الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

موسيقى “الراي”.. الفن الذي صدح بآلام الجزائر

كيوبوست

خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر، وفي أجواء من السخط على الاستعمار وإفرازاته من فقر وتهميش، تبلورت موسيقى الراي غربي الجزائر، وأخذت بالتطوّر تماشياً مع مقتضيات الأزمان، حتى غدَت موسيقى عالمية، أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها تصنيف موسيقى من شمال إفريقيا ضمن التراث العالمي.

التعريف والتسمية

لم تكن موسيقى الراي وليدة اللحظة الاستعمارية حصراً، بل جاءت امتداداً لشعر “الملحون” الشعبي الذي كان سائداً بين سكان البدو في الغرب الجزائري، ويعتمد الملحون على تأليف أبياتٍ شعرية ذات قافية باللهجة البدوية المحكية، وكان يغنى الملحون خلال حفلات الزفاف والاحتفالات الدينية.

الشيخ حمادة

سميّ هذا النوع الموسيقي بالراي، نسبة لكلمة “رأي” بمعنى طرح المغني رأيه، وما يجول في فكره ووجدانه، أو طرحه نصيحة حول موضوع معين، وكان يُطلق على رواد موسيقى الراي “الشيوخ والشيخات”، وأولهم الشيخ حمادة والشيخ خالدي، وغيرهما من الذين غنّوا الشعر الملحون، وعارضوا الاحتلال الفرنسي بشكلٍ علني، مما عرض العديد منهم للسجن.

النشأة والتطور

خلال عشرينيات القرن الماضي، بينما كانت مدينة وهران (عاصمة الغرب الجزائري) تعج بالسكان والمستعمرين الفرنسيين والزوار من دول مختلفة، وفي الوقت الذي عمّ به الفقر والتهميش، تشكلت موسيقى الراي في الأحياء الشعبية في مدينة سيدي بلعباس، الواقعة في القطاع الوهراني، وبدأت بأخذ موقعها على خريطة الموسيقى الجزائرية، علماً بأن المغرب يطالب بحقوقه في موسيقى الراي.

وغنى الشيوخ، والشيخات على وجه الخصوص، في الحانات والمقاهي وتناولوا مواضيع موغلة في واقعيتها، كالفقر والحرمان والسكر والحب والجنس والموت بكلماتٍ صريحة وجريئة أحياناً، ما قاد العائلات الجزائرية المحافظة للنظر إلى موسيقى الراي بازدراء.

اقرأ أيضاً: السطمبالي موسيقى توثِّق رحلة استعباد الأفارقة في تونس

وكانت الشيخة “ريميتي” التي اشتهرت في أربعينيات القرن الماضي، أكثر الشيخات شهرة وجرأة، وتلقب بـ”أم موسيقى الراي”، فقد كانت مباشرة وتناولت موضوعاتٍ محرمة؛ كالجنس والرغبة، وربطتها بالحرمان الذي تعايشه الطبقات المسحوقة.

الشيخة ريميتي

وأزعجت الشيخة ريميتي السلطات السياسية والدينية خلال الاستعمار وبعد التحرر، فإلى جانب الحديث عن موضوعات محرمة دينياً، مثل فقدان العذرية بأغنية “شرط وقطع”، تطرّقت إلى موضوعات اليأس وانعدام الأفق، بسبب التدهور الاجتماعي والاقتصادي، في الوقت الذي كانت تحاول فيه السلطات إلهاء الشعب عن تلك المشاكل.

الراي بعد الاستقلال

بعد استقلال الجزائر عام 1962م، ظلّت موسيقى الراي محظورة في الإعلام الجزائري حتى الثمانينيات، فقد كانت موضوعاتها لا تزال مباشرة، وتضع الملح على الجرح.

وخلال الستينيات شرع رواد الراي بتحديثه، ومنهم “بلمو مسعود” و”بلقاسم بوثلجة”، فاستبدلوا الطبول والنايات التي كانت ترافق أغاني الراي بآلاتٍ غربية كالساكسفون والأكورديون، وأدخلوا إليها إيقاعات جديدة، ما أكسبها مزيداً من الحركة والحيوية، وأدمجوها بأنماطٍ موسيقية أخرى، مثل الروك والفلامنكو والجاز.

اقرأ أيضاً: الموسيقى التراثية في الدعاية السياسية.. الغناء اليمني نموذجاً

فيما أُطلق على مغني الراي خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، “شاب” و”شابة”، بدلاً من شيخ وشيخة، كدلالة على التحديث، وأبرزهم الشاب خالد، والشاب مامي، والشاب حسني، ورشيد طه، والشاب صحراوي، كما أدخلت آلات كهربائية على الراي مثل الأورغ والغيتار الكهربائي إضافة إلى الدرامز، ما أكسبها حيوية أكبر، جعلت منها موسيقى مناسبة للرقص.

وأصبحت موسيقى الراي، خلال الثمانينيات، أكثر قبولاً على المستوى الرسمي في الجزائر، فقد أقيم أول مهرجان راي في مدينة وهران عام 1985م، بث عبر التلفزيون الحكومي، فيما فُتحت بوابة العالمية أمام الراي بتنظيم أول مهرجان لموسيقى الراي في الخارج؛ في ضاحية العاصمة الفرنسية باريس عام 1987م، إذ دعمت مؤسسات إنتاج فرنسية موسيقى الراي ومغنيها، الذين حققوا نجاحاً باهراً، وعلى رأسهم الشاب خالد صاحب أغنية “ديدي” عام 1992م و”عيشة” 1996م، والشاب مامي الذي غنى واحدة من أشهر الأغاني؛ “وردة الصحراء” مع المغني الإنجليزي ستينغ.

الشاب حسني

فيما تلقت موسيقى الراي ضربة منعتها من تعزيز وجودها في الجزائر مع صعود الإسلام السياسي، وإلغاء الانتخابات البرلمانية عام 1991م، ما أدى إلى حرب أهلية ثقافية، كان من ضحاياها مغني الراي غزير الإنتاج وواسع الانتشار؛ الشاب حسني الذي اغتيل عام 1994م على يد جماعة إسلامية متطرفة، تلاه اغتيال المنتج رشيد بابا أحمد، ما أجبر بعضهم لمغادرة الجزائر.

وبحلول أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، أصبحت موسيقى الراي واحدة من أكثر أنواع الموسيقى رواجاً في إفريقيا وآسيا وأوروبا، لكنها بالمقابل فقدت كثيراً من خصائصها الأصيلة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة