الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

موليير… الكوميديا وسيلة شاقّة لإصلاح البشر

كيوبوست

على الرغم من أنه لم تتبق أي مخطوطة أصلية من مؤلفاته، فإن مسرحيات المؤلف المسرحي الفرنسي “موليير” الذي صادف السبت الماضي 15 يناير ذكرى تعميده، تعدّ من بين الأكثر ترجمة وقراءة وتجسيدًا في العالم حتى بعد رحيله بأربعة قرون، لأنّ أفكارها ما زالت صالحة في المجتمعات.

ولا تثير تلك الديمومة الفنية الدهشة بالنظر إلى الإرث الذي خلّفه موليير، فقد تمكن الكوميدي العبقري الذي كرّس حياته لما يؤمن به، من أن يهز الصورة النمطية السلبية حول المسرح، واستطاع أن يطرح مواضيع مركزية من خلال الكوميديا في الوقت الذي كانت فيه التراجيديا سيدة الموقف…

خشبة المسرح بدلاً من البلاط الملكي

على عكس رغبة والده، لم يعمل موليير المولود في باريس بتاريخ 10 يناير 1622م، في البلاط الملكي، إنما تفرّغ للعمل في المكان الذي انتمى إليه؛ المسرح. حيث قدّم على خشبته مسرحياتٍ كوميدية تصادمت مع المجتمع والكنيسة، فعادتهُ السلطات الدينية، التي زالت مع انهيار السلطة الأبوية في فرنسا عقب الثورة. أما موليير فبقي حيًّا عبر أعماله الفنية كواحدٍ من أعظم كتّاب الكوميديا الفرنسية.

حصل موليير على تعليمٍ جيد، فقد التحق بمدرسة “فيكوليج دي كليرمون” بعمر الـ13، بفضل والده الذي كان يملك متجر مفروشات للأسر المالكة، وهناك اكتسب معارف واسعة، أما والدته، فقد توفيت وهو في عمر العاشرة. وفيما يتعلق برصيده الأكاديمي، يُعتقد أن موليير درس المحاماة لكن من غير المعروف إن كان امتهنها أم لا.

اقرأ أيضاً: المرأة على خشبة المسرح.. معركة لا تزال قائمة

وبعد أن خالف رغبة والده بالعمل في البلاط الملكي، اتجه عام 1643م للمسرح وغير اسمه الأصلي “جون بابتِيست بوكلان” ليجنب عائلته الإحراجَ على الأرجح، في الوقت الذي كان ينظر للمسرح بدونية، وانضم إلى مجموعة مكونة من تسعة أشخاص، ثلاثة منهم من عائلة بيجار، لإنتاج مسرحيات كوميدية ضمن شركة اسمها “المسرح الباهر- Illustre-Théâtre”، من هناك كانت انطلاقة موليير في المسرح، الذي خدمه 30 سنة بدلاً من أن يخدم البلاط الملكي.

مشواره في المسرح

توصف رحلة موليير مع المسرح بأنها شاقّة، فقد أسس بتشجيع من صديقته الممثلة “مادلين بيجار”، مسرحه مع فرقته في بداية انخراطه بالمسرح، لكن ذلك المشروع الطموح لم يتمكن من الصمود، فلم يكن في باريس سوى مسرحيْن رئيسيين، وكان عدد رواد المسارح قليلاً، فتراكمت عليه الديون، ووجد نفسه سجيناً مرتين خلال العام 1645م، لذلك غادر موليير وفرقته باريس، معتمدين حينها على العروض الجوالة لكسب لقمة العيش لمدة 13 عاماً.

كان موليير مثابراً ومجتهداً ومتعدد المواهب، فقد كان ممثلاً وكاتباً ومديراً للفرقة المسرحية، وخلال عمله بالمسرح المتجول اكتسب خبرة واسعة، كما أنّ تفرغه للمسرح مكّنه من إنتاج مسرحياتٍ خالدة يعود أولها إلى عام 1645م بعنوان “طبيب الطائر”، ثم “غيرة باربويليه” 1650م، تلتها مسرحية “المُغفّل” عام 1655م، التي عرضت أول مرة في مدينة ليون الفرنسية، ومسرحية “شجار الحب” عام 1656م.

تمثال نصفي لموليير- نقلا عن cap dagde

أما المسرحية التي كانت سبباً في شهرة موليير تلك التي أُعجب بها الملك لويس الرابع عشر، “الطبيب العاشق” عام 1658م، بعد أن عرضتها الفرقة أمامه شخصياً، وعلى إثرها اكتسبت الفرقة رعاية الأمير “فيليب” شقيق الملك لمدة سبع سنوات، ليتولى الملك بعد ذلك رعايتها بنفسه.

قدَّمت له مكانته الخاصة لدى الملك امتيازات كثيرة، لكن موليير اعتنى بمسيرته المهنية ككاتب أوروبي بارز، وليس كمُهرّج مُسلٍّ، لذلك كانت الكوميديا التي يقدمها هادفة، فهو الذي قال: “وظيفة الكوميديا إصلاح البشر عبر تسليتهم”، فلم يتوان في نقده الحاد وسخريته من الأعراف السائدة في المجتمع، وثوابت الكنيسة وتأثير الدين على المجتمعات، فظلّت أفكاره صالحة للتداول إلى الآن.

اقرأ أيضاً: “كوكو شانيل”.. مسرحية خارج قاعة المسرح!

مسرحيات أثارت الجدل

تناولت مسرحيات موليير مواضيع تلامس الواقع، كعلاقة الرجل بالمرأة، وتأثير الدين على المجتمع، وغير ذلك، ما أثار الجدل حول أعماله، وخلق عداوة له من قبل الكنيسة.

ومن ضمن الأعمال التي لاقت سخطاً مجتمعياً، كانت مسرحية “مدرسة الزوجات” عام 1662م، التي تتحدث عن رجل (أرنولف) يخشى من النساء والأنوثة، فيقرر أن يرعى طفلة (أنييس) بحيث تبقى بريئة وساذجة ليتزوجها في المستقبل، لكنها تقع في حب شخص آخر تمكّن من الوصول إلى قلبها فعلاً. زعم المحتجون على المسرحية بأن طرحه غير أخلاقي، وواجه موليير أعداءه بأن ألّف مسرحية “انتقاد مسرحية الزوجات”، في العام التالي، تناقش الانتقادات الموجهة له.

لوحة “Molière Reading Tartuffe at Ninon de Lenclos’s” للرسام “نيكولاس أندريه مونسياو”- antic store

فيما تسببت مسرحية “طرطوف المنافق” التي عرضها عام 1664م في قصر فرساي بدعوة من الملك، بإغضاب جمعية القربان المقدس، التي كانت ذات نفوذ واسع آنذاك، وتحدثت المسرحية عن رجل ماكر يدّعي التدين المفرط، بناء عليه مُنع موليير من عرض المسرحية لخمس سنوات، ومع زوال قوة الجمعية تمكن موليير من عرضها عام 1669م في مسرح رويال، محققةً نجاحاً كبيراً.

قدّم موليير عشرات المسرحيات التي يتم تأديتها لغاية اليوم، كـ”مدرسة الأزواج”، و”دون جوان”، و”عدو البشر”، و”البخيل”، و”البرجوازي النبيل”، و”النساء المتعلمات”، و”المريض الوهمي”، وغيرها الكثير…

وفي أواخر عمره، قرر موليير نشر نسخة من أعماله الكاملة، والتي ظهرت لكن بعد عشر سنين من وفاته بتاريخ 17 فبراير 1673م، إذ توفي موليير في نفس الليلة التي عرض فيها مسرحيته الأخيرة “المريض الوهمي”، بعد أن أُصيب بنوبة سعال شديدة كان يعاني منها لوقتٍ طويل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات