطع اللحم. وفي المقابل يعتقد لينر أن العمال الأدنى مرتبة كانوا يعيشون في مساكن بسيطة أو في زوايا الأهرامات نفسها.

أوين جاروس

المصدر: لايف ساينس

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة