الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجية

مواطن المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام

الكشف عن آثار ديرٍ مسيحي ثانٍ في دولة الإمارات يفتحُ الباب واسعاً أمام دراسة التاريخ الذي ربط الحضارات والثقافات في منطقة الخليج

كيوبوست- منير بن وبر

أعلن مسؤولون إماراتيون، الخميس 3 نوفمبر، عن اكتشاف ديرٍ مسيحي يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، وذلك على جزيرة تتبع إمارة أم القيوين. ويحتوي الدير على مكان للصلاة، وبعض الغرف، وأماكن خاصة بالطقوس الدينية، بالإضافة إلى مبنى مجاور يعتقد أنه استخدم كمنزل لرئيس الدير أو أسقف الكنيسة الأولى.

ولا يُعد هذا الاكتشاف الأول من نوعه؛ فقد سبق وأن اُكتشف في بداية التسعينيات من القرن الماضي دير مسيحي آخر على جزيرة صير بني ياس الإماراتية. ويعود تاريخ بناء الدير إلى حوالي 600م. احتوت الكنيسةُ على حجراتٍ خاصة للرهبان، وغرفٍ للصلاة.

تُعد شبه الجزيرة العربية موطناً لبعض أقدم المجتمعات المسيحية في العالم. تعود جذور المسيحيين في اليمن مثلاً إلى الأيام الأولى للمسيحية بسبب الرحلات التبشيرية، كما كانت البلاد -وشبه الجزيرة العربية عموماً- منذ فترة طويلة مكاناً للجوء الفارين من الاضطهاد الديني من قِبل الأباطرة الرومان مثل ديوكلتيانوس (القرن الثالث الى الرابع الميلادي).

اقرأ أيضاً: البابا “جون الثامن”.. أسطورة لا ينفيها التاريخ لامرأة حكمت الفاتيكان

بدأت المسيحية تُعرف أكثرَ في شبه الجزيرة العربية خلال فترة الإمبراطورية الرومانية، عندما عرفت القبائل العربية الكثير من التعاليم المسيحية، من خلال التجارة والسفر. استوطنت المسيحية في الكثير من مناطق شبه الجزيرة العربية كاليمن وعمان ومكة وسواحل الخليج العربي.

على سبيل المثال، كان أول ظهور ممكن للمسيحية في شرق الجزيرة العربية في العام 424م، كانت المنطقة تُعرف بـ”مازون”، وهي تشمل حالياً أجزاء من البحرين وقطر والإمارات وعمان.

صورة جوية لكنيسة ودير صير بني ياس- أبوظبي للثقافة

الآثار المسيحية في الإمارات العربية المتحدة

في العام 1992م اكتشف أول كنيسة ودير مسيحي في دولة الإمارات العربية المتحدة، على جزيرة صير بني ياس، ويعود تاريخه إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين. احتوى الدير على حجراتٍ خاصة للرهبان، وغرفٍ للصلاة.

إلى جانب الدير، أكتشف أيضاً سلسلة من المنازل الواسعة. ودلّت القطع الأثرية على أن الناس حينها كانوا يمارسون التجارة على نطاقٍ واسع عبر الخليج العربي والمحيط الهندي، إضافة إلى ممارسة الطقوس والاحتفالات الدينية.

في تصريحٍ سابق، قال محمد خليفة المبارك، رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، إن المكتشفات الأثرية في الدير تسلِّط الضوء على تاريخ الأديان والثقافات المختلفة التي سكنت الجزيرة منذ آلاف السنين. وقال إن الدير يعكس ثراء تاريخ البلاد.

اقرأ أيضاً: في ناغورنو كاراباخ.. الكنوز المسيحية مهددة بالخطر!

الدير المكتشف حديثاً أيضاً (في أم القيوين) احتوى على أماكن خاصة بالطقوس الدينية، ويُعتقد أنه يشتمل على مذبح، أي مكان لإقامة الصلاة، وتقديم القرابين، وإقامة القُدّاس الإلهيّ. كما يُوجد بجانب الدير مبنى من أربع غرف تحيط بفناء داخلي، ويُعتقد أن المبنى ربما كان منزل رئيس الدير أو أسقف الكنيسة الأولى. يعود تاريخ الدير إلى ما بين أعوام 534 و656 ميلادية.

كان دير صير بني ياس وأم القيوين من بين مواطن أخرى عديدة للمسيحيين في المنطقة المحيطة، مثل الجبيل في شرق السعودية، وجزيرة فيلكا في الكويت.

تصف مصادر أدبية وأثرية المواقع المسيحية حول الخليج بأنه كان يوجد بها أسقف واحد في كل بلدة أو مدينة، يساعده مجموعة كبيرة من رجال الدين، بالإضافة إلى أمين صندوق مكلف بأموال الكنيسة. علاوة على ذلك، بُنيت حول كل كنيسة مدارس ومكتبات ومستشفيات وأديرة.

امرأة تزور كنيسة الجبيل القديمة في المملكة العربية السعودية- angelusnews

المسيحية في الجزيرة العربية

كان للمسيحية في شبه الجزيرة العربية ثلاثة مراكز؛ في الشمال الغربي، والشمال الشرقي، والجنوب الغربي من شبه الجزيرة. الأولى تشمل مملكة غسان، والثانية الحيرة، أو دولة المناذرة، والثالثة ممالك حِمير واليمن ونجران.

يُعتقد أن ابتداء المسيحية في شمال شبه الجزيرة العربية يعود إلى بولس الطرسوسي (ويعرف عند المسيحيين بأنَّه بولس الرسول أو القديس بولس) الذي عاش في القرن الميلادي الأول. لا توجد تفاصيل حول زيارة بولس، إلا أنه -بشكل عام- يُعتقد أن سكان تلك المناطق، ومن بينهم المسيحيون، كانوا على اتصال دائم بالعرب؛ وذلك بالنظر إلى حقيقة أن المناطق الواقعة إلى الشمال الغربي، والشمال الشرقي من شبه الجزيرة العربية، كانت تحت الحكم الروماني والفارسي.

تمثال حنانيا يقوم بتعميد القديس بولس الرسول في كنيسة القديس حنانيا، دمشق، سوريا- ويكيبيديا

كما أن اضطهاد المسيحيين في الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية أجبر العديد من أتباع المسيحية على البحث عن ملاذٍ آمن، من خلال التوغّل في شبه الجزيرة العربية.

اقرأ أيضاً: المغرب: مسيحيون يطالبون بحرية العبادة.. والسلطات تؤكد التزامها

تشير الأبحاث إلى أنه خلال القرون الرابع والخامس والسادس من العصر المسيحي، يُعتقد بشدة أن العديد من العرب اعتنقوا المسيحية، وخاصة قبيلة غسان التي أسست مملكة لها ضمن حدود الإمبراطورية البيزنطية. خلال تلك القرون، انتشرت القبائل العربية المسيحية في جميع أنحاء سوريا وفينيقيا، وشمال شبه الجزيرة العربية، وكان لها أساقفتها وكنائسها.

في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلادي، ازدهرت المسيحية أيضاً في مملكة الحِيرة.

من غير المؤكد ما إذا كان النعمان الأول، وهو أشهر حكام المناذرة، كان مسيحياً، لكنه كان مدافعاً وراعياً قوياً للمسيحية حتى ازدهرت في عصره. صعدت مملكة الحِيرة في عهد النعمان الأولى لتشمل جميع عرب بلاد ما بين النهرين وصولاً إلى الخليج العربي وجزر البحرين.

خريطة المناذرة (أخضر فاتح) في القرن السادس الهجري- ويكيبيديا

يُشار عموماً إلى أن التجار المسيحيين كانوا من أوائل الذين دخلوا شبه الجزيرة العربية، وأنشأوا مجتمعاتٍ في المدن التجارية الكبرى، مثل مكة. كان هؤلاء المسيحيون الأوائل في الغالب من العرب الذين تحولوا إلى المسيحية -كالغساسنة- ويمارسون نسخة من المسيحية تأثرت بشدة بثقافاتهم المحلية.

المسيحية في جنوب غرب الجزيرة العربية

تشير الروايات إلى أن أقدم اتصال للمسيحية بجنوب الجزيرة العربية كان عندما مرَّ الرسول بارثولوميو Apostle Bartholomew (من القرن الميلادي الأول) باليمن بينما كان في طريقه إلى إثيوبيا مبشراً بالإنجيل. في ذلك الوقت، كان اليمن بلداً تجارياً معروفاً للرومان، وكان متصلاً تجارياً وسياسياً بالحبشة.

في القرن الميلادي الرابع، خلال عهد قسطنطين العظيم، زار بلاد حِمير، جنوب شبه الجزيرة العربية، مجموعة من المسيحيين الذين حظوا بمكانة في بلاط الملك؛ مما أدى -بمرور الزمن- إلى دخول البعض في المسيحية، وبناء الكنائس واستقبال الحِميريين للكهنة.

كانت نجران، جنوب السعودية حالياً، وظفار يريم، إب اليمن حالياً، أبرز أماكن التواجد المسيحي في جنوب غرب الجزيرة العربية.

اقرأ أيضاً: القومية المسيحية تمزق إثيوبيا

كانت المسيحية مزدهرة في نجران خلال القرن الرابع؛ بفضل مجموعة من المسيحيين العرب القادمين من مدينة البتراء، والذين أسسوا كنيسة وديراً في نجران (بحسب بعض الروايات). سرعان ما أصبحت نجران مركزاً للمسيحية، قبل أن يتعرض مسيحيوها لاحقاً للحرق، كما ورد في قصة أصحاب الأخدود المشهورة في القرآن الكريم.

أدت حادثة الأخدود إلى إخضاع مملكة حِمير واليمن للحكم الحبشي في بداية القرن السادس، وذلك عندما غزا ملك الحبشة، كالب، الحِميريين لحماية المسيحيين؛ ونتيجة لذلك، عُرف كالب باسم القديس إلسبان (Elesbaan). لم يكن الملك كالب مسيحياً قبل غزو اليمن، لكنه كان على علاقة ودية مع الرومان، وكان قد تعهّد لهم باعتناق المسيحية إذ نجح في غزو اليمن، ويُذكر أنه وفى بتعهده، وقد أُعيد -بعد غزو الأحباش لليمن- بناء الكنائس التي كانت قائمة قبل محرقة نجران، وتم تعيين أساقفة وكهنة جدد.

بقايا كنيسة القليس في صنعاء، اليمن- أرشيف

أخيراً، في القرن السادس، وفي عهد أبرهة، تمتعت المسيحية في جنوب الجزيرة العربية بسلامٍ وازدهار عظيمين، وكانت في سلام مع جميع القبائل العربية. كان أبرهة حبشياً مسيحياً أصبح ملكاً على حِمير، وفي عهده تحول العديد من اليهود والوثنيين إلى المسيحية، وتم وضع الأسس لبناء كاتدرائية صنعاء الشهيرة، أو ما تعرف بكنيسة القُلّيس. كان ذلك قُبيل بعثة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وظهور الإسلام.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة