الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

ميشيل فوكو في لقاء تليفزيوني كان مفقودًا

"هل نحن الغرب قد خدعنا أنفسنا وعِشنا وهمًا بادعاء انتمائنا إلى حضارة متسامحة جدًّا، وأننا قبلنا بعض الظواهر الثقافية التي تنتمي إلى ثقافات مغايرة لنا؛ مثل الانحرافات السلوكية واللغوية والجنسية؟ بينما الواقع أننا مارسنا مع الثقافات الأخرى غير الغربية نفس الإجراء الذي مارسناه مع ظاهرة الجنون".

كيوبوست

عن ميشيل فوكو

وُلِد ميشيل فوكو في 15 أكتوبر 1926، في بلدة “Poitiers/ بواتييه” في وسط فرنسا، لأسرة ريفية مرموقة.

يُعرف جورج طرابيشي في معجم الفلاسفة، بميشيل فوكو[1]، وأنه (مفكر فرنسي حصل على شهادة التبريز في الفلسفة، ودرَّس في كلية الآداب في كليرمون فران، قبل أن يشغل كرسي تاريخ مذاهب الفكر في الكوليج دي فرانس بباريس).

مقطع فيديو للقاء تليفزيوني نادر لميشال فوكو

ويعتبر فوكو من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، درس وحلَّل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون”، وعالج موضوعات؛ مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون، وابتكر مصطلح “أركيولوجيا” (حفريات المعرفة)، وأرَّخ للجنس في موسوعته “تاريخ الجنسانية”.

اقرأ أيضًا: ترجمات.. الرأسمالية والماركسية وجهًا لوجه

عُرف فوكو بدراساته الناقدة والدقيقة لمجموعة من المؤسسات الاجتماعية؛ منها على وجه الخصوص: المصحات النفسية، والمشافي، والسجون، وكذلك أعماله في ما يخص “تاريخ الجنسانية”. وقد لقيت دراساته وأعماله في مجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة، إضافة إلى أفكاره عن “الخطاب” وعلاقته بتاريخ الفكر الغربي، صدًى واسعًا في أروقة البحث والفكر.

توصف أعمال فوكو من قِبَل المعلقين والنقاد بأنها تنتمي إلى “ما بعد الحداثة” أو “ما بعد البنيوية”، على الرغم من أنه في الستينيات من القرن الماضي كان اسمه غالبًا ما يرتبط بالحركة البنيوية. وعلى الرغم من سعادته بهذا الوصف؛ فإنه أكد في ما بعد بُعده عن البنيوية أو الاتجاه البنيوي في التفكير. إضافة إلى أنه رفض في مقابلة مع جيرار راوول تصنيفه بين “ما بعد البنيويين” و”ما بعد الحداثيين”. حضر فوكو محاضرات الفيلسوفَين ميرلوبوندي وهايدغر، واهتم بهيجل وماركس وتأثر بهما.

ميشال فوكو

انضم ميشال فوكو إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي من عام 1950 حتى 1953؛ لكن ما لبث أن تركه بعد أن أثارت قلقه تصرفات ستالين في الاتحاد السوفييتي. ولم يكن فوكو ناشطًا في فرقته الحزبية.

في عام 1978، وبينما بلغت التظاهرات ضد الشاه في إيران أوجها، عمل ميشيل فوكو مراسلًا صحفيًّا لفترة قصيرة، في إيران، والتقى قادة وسياسيين وناشطين في التظاهرات التي قادتها المعارضة ضد نظام الشاه، كما التقى أناسًا عاديين، والتقى أيضًا الخميني في ضواحي باريس، وكتب سلسلة من المقالات عن الثورة. معظم هذه المقالات لم يظهر بـ”الإنجليزية” إلا مؤخرًا.

في أثناء وجوده في سان فرانسيسكو، يُعتقد أنه التقط فيروس الإيدز، وذلك قبل أن يتم التعرف على المرض ووصفه، وأُدخل مستشفى سالبريه الجامعي (نفس المستشفى الذي درس فيه حالات الجنون في كتابه: تاريخ الجنون الكلاسيكي)، على إثر أعراض عصبية معقدة سببها تسمم الدم. وتوفي فوكو في باريس بتاريخ 25 يونيو 1984، ومن أهم مؤلفاته:

  1. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي (1961).
  2. الكلمات والأشياء (1966).
  3. حفريات المعرفة (1969).
  4. نظام الخطاب (1971).
  5. المراقبة والمعاقبة (1975).
  6. تاريخ الجنسانية (1984).

اقرأ أيضًا: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

عن اللقاء

هذه المقابلة التي تمت ترجمتها بواسطة “كيوبوست” من “الفرنسية” إلى “العربية”، هي مقدمة تعريفية بميشيل فوكو، تمهيدًا لمناظرة تليفزيونية أجراها الفيلسوف الهولندي فونس إلدرز، بين ناعوم تشومسكي وميشيل فوكو، حول “الطبيعة الإنسانية”، والتي تم بثها كاملةً على التليفزيون الهولندي في يوم الأحد 28 نوفمبر 1971، وكانت المقابلة التليفزيونية محفوظة في أرشيف التليفزيون الهولندي، الذي فُقدت منه نتيجة احتراقه. ويمثل هذا الجزء التعريف بميشيل فوكو، وكان مزمعًا عرضه في مقدمة المناظرة كتعريف بالضيوف، وقد تمت منتجته وتقسيمه بطريقة تجعل أسئلة إلدرز ليست جزءًا من الفيديو، ولا يمكن مشاهدة سوى فوكو وهو يجيب عن الأسئلة. وجَرَت المقابلة بين إلدرز وفوكو في شقة فوكو في باريس يوم الإثنين 13 سبتمبر 1971.

فونس إلدرز

المقطع عثر عليه ليونيل كلاريس، الطالب في كلية الدراسات العليا الأوروبية (EGS) حينها، ونشره في شتاء 2012، بعد عرض المناظرة بعدة عقود، والذي وجده بالمصادفة في أثناء إجرائه بحثًا في المرحلة الجامعية الأولى لاثنين من الأطروحات العليا في كليته هامبشاير.

ليونيل كلاريس

وكان من حسن الحظ أن المناظرة بأكملها قد كُتبت يدويًّا ونقلت إلى اللغة الفرنسية، فقام كلاريس بترجمة المحتوى بالكامل إلى اللغة الإنجليزية.

غلاف الكتاب

وقد تمت ترجمة هذه المناظرة إلى “العربية” في كتاب من إصدار دار التنوير للطباعة والنشر عام 2015، ترجمة أمير زكي، تحت عنوان: “عن الطبيعة الإنسانية.. مناظرة بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو”؛ حيث حوى الكتاب في فصله الأول نص المناظرة التي جرت بينهما في 1971، والتي بثها التليفزيون الهولندي، وبقية الفصول يمكن قراءتها كرد فعل ومواصلة لمناظرة عام 1971، كما ذكر جون راكمان في مقدمته للكتاب[1].

غلاف النسخة العربية من الكتاب

بقي أن أشير إلى أمر أخير؛ وهو أن فوكو تحدث في المناظرة بـ”الفرنسية”، بينما تحدث تشومسكي بـ”الإنجليزية”.

نعوم تشومسكي

عن فحوى اللقاء

“درست الفلسفة، ثم علم النفس، ثم علم النفس الإكلينيكي”، هكذا بدأ فوكو التعريف بنفسه، وكأنه يقول هذه أدواتي في كتابة بحثي المهم في مسيرتي المعرفية عن: “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”.

توصل فوكو، من خلال حديثه، إلى فرضية مفادها أن النظريات العلمية المتفق عليها اليوم تم بناؤها وتحصيلها بعد سلسلة من الإقصاءات والموانع والرفض، كان ثمنها نوعًا من الفظاعات إزاء الواقع.

اقرأ أيضًا: كيف تفرض الصين مقص الرقابة الثقافية والإعلامية على الغرب

حيث انطلق لبناء هذه الفرضية من مثالَين أو ثلاثة؛ الأول: أن الحضارة الغربية تعرف ظاهرة الجنون منذ عهد الإغريق، وكان لابد من الانتظار حتى حدود القرن التاسع عشر؛ ليصبح الجنون موضوعًا خاضعًا للدراسة العلمية، حينما تم عزل المصابين بالجنون، وإبعادهم عن المجتمع؛ بحكم عدم فائدتهم للمجتمع، وعدم جدواهم. وبالفعل تطورت الدراسات المتعلقة بالجنون مع تطور العلم، بعد التماهي مع ذلك التصور المجتمعي المهترئ والبسيط لظاهرة الجنون.

وينتقل فوكو إلى مفاجأة صادمة؛ وهي المثال الثاني حينما يذكر أنه وبعد دراسة علمية وتاريخية، تساءل: هل نحن الغرب قد خدعنا أنفسنا، وعشنا وهمًا بادعاء انتمائنا إلى حضارة متسامحة جدًّا، وأننا قبلنا بعض الظواهر الثقافية التي تنتمي إلى ثقافات مغايرة لنا؛ مثل الانحرافات السلوكية واللغوية والجنسية؟ بينما الواقع أننا مارسنا مع الثقافات الأخرى غير الغربية نفس الإجراء الذي مارسناه مع ظاهرة الجنون، فقُمنا بتهميشها واحتقارها؛ بل واستغلالها والسيطرة عليها بالقوة، حتى تم لجمها؛ لكي نتمكن من فهمها. ويشير في المثال الثالث إلى أننا انتظرنا بروز الحركة التطهيرية المسيحية في القرن التاسع عشر؛  لكبح مظاهر السلوكيات الجنسية، لنتمكن بعد ذلك من فهمها.

ميشال فوكو

ثم تتوالى الأفكار؛ حيث تحدث عن مقاربته في ما يسميه “حفريات المعرفة”، وهو كما ذكرنا مصطلح خاص بفوكو: أن العلوم مهما كان اختلافها، فإنها خاضعة لذات القوانين.

ويواصل فوكو استعراض الفرضيات والأمثلة المتعلقة ببعض الأفكار، ويختم بقضية يرى أهميتها للحوار مؤداها أن ما يقوله ليس ما يفكر فيه؛ بل ما يقوله هو ما لا يرغب في التفكير فيه كشكل من أشكال الهدم الذاتي، حتى لا يستمر في التفكير فيها.

[1] معجم الفلاسفة، جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1997، ص 469.

[2] عن الطبيعة الإنسانية، ص 7.

نسخة PDF من كتاب FREEDOM AND KNOWLEDGE

قم بتنزيل الملف الكامل

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة