الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ميانمار ساحة لاختبار الاستقرار السياسي والتنافس بين واشنطن وبكين

تواجه إدارة بايدن اختباراً صعباً بين التفاهم ببراغماتية مع المؤسسة العسكرية أو الوقوف إلى جانب العملية الديمقراطية.. ما يعني تقارب الجيش مع بكين

كيوبوست

تمر تجربة التحول الديمقراطي في ميانمار، في السنوات الأخيرة، بهزات متعددة جعلت المراقبين يرشحون البلد الجنوب آسيوي كي يكون ساحة لاختبار الاستقرار السياسي في المنطقة، وكذلك التنافس على النفوذ بين واشنطن وبكين.

ففي هذا البلد المتخم بثرواته الطبيعية، تصدرت صورته في العالم الخارجي في العقود الأخيرة المؤسسة العسكرية بقيادة الجنرال مينغ أونغ هينغ، والناشطة السياسية أونغ سان سوو كي، في عام 1991، وما حصل يوم الاثنين الماضي عندما بدأت فجأة قنوات تليفزيونية وإذاعية مقربة من الجيش، ببث الأغاني الوطنية الحماسية والنشرات الإخبارية التي تنتقد بشدة الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ليس إلا جولة في مسلسل صراعات بدأت حلقاته مع بداية عملية التحول الديمقراطي في 2016، ويبدو أنه قد لا يتوقف.

أونغ سان سوو كي مع مينغ أونغ هينغ- “رويترز”

ميانمار باروميتر للمنطقة:

وظلَّت ميانمار لعقودٍ طويلة تحت الحكم العسكري؛ وهو ما دفع البلاد نحو العزلة الدبلوماسية، خصوصاً مع القوى الغربية؛ ولكنها ظلت تحتفظ بعلاقاتٍ جيدة مع قوى إقليمية، مثل الصين والهند. وقامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوباتٍ اقتصادية ضربت الاستثماراتِ الأجنبية والنمو الاقتصادي، وقبل عقد تقريباً سمحت المؤسسة العسكرية ببدء عملية الانتقال الديمقراطي؛ وهو ما خفف العقوبات ضد البلاد.

وتزعمت الناشطة السياسية والحقوقية أونغ سان سوو شي، مشهد الانتقال الديمقراطي؛ حيث فاز حزبها بغالبية المقاعد في الانتخابات النيابية في عام 2015، وهي ثاني انتخابات حرة منذ استقلال البلاد؛ ولكن سوو شي لم تستطع أن تحقق هدفها، وهو تعديل الدستور بما يضمن عملية الانتقال الديمقراطي؛ حيث احتفظ الجيش بالعديد من مفاصل القوة والنفوذ؛ ومن بينها ثلاث وزارات مهمة، وحصة كاملة من المقاعد في البرلمان.

اقرأ أيضًا: إلى أين وصلت أزمة مسلمي الروهينجا؟

وواجه الجيش انتقاداتٍ حادة بعد عمليته الدموية ضد إقليم الروهينغا ذي الغالبية المسلمة في 2017؛ وهو ما دفع مئات الآلاف من المسلمين للجوء إلى دول الجوار. وفرضت واشنطن عقوبات ضد بعض المتنفذين في السلطة؛ ومنهم قائد الجيش.

سيارات الشرطة العسكرية أمام مدخل التليفزيون الوطني في العاصمة

وبرر الجيش ما قام به، مشيراً إلى تزوير في الانتخابات الأخيرة التي جرَت في شهر نوفمبر الماضي؛ حيث تكبد حزب المعارضة -المدعوم من المؤسسة العسكرية- خسارة كبرى، فتحصل على 33 مقعداً فقط من أصل 476، أما حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، والذي تتزعمه سوو كي، فقد فاز بغالبية 396 مقعداً. ويذكر مراقبون أن الجيش الذي أعلن حالة طوارئ لمدة عام، قد يقوم بإعادة هيكلة بعض مؤسسات الدولة؛ مثل الهيئات المسؤولة عن الانتخابات، وصلاحيات السلطة التشريعية، قبل أن يسمح لانتخاباتٍ جديدة بأن تُنظم العام المقبل.

ساحة تنافس بين واشنطن وبكين:

وتواجه إدارة بايدن اختباراً صعباً بين التفاهم ببراغماتية مع المؤسسة العسكرية أو الوقوف إلى جانب العملية الديمقراطية؛ ما يعني تقارب الجيش مع بكين. وأصدر بايدن بياناً صرَّح فيه: “عملت ميانمار بشكل تدريجي في السنوات الأخيرة نحو تمكين الحكم المدني، والانتقال السلمي للسلطة، ويجب احترام هذا التقدم”. وفي إشارة واضحة إلى الصين والجيش، ذكر بايدن أن بلاده سوف “تعمل مع حلفائها في المنطقة على إعادة الديمقراطية وحكم القانون.. وسنعاقب ونراقب مَن يعملون لعرقلة التحول الديمقراطي في ميانمار.. الولايات المتحدة ستقف مع الديمقراطية في أي مكان تكون فيه تحت الهجوم”.

اقرأ أيضًا: اللاجئون الروهينجا يتخوفون من إجبارهم على العودة إلى ميانمار.. وحالات انتحار في صفوفهم

أما وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، فقد أصدر بياناً شديد اللهجة، قال فيه: “يجب على المؤسسة العسكرية أن تتوقف عما تفعله فوراً”. كما غرَّد بلينكن، من حسابه عبر “تويتر”، وطالب بـ”إطلاق سراح القادة السياسيين، وقادة المجتمع المدني”.

مواطنون يحتشدون أمام محلات الأغذية تحسباً للظروف

ويقول مدير برنامج جنوب شرق آسيا في معهد لووي للدراسات في أستراليا، عما حصل: “هذا اختبار دبلوماسي كبير لإدارة بايدن في آسيا.. سيترقب الجميع عن قرب كيف توازن الإدارة بين سياستها الخارجية المعلنة والتي تقوم على مبادئ وقيم، وبين ضرورات العالم الواقعي.. وفي الغالب سوف يقوم البيت الأبيض الآن بإصدار عقوبات ضد المسؤولين العسكريين؛ وهو إجراء ذو أثر محدود، ولكن الإدارة سوف تفكر قبل إصدار عقوبات شاملة من شأنها تغيير معادلات المنطقة”.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من “فخ ثيوسيديديز”؟

أما بكين فقد دعا المتحدث باسم خارجيتها، “كل الأطراف للتعامل بهدوء مع اختلافاتها تحت سلطة الدستور ولحفظ الاستقرار السياسي والاجتماعي.. الصين بلد صديق لميانمار ونحن لا نزال نحاول تفهم الموقف”.

جدير بالذكر أن وزير الخارجية الصيني قد التقى قائد الجيش الميانماري خلال الشهر الماضي.

ولطالما تمتعت ميانمار بمكانة خاصة في أجندة أمريكا والصين في الإقليم، وتتنوع الأسباب من ثروات البلد الطبيعية التي تحتاج إليها بكين إلى موقعها الجيوسياسي الذي تنبهت واشنطن إليه منذ أن بدأت إدارة أوباما الحديث عن “التحول لآسيا”، وتركيز جهود أمريكا على شرق آسيا، وجنوب شرق آسيا، بعيداً عن مناطق صراع مكلفة مثل الشرق الأوسط.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة