الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

مَن الذي يفتح المجال أمام الانقلابات العسكرية في السودان؟

أزمة سياسية بين المكونات العسكرية والمدنية تهدد بتكرار المحاولات لزعزعة المشهد وتسلل فلول الإخوان

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

ما أن انجلت المحاولة الانقلابية  بالإعلان عن إحباطها في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، 21 سبتمبر 2021، حتى اتهمت الحكومة السودانية  ضباطاً ومدنيين مرتبطين بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، بالقيام بالمحاولة. بينما وصفها رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، “باستهداف الثورة وما حققه الشعب السوداني من إنجازات”.

من جهته، لم يُدِنْ رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السودفي السودانان، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، المحاولة الانقلابية الفاشلة بكلمات واضحة، وإنما اكتفى لدى زيارته سِلاح المدرعات بمنطقة الشجرة، عقب إعلان فشل المحاولة،  بتحية الضباط والجنود والثناء على حكمتهم في التعامل مع الأحداث، قبل أن يعود، في اليوم التالي، ليوجه انتقادات حادة إلى الحكومة المدنية برئاسة عبدالله حمدوك؛ إذ اتهمها بأنها السبب وراء المحاولة.

اقرأ أيضاً: فلول الإخوان السودانية.. “حلم مستحيل بالعودة إلى الحكم”

ضياع شعارات الثورة

وعزا البرهان، خلال مخاطبته حفل تخريج ضباط من القوات الخاصة، بمنطقة المرخيّات العسكرية، الأربعاء 23 سبتمبر الجاري، تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى ما سمَّاه الصراع على السلطة بين مكونات الحكومة الانتقالية من المدنيين، وأن شعارات الثورة من الحرية والعدالة ضاعت وسط خلافات القوى السياسية، مؤكداً أن القوات المسلحة هي التي تصدَّت للمحاولة الانقلابية؛ ولكنها لم تجد الإنصاف والتقدير.

الرئيس المخلوع عمر البشير يصافح رئيس مجلس السيادة الحالي عقب تعيينه مفتشاً عاماً للقوات المسلحة قبل شهرين من إطاحته- وكالات

وفي السياق والمناسبة نفسها، كرَّر قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة، الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، ما ذهب إليه البرهان، متهماً السياسيين بإهمال المواطن في معاشه وخدماته الأساسية، والانشغال بالصراع على الكراسي وتقسيم المناصب؛ ما خلق حالة من عدم الرضا وسط المواطنين، وأجبر الكثير منهم على الهجرة إلى خارج البلاد، وبيع بعض ممتلكاتهم؛ لمجابهة الحياة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح “أسد خان” في وضع البشير داخل “قفص” الجنائية الدولية؟

انصراف البرهان وحميدتي عن الحديث عن المحاولة الانقلابية وكشف خيوطها، ومَن يقف وراءها، وانصرافهما إلى توجيه النقد والاتهامات إلى الحكومة المدنية،  خلَّف ردود فعل كثيفة في أوساط الثوار والأحزاب السياسية الموقعة على الوثيقة الدستورية مع قائدَي الجيش وقوات الدعم السريع؛ فسارع   طه عثمان، القيادي في قوى الحرية والتغيير، إلى الرد على اتهامات البرهان وحميدتي بقوله: “بالأمس، كانت هنالك محاولة انقلابية، إلا أن خطابَي رئيس مجلس السيادة ونائبه كانا أخطر من الانقلاب نفسه؛ فيهما محاولة لتحميل المدنيين مسؤولية ما تم، وتقديم خطاب عاطفي للقوات المسلحة لجرها إلى معركة في مواجهة شعبها”.

تساهل مع الإخوان

النعيم ضو البيت

وفي السياق ذاته، قال الباحث في شؤون الأمن القومي، النعيم ضو البيت، لـ”كيوبوست”: إن الاتهامات التي وجهها البرهان وحميدتي إلى القوى المدنية، هي محاولة للتغطية على تساهل المكون العسكري في الحكومة مع فلول جماعة الإخوان المسلمين التي تتحمل وستظل تتحمل إلى أعوام طويلة قادمة، وِزر الأوضاع الهشة والمتردية في مناحي الحياة في البلاد؛ فبعد أكثر من عامَين على إسقاط نظام الرئيس السابق عمر البشير، لا يزال الانتقال السياسي في السودان يمر بمرحلة حرجة وبالغة التعقيد؛ إذ تواجه حكومة عبدالله حمدوك الكثير من العقبات الموروثة من حكم (الإخوان)، وعلى العكس مما قاله البرهان ونائبه، الأربعاء الماضي، عن فشل المدنيين في إدارة البلاد، فقد أحرزت الحكومة بعض التقدم، في محاولة لتفكيك إطار النظام السابق، واستردت لجنة تفكيك النظام السابق وإزالة التمكين بالفعل أموالاً طائلة وممتلكات وشركات مملوكة لأعوان نظام البشير تُقدر قيمتها بمليارات الجنيهات، ولا تزال تواصل عملها في تفكيك سيطرة الإسلاميين على مؤسسات الدولة في الوقت الذي فشلت فيه القيادة العامة للجيش في فعل ذلك داخل المؤسسة العسكرية التي تعج بضباط ينتمون إلى جماعة الإخوان.

اقرأ أيضاً: عناصر جماعة الإخوان.. ثورة مضادة كامنة في مفاصل الدولة السودانية

تمهيد لانقلاب قادم

واستطرد ضو البيت بقوله: إن الناظر إلى المشكلات التي يعانيها السودان، بعين الباحث في الأمن القومي، يرى بوضوح تقصير المكون العسكري في عمله، أو تقاعسه المتعمد لعدم اتساق أهدافه مع أهداف الثورة والتحول المدني الديمقراطي؛ فانفراط الأمن في الخرطوم وانتشار عصابات النهب، وسيولة الأوضاع في شرق السودان، وترك هذا الإقليم الاستراتيجي بالنسبة إلى الأمن القومي، إذ يجاور ثلاث دول مهمة، مصر وإثيوبيا وإريتريا، ويطل على البحر الأحمر، تحت سيطرة زعيم قبلي واحد ينتمي إلى نظام عمر البشير البائد، فيقطع الطريق الرئيس الواصل بين العاصمة والميناء، ويستولي على المواني ويمنع حركة الصادر والوارد ويُكبد الدولة والشعب خسائر فادحة، ويدعو إلى إطاحة الحكومة والانقلاب عليها وإلغاء لجنة تفكيك النظام السابق وإزالة التمكين، فإن هذه مسؤولية الجيش والقوات الأمنية وليس المدنيين؛ بل هي مسؤولية البرهان وحميدتي بشكل شخصي، كما أن الكشف والتصدي للانقلابات مسؤوليتهما بالأصالة؛ لذلك فإن الاتهامات التي أطلقها المسؤولان العسكريان بدت للجميع وكأنها ذر للرماد على العيون، وأنها تمهيد لانقلاب عسكري قادم.

الرئيس المخلوع عمر البشير يُكرِّم نائب رئيس مجلس السيادة الحالي- وكالات

جيوش عديدة في دولة واحدة

دعاوى كاذبة

محمد إبراهيم

من ناحيته، وصف الصحفي والمحلل السياسي محمد إبراهيم، اتهامات البرهان وحميدتي الحكومةَ المدنية، بأنها السبب في فتح المجال أمام الانقلابات بالدعاوى الكاذبة. وأضاف إبراهيم، في حديثه إلى (كيوبوست)، أنه إذا ما قرأنا هذه الاتهامات مقرونة بتصريحات فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان “يونيتامس”، في مارس الماضي، بأن الوصول إلى سودان مستقر لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود 3 جيوش، ودعا إلى إعادة هيكلة الجيش ودمج قوات الدعم السريع وقوات حركات الكفاح المسلح داخله، والخلاف بين مجلس الوزراء والمكون العسكري حول ضرورة افتتاح مكتب للمحكمة الجنائية الدولية في الخرطوم، فضلاً عن اقتراب وقت انقضاء رئاسة المكون العسكري لمجلس السيادة وتسليمه إلى المدنيين؛ ما ينزع عنهم الصلاحيات ويضعهم أمام الأمر الواقع.

اقرأ أيضاً:  “الأمن الشعبي”.. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟

كما أن هناك صراعاً داخل المؤسسة العسكرية، يضيف إبراهيم، وكل المؤشرات تدل على أنه ليس هناك انقلاب بالمعنى الدقيق للكلمة، وأن الاستخبارات العسكرية هي التي قامت بهذه الخطوة من أجل إنقاذ قيادة الجيش من أزمتها مع بعض الضباط في سلاح المدرعات وغيره، رافضي مسألة الترتيبات الأمنية التي أقرتها اتفاقية (جوبا للسلام)، العام الماضي؛ حيث تتصادم وجهات النظر بين البرهان وبعض كبار الضباط، الذين يطالبون بدمج وإذابة قوات الدعم السريع في المؤسسة العسكرية القومية، بينما يفكر البرهان في خلق سياق جديد لبلورة الجيش داخل إيقاع الدعم السريع وليس العكس، حسب عبارته.

مفرزة من قوات الدعم السريع- وكالات

يواصل إبراهيم حديثه إلى “كيوبوست”، موضحاً أن هناك رفضاً واسعاً من قِبل بعض كبار ضباط الجيش لصيغة الترتيبات الأمنية الواردة ضمن اتفاق جوبا للسلام، وأن المؤسسة العسكرية لا يُمكن أن تقبل دمج مجموعات مسلحة كبيرة داخلها من المتمردين السابقين (حركات الكفاح المسلح)؛ لذلك فإن ما حدث هو محاولة لإعادة التوازن داخل القوات المسلحة السودانية.

اقرأ أيضاً: بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

بالنسبة إلى إبراهيم، فإن تصريحاً سابقاً لرئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك، بضرورة تكوين لجنة لتفكيك نظام الإخوان وإزالة التمكين داخل الجيش، وهذا يعني القضاء على آخر مَن تبقى مِن الضباط المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين داخل الجيش ولديهم ارتباط ومصالح مباشرة برئيس مجلس السيادة؛ لذلك بدت تصريحات البرهان وحميدتي متسقة، رغم خلافاتهما البائنة، خصوصاً في ما يتعلق بدمج قوات الدعم السريع في الجيش الذي لا يزال يُسيطر على قيادته ضباط ينتمون إلى الإخوان المسلمين.

أعضاء من لجنة إزالة تفكيك النظام السابق وإزالة التمكين مع رئيس مجلس السيادة- وكالات

في ما يتعلق بتصريحات البرهان حول أزمة الشرق، وأنها أزمة سياسية يتحملها السياسيون والأحزاب المدنية، فإن في هذا قفزاً على الحقيقة؛ خصوصاً إذا علمنا أن سبب هذه الأزمة هو ما يُعرف بمسار الشرق ضمن اتفاقية جوبا للسلام، التي وقع عليها الجانب العسكري ممثلاً في نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو، وعضو المجلس الفريق شمس الدين كباشي، وبالتالي فإن مَن يتحمل نتائج هذه الأزمة سياسياً وأخلاقياً هو المكون العسكري لا المدنيون.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة