الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مواطنو الرايخ في ألمانيا.. اليمين في أقصى تطرفه

تتبنى الجماعة التي حاولت تنفيذ عملية انقلابية في ألمانيا أيديولوجية قومية عنصرية معادية للسامية والأجانب

 كيوبوست

لا يرى كثير من الباحثين المهتمين بقضايا اليمين المتطرف في أوروبا، تخطيط مجموعة يمينية متطرفة للقيام بأعمال عنف في ألمانيا، أمراً غريباً أو غير متوقع؛ فما حدث فقط هو عودة هذه الأعمال مجدداً إلى الواجهة بعد غياب استمر بضع سنوات، فأفكار اليمين المتطرف في نمو متزايد؛ خصوصاً تلك التي تستند إلى أفكار “مواطني الرايخ” Reichsbürge.

وتشير الأخبار المنشورة عن اعتقال السلطات الألمانية، الأربعاء 7 ديسمبر 2022، نحو 25 فرداً يشتبه في تخطيطهم لشن هجوم على البرلمان، إلى أن هذه المجموعة تنتمي إلى فصيل داخل مجموعة “مواطني الرايخ”، يتبنى الأفكار الأكثر تطرفاً، والأكثر اعتماداً على العنف.

اقرأ أيضًا: ترجمات: ألمانيا غير موجودة: تحليل حركة “مواطنو الرايخ”

فصيل متطرف من “مواطني الرايخ”

أشار موقع “دويتشه فيله” إلى تنفيذ الشرطة الألمانية مداهمات في أنحاء مختلفة من ألمانيا، واعتقالها 25 شخصاً من أفراد “مجموعة إرهابية” بتهمة التخطيط للإطاحة بحكومة البلاد في انقلاب عسكري؛ من بينهم أعضاء في حركة “مواطني الرايخ” (Reichsbürger) المتطرفة، وثلاثة يدعمون المجموعة بينهم مواطنة روسية. ويُعتقد، بناءً على ما توفر من معلومات مصدرها بيان السلطات الألمانية، أن هذا الفصيل تكون منذ نوفمبر 2021، وعقد اجتماعات سرية، شملت تدريبات على الرماية، وكان يسعى إلى إسقاط نظام الدولة باستخدام العنف.

مِن بين مَن أُلقي القبض عليهم “الأمير هاينريش الثالث عشر”، وهو رجل أعمال ألماني، وأحد أفراد عائلة رويس التي حكمت قديماً مناطق في ألمانيا حتى عام 1918. وكان من المخطط له تنصيب الأمير هاينريش زعيماً جديداً للبلاد. وتشير المعلومات إلى ترؤس “الأمير” “المجلس الحاكم للمجموعة” الذي اجتمع لمناقشة خطط الانقلاب، معتبراً نفسه رئيس الدولة التي ستتأسس لو نجح التمرد. وَوُجِّهت إلى هاينريش تهمة الاتصال بممثلين عن الاتحاد الروسي في كل من روسيا وألمانيا؛ على أمل كسب التأييد للإطاحة بحكومة برلين.

الأمير هاينريش الثالث عشر

وتشير البيانات إلى أن “المجلس الحاكم”، وهو على غرار مجلس الوزراء في الحكومة النظامية، تضمن وزارات مثل العدل والخارجية والصحة، وكان يجتمع بانتظام منذ نوفمبر 2021؛ من أجل التخطيط للاستيلاء على السلطة في ألمانيا وإنشاء هياكل دولة خاصة به. ومن بين المشتبه بهم جندي في القوات الخاصة للجيش، وعدد من جنود الاحتياط، ونائبة سابقة في البرلمان الاتحادي عن حزب البديل اليميني الشعبوي، بالإضافة إلى شرطي سابق، كان مسؤولاً عن أمن الجالية اليهودية في ولاية ساكسونيا الجنوبية قبل تسريحه.

وفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة Amadeu Antonio عام 2018، تنتمي هذه المجموعة إلى جماعة كبيرة ومتنوعة من الأيديولوجيين اليمينيين الذين يختلفون في درجة ميلهم إلى العنف والتشدد؛ لكنهم جميعاً يتفقون على رفض جمهورية ألمانيا الاتحادية والدستور وجميع مؤسسات الدولة. وعلى ذلك، فقد قسمتهم الدراسة إلى مجموعة “مواطني الرايخ” Reichsbürger و”الإداريين الذاتيين” Selbstverwalter. ولدى كل هذه المجموعات استعداد للعنف بمستويات مختلفة. ويعود ظهور “مواطني الرايخ” إلى الثمانينيات، ويصل أتباع المجموعة إلى نحو 21 ألف شخص، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الألمانية في عام 2020؛ منهم نحو 950 من المتطرفين اليمينيين، ولدى ما لا يقل عن 1000 منهم تراخيص امتلاك أسلحة نارية، ويتركز أعضاء الحركة في الجزء الجنوبي والشرقي من ألمانيا، وبدأت الاستخبارات الداخلية تتبعهم بعد واقعة قتل أحد المنتمين إلى الحركة ضابطاً ألمانياً تابعاً لوحدة شرطية خاصة، وذلك في التاسع عشر من أكتوبر عام 2016.

وقد سبق وأشارت تحليلات في مراكز فكرية متخصصة في مكافحة الإرهاب؛ ومنها موقعا “عين أوروبية على التطرفو”مركز مكافحة التطرف“، إلى الخطورة التي تمثلها هذه الجماعة؛ بسبب تغلغلها في الأجهزة الأمنية والجيش وإمكانية وصولها إلى الأسلحة والتدريب والمعلومات السرية.

شعار حركة “مواطني الرايخ” المتطرفة

أبرز الأفكار التي يؤمن بها “مواطنو الرايخ”

يوضح موقع الاستخبارات الألمانية الداخلية، في دراسة منشورة في 2018، رفض “مواطني الرايخ” وجود جمهورية ألمانيا الاتحادية، وإصرارهم على أن حدود الإمبراطورية الألمانية لعام 1937 أو 1871 لا تزال موجودة، ويرفض أعضاء الجماعة نظام ألمانيا، ونظامها القانوني، وينكرون شرعية ممثليها المنتخبين ديمقراطياً، ويزعمون أن النظام القانوني الألماني لا ينطبق عليهم. ولا يعترف “مواطنو الرايخ” بمؤسسات الدولة الألمانية، ولا يطيعون الشرطة، ولا يدفعون ضرائب ولا رسوم ضمان اجتماعي، وهم يصدرون بطاقات هوية لأنفسهم ويعيدون تصميم لوحات تسجيل سياراتهم.

ووفقاً لموقع الاستخبارات الداخلية الألمانية، تتبنى الجماعة أيديولوجية قومية عنصرية معادية للسامية ومعادية للأجانب. ويزعم المتطرفون اليمينيون أن قيمة الشخص تحددها المجموعة العرقية أو الأمة التي ينتمي إليها.

من جانبه، يشير الباحث جاكوب جول، من مركز ISD، إلى أن البيان الصحفي حول المداهمات يشير أيضاً إلى أن أفكار جماعة اليمين المتطرف الأمريكية QAnon  كانت مصدراً مهماً لإلهام الفصيل الإرهابي؛ وهي جماعة تقوم على نظرية المؤامرة، ويعتقد أتباعها أن شبكة من النخب الليبرالية تحكم العالم. كما يذكر جاكوب جول، أن أفكار “مواطني الرايخ” تجذب فئات من الناس، ويبدو أن بعض أعضاء الحركة يستهدفون الأشخاص الذين يعانون ضائقة مالية ويخشون التعرض للطرد من منازلهم، ويتعهدون بمحاربة القوى “غير الشرعية” التي تحاول تنفيذ قرارات الطرد. ووفقاً لبحث نُشر في عام 2015، فإن أتباع “مواطني الرايخ” يكونون عادةً من الذكور العزاب الأكبر سناً، والذين يعانون العزلة الاجتماعية، وأنهم يميلون إلى أن يكونوا نرجسيين ويظهرون تقديراً مبالغاً فيه للذات.

اقرأ أيضًا: التحدي اليميني المتطرف في أمريكا وأوروبا وإسرائيل

ما الذي يمكن أن يحمله الغد؟

كريستيان كوخ

يلفت الباحث الألماني كريستيان كوخ، مدير مركز الخليج للأبحاث في جنيف، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن تدخل المكتب الفيدرالي لحماية الدستور يعني أن المجموعة وصلت إلى مستوى حقيقي من التهديد، كانت الدولة معه بحاجة إلى التدخل. وعلى ما يبدو، كانت هناك بعض الخطط الملموسة؛ بما في ذلك اقتحام البرلمان وقتل البرلمانيين. لذلك فإن الدولة ترسل إشارة واضحة حول سلطتها، وتتعامل مع ما حدث باعتباره تحذيراً أكثر منه تهديداً على درجة عالية من الخطورة؛ لكن ما يجب التعامل معه حقاً هو أن الاستقطاب والميول المتطرفة آخذة في الارتفاع، وهو ما يظهر في تزايد أرقام المنتمين إلى “مواطني الرايخ” في السنوات الأخيرة. ومن جانب آخر، فإن من المهم الانتباه إلى أن جماعات اليمين المتطرف تستغل مجموعة مختلفة من الأسباب؛ بما في ذلك عدم الرضا عن النظام السياسي الحالي، ومعارضة حملة التطعيم ضد فيروس كورونا، والإحباط الاقتصادي، وأزمة الحرب الأوكرانية التي دفعت الناس إلى التذمر بسبب ارتفاع الأسعار، والنقص في مواد الطاقة، إضافة إلى تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية، لجذب مؤيدين لها. ومن ثم فقد تحولت الجماعة من حركة احتجاجية لتصبح أقرب إلى أن تكون حركة عنيفة، إلى الحد الذي تطلب من الدولة اتخاذ هذه الخطوة الأولية ضدها.

جاسم محمد

ويتفق الدكتور جاسم محمد، رئيس “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات” الألماني، مع ما طرحه كريستيان كوخ حول أسباب تصاعد اليمين المتطرف في ألمانيا، ويضيف لـ”كيوبوست” أن عملية المداهمة تعتبر مؤشراً خطيراً على تنامي اليمين المتطرف، الذي أصبح يشكل بالفعل تحدياً كبيراً للحكومة الألمانية، وهي طلقة تحذير للطبقة السياسية الألمانية لتوحيد عملها. وتعني أن على الحكومة تكثيف جهودها وتكثيف التدابير الاستخباراتية تحديداً حول أنشطة اليمين المتطرف، لأن المنتمين إليه باتوا متغلغلين في مفاصل خطرة من المجتمع كمؤسسات الأمن والدفاع، وينشطون بصورة سرية. ومن ثم فإن على الحكومة الألمانية بذل جهود كبيرة لتتمكن من رصدهم، بعد أن أصبحوا أكثر خطورة من الجماعات الجهادية الإسلامية في ألمانيا؛ فالأزمات المستمرة الاقتصادية بصورة خاصة، والتي تنامت بعد الصراع الأوكراني- الروسي، تشير إلى مزيد من فرص الاستقطاب، وإمكانية أن يصبح اليمين المتطرف أكثر انتشاراً في الشارع الألماني. وتوقع محمد أن يستمع البرلمان الألماني أكثر إلى تقييم الاستخبارات الألمانية الداخلية لنشاطات جماعات اليمين المتطرف، وأن ينشر بعض التقارير التي تقدمها الاستخبارات حول تقييم نشاطات اليمين المتطرف؛ لكي يكون الألمان على اطلاع عليها، أخذاً في الاعتبار أن المداهمات الأمنية لن تضع حداً لهذه الجماعات المتطرفة بصورة نهائية، وأن علاج الأسباب الحقيقية هو الحل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة